بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





دور الإعلام في التعريف بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أحمد علي سليمان



   عدد الزيارات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة إفريقيا العالمية

المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية الشريفة

الخرطوم – السودان : في الفترة من 29-30- صفر 1434هـ الموافق 11-12 يناير 2013م

 

 

 


دور الإعلام في التعريف بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)

 

                                                                                           

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم

أحمد علي سليمان

 الباحث - المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقـدمـــة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه الأكرمين.. وبعد..

إن أخطر ما يهدد الجماعات الإنسانية ويعزلها، هو الشعور بالاكتفاء الذاتي فكريًّا، والتقاعس عن عرض ما لديها لغيرها، وعدم الرغبة في قراءة الآخر والتعرف عليه، وهو شعور جد خطير ومكلف، قد يؤدي للتقوقع على الذات، أو للصدام مع الآخر والخروج عليه...

ويعد الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة والتي حولت العالم إلى قرية صغيرة هو من أهم الوسائل التي تسهم في القضاء على العزلة والتقوقع والانكفاء على الذات. فالإعلام هو السمة البارزة لهذا العصر الذي نعيش فيه خاصة السنوات الثلاثين الأخيرة, فقد قوى واشتدت سطوته، حيث برز كقوة جبارة تؤثر تأثيرا مباشرا في الأحداث. وأصبح بالإمكان تصدير أي فكر من خلاله، في برامج تؤثر على الإنسان تأثيرا كبيرا, حيث تُغير هذه البرامج كثيرا من عاداته وتقاليده وأسلوب حياته دون خوف من مفتش الجمارك أو عيون الرقيب الإعلامي؛ لذلك فإن استخدام البث المباشر في الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وبرسوله (صلى الله عليه وسلم) والدفاع عن الإسلام والمسلمين وشرح قضاياهم أصبح فرض كفاية يمليه واقع الحياة؛ لأنه من الحكمة اختيار الوسيلة المناسبة للدعوة ([1]).

وفرض الكفاية أوجب على المعنيين في المجتمعات الإسلامية من فرض العين الذي يتوقف القيام به على المسلم ونفعه مقصور عليه، أما فروض الكفايات فنفعها يعم المجتمع بأسره، ويتخطى مصالح الأفراد ومنافعهم الخاصة.

ولما كانت الأمة الإسلامية أمة الخير والحق والعدل والنور... تنقل صور الخير إلى غيرها من الأمم والشعوب، معلمة ورائدة.. منطلقة من قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (آل عمران: 110)  وبهذه العناصر الكريمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، كانت الأمة الإسلامية قائدة البشرية ومعلمة الشعوب.. وستظل كذلك؛ ما أخلص أتباعها لرسالتهم، وقاموا على أمرها دعاة وهداة ومعلمين، ويوم أن يتوقفوا عن أداء رسالتهم فلن نستحقوا هذا التكريم؛ لأنهم تخلوا عن دورهم القيادي في الحياة ([2]).

إننا ونحن نتدارس قضية التعريف بنبي الإسلام سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، لغير المسلمين،  يجب أن نفرق بين الغرب كشعوب، وبين الغرب كمؤسسات للقرار، فالغرب كشعوب ليس لدينا معهم مشكلة، ولا يجب أن تكون..

ويقسم بعض الباحثين المجتمع الغربي إلى فئات ثلاث:

الأولى: فئة العامة من الناس: وهؤلاء يستقون معلوماتهم عن الإسلام وعن نبيه (صلى الله عليه وسلم) من خلال وسائل الإعلام المختلفة، فهم ضحايا التدليس المتعمد والتشويه المدلس من ناحية، ثم هم ضحايا غيابنا نحن المسلمين في الشرق والغرب عن التعريف بديننا وحضاارتنا ونبينا، وعن الحضور والتأثير إعلاميًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، وليس هناك ميدان واحد لنا فيه إسهام مؤثر تجاه تعديل الصورة وإنصاف الحقيقة وإنقاذ هؤلاء.

والثانية: فئة المثقفين والباحثين والعلماء: وهؤلاء لا يكتفون بما يقدمه الإعلام الغربي عن الإسلام، بل يشكون فيه ويعرفون أن أغلب ما يُقدم إنما يصدر عن رؤية كارهة ومغرضة؛ ولذلك فهو في نظرهم يفتقد الموضوعية والحياد، ولهذا فبعض هؤلاء يحرص على القراءة عن الإسلام، ويبحث عن الكتاب الإسلامي باللغة التي يجيدها من المصادر المضمونة والقريبة منه –وللأسف الشديد- فلا يجده..!!  وللأسف الشديد هناك نقص كبير فيما يقدمه المسلمون من  كتب تتحدث عن الإسلام ونبيه عليه السلام باللغات الأجنبية، الأمر الذي يُلجأ بعض الباحثين الغربيين إلى تُعلم اللغة العربية؛ حتى لا يقع ضحية الفكر المغشوش والثقافة المسمومة، التي تملأ الأسواق هناك عن الإسلام والمسلمين.

ومن هنا تأتي أهمية عقد هذا المؤتمر الدولي المهم عن السيرة النبوية الشريفة في السودان الشقيق، ونأمل أن يتم ترجمة أعمال المؤتمر إلى اللغة الإنجليزية؛ لتعميم الاستفادة منه، وسد النقص في هذا الجانب.

والفئة الثالثة: الغرب كمؤسسات للقرار: وهؤلاء لهم أهدافهم وأطماعهم، ولهم أجندتهم الخاصة، ولهم أيضا رؤيتهم للإسلام والمسلمين، ولذلك فالمشكلة الحقيقية مع هؤلاء؛ لأنهم هم الذين يمثلون الغرب المستغل.. الغرب صاحب مشروع السيطرة والتقسيم والعدوان على الآخرين.. الغرب صاحب منظومة الكذب التي تشوه الآخر وتحط من قدره، وتحاول إشاعة الخوف منه، وتلصق به أبشع الاتهامات، ولا تكف عن الهجوم عليه، واستعداء الشعوب ضده.."([3]).

ومن هذا المنطلق يمكن أن تنطلق عملية التعريف بنبي الإسلام للشعوب والعلماء والمثقفين والأكاديميين بفاعلية، لاسيما وأن الإنسان الغربي لا زال لديه من رصيد الفطرة ما يمكنه من تقبل الحقيقة إذا عرضت عليه بذكاء، وقدمت له في صورتها النقية، كما أن مساحة الحرية المدنية تجعلهم يدافعون عن الفكرة التي يؤمنون بها..

ومن هنا يأتي دور الإعلام الإسلامي النابه الذي يستطيع أن يصل إلى الغرب على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتوجهاتهم الإيدولوجية.

وهذا البحث يتضمن تجارب عملية وشخصية في مجال التعريف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبدينه الحنيف، أتيحت لكاتبه من خلال زياراته الدعوية في العديد من دول أوروبا وآسيا وقارة أستراليا، كما أنه يعرض لعدة قضايا في مجال دور الإعلام في التعريف بالنبي على النحو التالي:

- المحور الأول: قراءة في تعاطي وسائل الإعلام مع الإساءات الموجهة لرسولنا عليه الصلاة والسلام

- المحور الثاني: المسلمون.. وصورة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الإعلام الغربي

- المحور الثالث: تجارب رائدة في التعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم)

- المحور الرابع: إنشاء جهاز إعلامي عالمي للتعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم)

والله أسأل أن يوفق الجميع لما فيه خير الأمة وصلاحها (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة4)                                                                             

أحمد علي سليمان


المحور الأول

قراءة في تعاطي وسائل الإعلام

مع الإساءات الموجهة لرسولنا عليه الصلاة والسلام

إن الناظر المدقق في طريقة التعاطي والتعامل مع أزماتنا، ليلحظ افتقادنا لمرجعية موحدة قادرة على إدارة الأزمات بطريقة تبرز الوجه الحضاري للإسلام ولنبيه (صلى الله عليه وسلم)؛ فعلى سبيل المثال: نجد أن ردود الأفعال الإسلامية على الرسوم المسيئة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، ثم على الفيلم الهولندي "فتنة" ومن بعدهما الفيلم الأمريكي المسيئ، على الرغم من أنها كانت عشوائية وتدعم الصورة السلبية التي يروجها الإعلام الغربي إلاّ أنها عكست غيرة شديدة على رسول الإنسانية محمد (صلى الله عليه وسلم) وأكدت أن محمدا الذي استطاع توحيد هذه الأمة في السابق هو الوحيد القادر على توحيدها حالياً، كما عكست هذه الأزمات مدى توغل العنصرية ضد الإسلام، وكيف أغرى الضعف العربي والإسلامي بعض الأشخاص من الغرب للإساءة إلى نبينا العظيم، وقرآننا ومقدساتنا وثوابتنا.. كما أظهرت ضعف وسائل الإعلام في المجتمعات الإسلامية للتصدي لمثل هذه الهجمات البربرية وحملات التشويه المتعمدة التي تستهدف نبي الإسلام سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأثبتت أن الإعلام العربي والإسلامي لم يكن عند مستوى التحدي في تناول هذه القضايا التي تمس دينه وعقيدته، ولعل السبب في هذا يرجع إلى افتقادنا للعمل الجماعي، وإنشغال الإعلام بقضايا هامشية.

والناظر في الدراسات والمقالات التي تناولت الواقع الدانماركي والهولندي والأمريكي والتي احتلت مساحات كبيرة، إبان هذه الأزمات، يلحظ أن معظم هذه الكتابات كانت هشة ودون المستوى المطلوب في التعاطي مع هذه الأزمات، كما أنها قد تناولت قراءة هذا الواقع من بعيد، فجاءت مجانبة لصدقية الواقع من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت معظمها كتابات عاطفية وأقوالا مرسلة مفتقدة لروح العمل الجماعي، ومن ثم لم تتعامل مع القضية بالشكل السليم كما نعتقد..

وفي هذا السياق أتذكر ما حدث يوم الحديبية، وما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) من تضحيات وقبوله بالشروط المجحفة التي فرضها مشركو مكة على بنود الصلح –ظنها المسلمون يومها وهم كثرة أنها رضى بالدنية في دينهم- وقد نظر النبي (صلى الله عليه وسلم) بفكره الثاقب المعصوم إلى القضية بشكل شمولي، مقدرا ومقدما المصلحة العليا والعامة للمسلمين وحفظ دمائهم، ومقدرا عاطفة أصحابه الجياشة لنصرة الدين، ومتعاملا إزاءها بحكمة بالغة، وهو يعلم من الله تعالى أن بعض الناس قد دخلوا الإسلام بمكة وأخفوا إسلامهم، ولو دخل المسلمون الحرب –والإسلام يكرهها- مع مشركي مكة لقُتل بعض المسلمين -الذين لم يظهروا إسلامهم بعد- خطأ.. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (الفتح25) ([4]).  وهكذا كانت حكمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) البالغة في تعامله مع تلك الأزمة..

أما ما حدث منا إزاء أزمة الرسوم المسيئة فكان يتسم بغياب الرؤية الشمولية من ناحية، وغلبة العاطفة –التي نقدرها- مع غياب الرؤية الاستراتيجية التي تراعي المصلحة العليا للمسلمين من ناحية ثانية، وتناسي مستقبل المسلمين في الدانمارك -مثلا- والبالغ عددهم 200 ألف مسلم من ناحية ثالثة.. إن الناظر المدقق في مسألة الحديبية وغيرها يلاحظ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد اعتمد الحوار الهادئ وسيلة للتواصل مع الآخر، بدلا من الصدام والصراع والصراخ والبكاء على اللبن المسكوب..

 وكان يجب علينا إزاء أزمة الرسوم وغيرها أن ننتهج نهجه (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع الملمات والأمور الجلل؛ لنبرز للعالم كله من هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وسلم) في عدله وسماحته وعظمته بمعناها الشامل، وكيف كان تعامله تعاملا حضاريا.. إن غياب قراءة الواقع الدانماركي والهولندي والأمريكي –على سبيل المثال- من الداخل لدى الكثير من الكُتَّاب الذين كتبوا عن تلك الاساءات التي خرجت من رحم تلك الدول، قد تسبب في زيادة الخرق على الراقع من ناحية، وتسبب أيضا في عناد الآخر وتكاتفه للرد على انفعالاتنا غير المحسوبة من ناحية أخرى بما يبرز ضعفنا وقلة حيلتنا، مما يحتم على من يتصدى للكتابة في هذا الموضوع أو ما يناظره، أن يقرأ الواقع من الداخل قراءة جيدة، حتى يكون ما يقدمه أكثر ثأثيرا وقبولا من الآخر مما يجعلهم يراجعون مواقفهم من الإسلام والمسلمين .. ومن ثم تحويل نظرة غيرنا إلينا، من مرحلة الاستعداء إلى مرحلة الحياد، ومن مرحلة الحياد إلى مرحلة الإنصاف.

فمن خلال زيارتي للدانمارك والتي استمرت شهرا كاملا في شهر رمضان 1428هـ التقيت فيها ببعض المسئولين هناك، وألقيت خلالها الكثير من المحاضرات عن سماحة الإسلام ورحمة النبي (صلى الله عليه وسلم)، في إطار الحملة التي تقودها رابطة الجامعات الإسلامية للتعريف بنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) وأستطيع أن أقرر أن شعب الدانمارك –وليس العنصريين منه- فيما يبدو للزائر شعب يقبل الزائر ويحتفي به، ويقبل الحوار العلمي، ويستمع إلى الرؤية الإسلامية السليمة بجد وإنصات وشغف، ويتعجب جدا حينما يعرف حقيقة الإسلام الصحيح التي شوهها الإعلام الصهيوني زورا وبهتانا.. وهذا يؤكد أن الغرب على استعداد لتغيير مواقفه إذا قدمت إليه حقائق الإسلام بصورة منهجية سليمة، تأخذ بعين الاعتبار التفاوت بين الثقافتين (الغربية والإسلامية)  الأمر الذي  يحتم علينا القيام باستراتيجية لتصحيح مسار إعلامنا الإسلامي لمواجهة التحديات التي تفرضها علينا المتغيرات الدولية.

لذلك يجب أن نغوص في معرفة الكثير من الحقائق عن ثقافة هذه المجتمعات؛ حتى تكون مواقفنا على قدر كبير من فهم دقيق ومعمق للواقع الغربي، بعيدا عن الكتابات العاطفية.  وانطلاقا مما سبق وتحليا بروح الإنصاف نرى أنه ليس عيبا أن ننقد ذاتنا ونراجع مواقفنا وردود أفعالنا تجاه ما يقدمه الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمين.. وأن نتحلى بالشجاعة لتحديد عيوبنا وأوجه قصورنا‏.‏ فما أحوجنا لمثل هذه المنهجية في التفكير، مدعومة بإعلام إسلامي نابه، يبرز الجوانب الحضارية التي أرساها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

                                                         *  *  *


المحور الثاني

المسلمون.. وصورة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الإعلام الغربي

لقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة الخاتمة، فبلغها خير تبليغ، وتحمل في سبيل ذلك هو وأصحابه الكرام الكثير والكثير من العنت والظلم والاضطهاد، حتى ظهر نور الإسلام في كل مكان، ففتح الله تعالى بهم قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا.. وذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ربه راضيا مرضيا، وبقى الواجب الثقيل على أتباعه المؤمنين من بعده لتبليغ هذه الرسالة، بإقامة حجة الله على الناس، واستنقاذهم من عذاب الله يوم القيامة.. وإنها لمهمة جد صعبة وتحتاج بعد الاستعانة بالله والإخلاص له، إلى النَّفَس الطويل، في ظل القوة العاتية الطاغية المضللة التي تفصل بين الناس وبين الدعوة، وتفتنهم عن دينهم بالتضليل وبالقوة، وما أشبه الليلة بالبارحة..!!

يقول الدكتور السائح على حسين: ".. المسلمون أصحاب رسالة عظيمة في هذه الأرض إلى يوم القيامة، وهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل، وهم المختارون لحمل راية الله في الأرض يواجهون بها رايات الشرك والطغيان، ويلتزمون بما التزم به رسل الله، الذين لم يبلغوها باللسان، ولكن بلغوها –مع هذا- قدوة ممثلة في العمل، وجهادا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والمعوقات، سواء أكانت شبهات تُحاك، وضلالات تزين، أم كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين "([5]) .

ومن هنا فلابد أن ننطلق في التعريف بنبي الإسلام والدعوة إليه ببلاغ بالبيان من ناحية، وبلاغ بالعمل من ناحية ثانية، وبلاغ بالقدوة الحسنة من ناحية ثالثة، على أن يكون الداعي أو المُبلغ، أو المُعرف ترجمة حية وحقيقية لما يجب أن يكون عليه المسلم، ولابد أن يلتزم المسلمون بالإسلام وروحه وجوهره، سلوكا وقيما ومنهاجا لحياتهم على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية..

إن الانطلاق إلى آفاق الدعوة والتعريف بالنبي عليه الصلاة والسلام من خلال وسائل وآليات الحوار ومنهجية إعداد الدعاة ووسائل الإعلام...وغيرها، يجب أن يسبقها –أو يتوازى معها- تربية أخلاقية وسلوكية للمسلمين.. كل المسلمين، لاسيما المسلمين الذين يعيشون في البلدان غير الإسلامية، حيث يعد كل واحد منهم سفيرا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ذلك أن أفضل وسيلة للتعريف بالإسلام هو سلوك المسلم مع غير المسلمين وفي محيطهم -والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة- لأن المخالف له في الدين يحكم على دين هذا الشخص من خلال سلوكه. فمثلا المسلم الذي لا يعبأ بأهمية الوقت واحترامه في بلد يقدس احترام الوقت –على الرغم من أن تعاليم دينه تقدس الوقت وتحترمه- حري بغير المسلم أن ينفر منه من ناحية، ويطعن فيما يعتقده من ناحية أخرى، وبالتالي يكون سلوك هذا المسلم قد أضر بدينه ضررا كبيرا ..

إن ما يحزن القلب أن تشويه صورة الإسلام ورسوله (صلى الله عليه وسلم) في الغرب يُسهم فيه بنصيب كبير بعض المسلمين الذين يعيشون هناك، فتراهم يسلكون سلوكياتٍ لا يرتضيها الإسلام، تتمثل في غياب القدوة، وشتاتهم، وانتشار ظاهرة الإسلام الوهابي، والإسلام المصري، والإسلام العراقي، والإسلام السوري، والإسلام المغربي، والإسلام الجزائري.. وكل نوع ينقسم إلى: سلفي، وإخواني، وعِلماني.. سني أو شيعي وهكذا. وكل فرقة تتعصب لمبادئها، ومن ثَمَّ تتولد الصراعات والأحقاد...إلخ، ولا يكاد يجد الإنسانُ الغربي الإسلامَ إلا في حالة الصراع والشتات، فضلا عن الشقاق بين المسلمين بعضهم البعض وبين قادة العمل الإسلامي بعضهم البعض-بالإضافة إلى ما كرَّسه الإعلام الصهيوني في أذهانهم من صورة سيئة عن الإسلام..!! ناهيك عن سيطرة الدعة والكسل على الكثير من المسلمين هناك، حيث نرى فريقًا منهم يكتفي بإعانات البطالة التي تمنحها لهم الدولة التي يقيمون فيها، ولا يسهمون في أي عمل يؤدي إلى نمو المجتمع ونهضته، بالإضافة إلى انعزالهم وعدم انخراطهم في المجتمع -مع عدم التفريط في ثوابتهم- ومن ثَمَّ لا يشكلون قوة يحسب حسابها، على الرغم من كثرتهم..!! وكان الأجدر بهم أن يقدموا صورة طيبًة للإسلام؛ تسهم في انتشاره وتدعم وجودهم فى تلك المجتمعات، كما حدث من أسلافهم التجار، الذين نشروا الإسلام بحسن أخلاقهم وسلوكهم وصدقهم وسماحتهم في جنوب شرق أسيا وفي شرق وغرب ووسط أفريقيا..

ومن هنا يجب أن يعلم المسلم هذه الحقائق ويعيها جيدا؛ لأنه بابتعاده عن تعاليم دينه وقيمه النبيلة لا يضر بنفسه فقط، بل يضر بدينه ويدعم الصورة السلبية والنمطية التي يقدمها الإعلام الغربي عن الإسلام ونبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ويجعل من ذلك مادة خصبة تتناولها وسائل الإعلام الغربية، وكثير منها تحمل أجندات خفية تجعلها تركز على  سلبيات المسلمين الذين يعيشون هناك. ومن هنا فإن الدارس الذي يذهب إلى البلاد غير الإسلامية، وكذا المسافر للسياحة أو العمل أو المهاجر... إلخ يجب أن يكون قدوة طيبة في أقواله وأفعاله وحركاته وسلوكياته، متمثلا لتعاليم دينه الحنيف، بحيث يكون قدوة حية وتجسيدا لروح الإسلام وسفيرا لرسوله (صلى الله عليه وسلم).

ويرى الباحث أن تصحيح الصورة النمطية السلبية التي يقدمها الإعلام الغربي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحتاج إلى تضافر جهود وسائل التربية من مؤسسات دينية وتربوية وإعلامية لتحقيق ذلك.. مع الأخذ في الاعتبار أن بذل الجهد وتوظيف الإمكانات والاستثمار في هذا المجال، يكون في مقدمة الثروات، ويكون أعلى وأغلى رأسمال للمسلمين، واستبقاء لكيانها العام. ويوم أن نحقق هذا الهدف فإن الأمور، ستسير في طريقها السليم.. وبالتالي نستطيع أن نؤكد أن تربية المسلم على مبادئ الإسلام وأخلاقه وقيمه، وتمثلها سلوكا ومنهاجا للحياة هي الخطوة الأولى نحو التعريف بنبي الإسلام، والتي يجب أن نحشد لها الطاقات...


المحور الثالث

تجارب رائدة في التعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم)

في إحدى الجولات الدعوية التي قمت بها في أوروبا وبالتحديد في مملكة الدانمارك -بعد أزمة الرسوم المسيئة لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)- شكلنا وفدا يضم ثمانية أشخاص، وتم اختيارهم بعناية، ثم توجه هذا الوفد لزيارة المرضى في بعض المستشفيات الكبرى في مدينة كوبنهاجن وقدمنا لهم الورود، وبعض الهدايا، فسألونا من نحن؟ فقلنا لهم نحن مسلمين، فقالوا: المسلمون نعلم عنهم أنهم لا يحملون الورود بل يحملون السلاح...إلخ، فأوضحنا لهم بمنتهى اللين والرفق واللطف أن الإسلام هو الدين الخاتم الذي جاء ليتمم الرسالات السماوية، وجاء ليصصح مسار الناس في هذه الدنيا ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويوجههم إلى طريق الله تعالى الذي خلقنا ورزقنا وميزنا بالعقل وإرسال الرسل ومن ثم كان التكليف، الذي يتبعه الحساب، ثم يليه نعيم مقيم، أو عذاب أليم والعياذ بالله. وأوضحنا لهم أن الإسلام دين يقبل الآخر ويحترم الأديان والحضارات والرسل السابقين؛ بل إنه جعل الإيمان بالرسل السابقين ركنا من أركان الإيمان لدى المسلمين، وأنه دين لا يجبر أو يكره أحدا على الدخول فيه؛ بل يدعو إليه بالعقل الذي هو مناط التكليف، وبالمنطق، يقول تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(البقرة: 256) وهو دين يحث على الخير والفضيلة ويحترم العلم والعلماء ويدعو إلى التفكر والتدبر في ملكوت الله، ويعاتب الذين يغلقون نوافذ عقولهم وقلوبهم، بل ويجعلهم كالأنعام يقول تعالى: (... لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(الأعراف: 179).. وبينا لهم أنه لا رهبانية في الإسلام، فتعاليمه سهلة ميسرة تناسب الإنسان أي إنسان في كل وقت وفي كل حين، قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(الحج: 78) وهو دين النظافة والطهارة والحرية.. حرية المعتقد وحرية الفكر وحرية الرأي والتعبير... وهو دين يكرم المرأة ويجعل لها مكانة رفيعة في المجتمع.. فهي أم وأخت وزوجة وبنت.. دين يراعي حقوق الإنسان أي إنسان -بغض النظر عن إغفال بعض المسلمين تطبيق تلك المبادئ- بل هو الدين الذي يدعو إلى الرحمة والرفق بكل مفردات الطبيعة من إنسان وحيوان ونبات وحتى الجماد.. وأنه دين قام على الوسطية، واحترام العقل، ومخاطبة الوجدان، ووازن بين الروح والجسد، كما أنه دين واضح لا غموض فيه ولا لبس ولا تناقض فيه..  وقلنا لهم بعد إيضاح هذه الحقائق- إن ديننا الإسلامي الذي جاء به نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وسلم) يأمرنا بزيارة المرضى، وتفقد أحوالهم ورعايتهم، فقالوا لنا: إذا كان دينكم بهذه الحال، فلماذا لا تظهرونه للعالم؟ ولماذا تتركوننا فريسة للتشويه المتعمد وللإعلام الكاذب؟!

 وقد فرح المرضى فرحا كبيرا بما فعله هذا الوفد وأحسوا كأنهم في حلم.. وبعد أن نفدت باقات الورود التي معنا انتهت الزيارات، وتمنيت أن تكون الورود من الكثرة بمكان، بحيث تكفي لزيارة أكبر عدد ممكن من المرضى.

ولا شك أن هذه اللفتة الإنسانية كانت مظهرا من مظاهر إنسانية الإسلام ورحمة نبيه عليه السلام التي شملت الناس.. كل الناس: المسلم وغير المسلم، بل شملت كل مفردات الطبيعة والكون. والملفت للنظر أننا عندما قدمنا لهم الورود، وبعدها قدمنا لهم كتابا عن سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) استقبله البعض بابتسامة، أما البعض الآخر فقد رفضه أو أخذه على مضض، مستهجنا هذا العمل الذي يراه متصنعا.. وقد لفت انتباهي هذه الأمور فقدمت تقريرا، طالبت فيه، بما يلي:

·   أن تكون هناك عدة وفود، بحيث يتوجه كل وفد إلى مكان معين، على أن يتم اختيار هذه الوفود بعناية تامة.

·   أن تقدم هذه الوفود للمرضى الورود فقط، ولا تقدم كتبا، بل يمكن أن تقدم كروتا للتهنئة والتمنيات بالشفاء العاجل، موضحا عليها هاتف وعنوان المؤسسات الإسلامية المرسِلة .

·   أن تتم هذه الزيارات بطريقة رسمية بالتنسيق مع الجهات الرسمية في كل مدينة، بحيث يكون مغطي بغطاء رسمي

·   أن تكون الوفود مصحوبة ببعض الصحفيين المشهورين بالإنصاف، بحيث تغطى هذه الزيارات تغطية إعلامية تبرز سماحة الإسلام ورحمة نبيه عليه الصلاة والسلام، وتسهم في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين هناك.

·   أن تعمم هذه التجربة في شتى دول العالم الغربي.

·   على المسلمين الذين يعيشون في الغرب السعي لإنشاء إذاعات وقنوات فضائية وصحف ومجلات تتحدث بلسان حالهم، وتعد مرصدا لتصحيح الصورة المشوهة التي يكرسها بعض وسائل الإعلام الغربية.

ولا شك أن مثل هذا الإجراء العملي، يعد من الأمور المهمة التي لو خطط لها التخطيط الجيد، فلسوف تسهم في تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام والمسلمين.. وتجعل غير المسلمين يقبلون علينا وعلى ديننا بحب وشغف..

وبعد فإنني أرى ضرورة الاهتمام بكليات الدعوة الإسلامية وكليات الإعلام ومؤسسات تدريب الدعاة وتطوير مناهجها، بحيث تذخر ببرامج دقيقة لتكوين الإعلاميين والدعاة، وتطوير الخطاب الديني الذي يناسب وتجديد لغته لتخاطب الغرب بلغته وطريقة تفكيره بدلا من مخاطبة الذات.

تجربة رائدة:

وقف الباحث أثناء زيارته الدعوية لأستراليا في شهر رمضان سنة 1427 هـ -  أكتوبر 2006م، وقف على تجربة رائدة للمؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية في مجال التعريف بالإسلام وبنبيه عليه السلام، وهي مؤسسة تعد من أهم المؤسسات الفاعلة والعاملة على الساحة الأسترالية وتضم في عضويتها الآلاف من خيرة المسلمين الحاصلين على الدكتوراه والماجستير والشهادات العليا. ويرأس مجلس إدارتها عالم جليل من علماء الأزهر الشريف وهب نفسه للدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام في هذه القارة، ويتميز بالفكر الثاقب والحكمة والروية، هو البروفسير الدكتور إبراهيم سالم أبو محمد المفتي العام للقارة الأسترالية، وتعقد هذه المؤسسة محاضرة دينية ثقافية وفكرية شهرية، تعد وتنفذ وتترجم بصورة دقيقة للغاية وتنقل عبر وسائل الإعلام الأسترالية، وتتناول عرضا طيبا لحقائق الإسلام الحنيف والرد على الشبهات والمطاعن التي تثيرها القوى العنصرية والصهيونية ضد الإسلام والمسلمين، ويحضرها بصورة دورية جمع غفير من المسلمين وغير المسلمين. وثمة حوارات فكرية وثقافية وحضارية تنهض بها المؤسسة مع المؤسسات الفاعلة في أستراليا كالبرلمان الأسترالي وبعض الوزارات وغيرها؛ بهدف اختصار واختزال المسافات الفكرية والثقافية بين المسلمين وغيرهم، كما أن هذه الحوارات الدورية تخلق نوعا من التناغم والانسجام في مجتمع متعدد الثقافات. واستطاعت المؤسسة بفكر علمائها الثاقب وبإدارتها الجيدة أن تتغلغل داخل المؤسسات الفاعلة في أستراليا، وأن تستقطب المسئولين والباحثين وتستميلهم تجاه قضايا المسلمين، ومن ثم تمكنت من أن تحول النظرة إلى الإسلام من مرحلة الاستعداء, إلى مرحلة الحياد, ومن مرحلة الحياد إلى مرحلة مناصرة الحقوق العربية والإسلامية..ولاشك أن هذه المحاضرة التي يحضرها ما يقرب من ألف شخص من الرجال والنساء والشباب والأطفال تعد عرسا شهريا للمسلمين، وعيدا اجتماعيا وثقافيا يتلاقي فيه المسلمون على الخير والإيمان للتعرف على بعضهم البعض والمشاركة في أفراحهم وأطراحهم. والمؤسسة لا تقيم المحاضرات في المساجد بل في قاعات عامة حتى يتسنى للذكر والأنثى وغير المسلمين أن يحضروها.. وتهيئ المؤسسة من خلال هذه المحاضرات محاضن نظيفة للرؤية يتم فيها التعارف بين الفتى والفتاة في جو تحيطه الحشمة ويعلوه مراقبة الله وتحت سمع وبصر العائلتين، وفي هذا الجو يتم التعارف ويمكن حينئذ تيسير قضية الاختيار ثم الزواج، وهذا في صميمه جزء من العمل الإسلامي الذي ييسر الحلال في بلد يعز فيه اللقاء بين الأسر والعائلات.. وتُعقد المحاضرة مساء الجمعة الأخيرة من الشهر في إحدى القاعات الكبرى في مدينة سيدني. وتخصص المؤسسة ركنا خاصًا للأطفال تقدم لهم فيه الألعاب والوجبات والأفلام الكارتونية الهادفة. ويعقب المحاضرة عشاء جماعي يشترك في إعداده كل الأسر. وقد عقدت المؤسسة منذ نشأتها وحتى الآن أكثر من أربعمائة محاضرة، ويتم تسجيلها بالصوت والصورة، وتُباع على C.D بسعر رمزي جدًا لمن لم تمكنه ظروفه من الحضور. وتحرص إذاعة القرآن الكريم بسيدني -التابعة للمؤسسة- على نقل وقائع هذا العرس الثقافي على الهواء مباشرة، ثم تعيد إذاعتها مسجلة في أوقات أخرى حتى يستفيد منها المسلمون وغيرهم، وتعقد أيضًا على هامشها حفلات لتكريم المتخرجين في دورات تعليم التجويد، وتعليم اللغة العربية واللغة الإنجليزية، وكذلك الدورات التي تعقدها المؤسسة لتعليم المسلمين فقه الرد على الشبهات، وفقه التعريف بالإسلام وبنبيه الكريم. وتهتم المؤسسة بالترجمة اهتماما منقطع النظير بهدف إيصال الصوت الإسلامي الصحيح إلى المسئولين وإلى كافة الشرائح والفئات داخل المجتمع الأسترالي.. كما استطاعت المؤسسة أن تستغل بعض الأحداث والفاعليات التي تعقد على أرض أستراليا –لاسيما بعد أحداث 11 سبتمبر- كالأولمبياد الذي عقد في أستراليا منذ عدة سنوات؛ للتعريف بالإسلام الصحيح، ولتؤكد للشعب الأسترالي على أن الأمن في الإسلام له مكانة سامقة، وأن المسلمين في استراليا جزء لا يتجزأ من نسيج هذا المجتمع، وأنهم على أتم استعداد للمشاركة في تأمين الضيوف الذين سيتوافدون على أستراليا وقتذاك، وهكذا تمكنت المؤسسة أن تقضي على تخوف الأسترال من ناحية، وتعرف بالإسلام بطريقة علمية  أبهرت الأسترال من ناحية ثانية.. ومن هنا يمكن دراسة هذه التجربة الرائدة والاستفادة منها في مجال التعريف بالإسلام وبنبيه عليه الصلاة والسلام..   

*  *  *


المحور الرابع

إنشاء جهاز  إعلامي عالمي للتعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم)

في هذا العصر أصبحت الحاجة ملحة إلى توحيد جهود المؤسسات العاملة في مجال الدعوة والإعلام، تحت مظلة واحدة، بحيث يكون هذا الجهاز هو الآلية المعتمدة التي تستطيع المجتمعات الإسلامية التواصل من خلالها عبر الثقافات المختلفة، للتعريف بالإسلام وبنبيه (صلى الله عليه وسلم)، وفي هذا الإطار نقترح ما يلي:

-التنسيق والتشاور بين الهيئات والمؤسسات العاملة في حقل الإعلام الإسلامي.

- أن يضم هذا الجهاز نخبة كبار العلماء والمفكرين، والدعاة، والمترجمين ، وكبار رجال الإعلام المشهود لهم بالصلاح، وأيضا قادة العمل الإسلامي في الغرب من أصحاب السمعة الطيبة.

- عمل ربط مباشر عن طريق وسائل الإعلام الحديثة بين الجهاز وبين المؤسسات العاملة في المجال الإسلامي في الغرب، للاستفادة من خبراتها..

إن تكوين هذا الجهاز الموحد مرهون بمدى تفهم الحكومات والشعوب أهمية هذه القضية لاسيما في هذا الوقت الحرج من تاريخ الأمة الإسلامية، وبمدى ما تقدمه من دعم مادي ومعنوي وأدبي، وما تبذله من جهود لإنجاح هذا الجهاز..

يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي: "إن الإسلام الذي تمكن من بسط سلطانه المدهش على القسم الأكبر من العالم -قديما- لم يتمكن من ذلك إلا لأجل أن الأمة بكاملها قد آمنت بالإسلام إيمانا صادقا، وتمسكت به بعزيمة صادقة وإخلاص عميق، وصار نور الإسلام يتلألأ في سلوك أفرادها الفردي والجماعي بمنتهى النصوع والكمال. وقد برزت للوجود دولة تبنت الإسلام هدفا رئيسا لها، وهبَّت تستنفد كل ما تملك من الوسائل والإمكانات لتغليب كلمته في العالم. وهكذا تيسرت للإسلام في أولى مراحله حركة مستميتة قوية ما زالت آثارها في التاريخ واضحة المعالم جلية الملامح حتى اليوم" ([6]).

إن الجهاز المقترح للتعريف بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وتعاليم الإسلام يجب أن يرتكز على قاعدتين أساسيتين:

 الأولى: بشرية، وهم الدعاة والمشتغلون في مجال الإعلام الإسلامي..

والثانية: دعامة مادية تتمثل في مؤسسات الدعوة ومقارها، وأدواتها وكافة الوسائل المعينة على تحقيق الاتصال الناجح بين المرسل والمتلقي..

وأرى أنه قد آن الأوان ليخرج هذا الجهاز إلى النور، ليؤدي مهمته السامية ، هو من أوجب الواجبات نحو ديننا ونبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأقترح أن يتركز عمل الجهاز  فيما يلي:

1.  تطوير مناهج كليات وأقسام الدعوة الإسلامية وكليات الإعلام تطويرا شاملا، بما يتناسب مع متطلبات الدعوة في العصر الحديث. واختيار الدارسين فيها اختيارا دقيقا -في كل أنحاء العالم الإسلامي- من خلال نظام محكم للقبول لا يمر منه إلا من تتوافر فيه مقومات خاصة، تؤهله لأن يكون داعية بمفهوم الداعية الصحيح، والتركيز بصورة أساسية على الجانب الفني العملي للدعوة في مجال الممارسة والتطبيق، على أن يشمل التقويم فيها الجوانب العلمية والمعرفية والتربوية والسلوكية،  وإنشاء مؤسسات لتدريب الدعاة والمعرفين بالإسلام وبنبيه، والتوسع فيها.. وإعدادهم للأخذ بوسائل الاتصال الحديثة لنشر دينهم والذود عنه.

2.  توفير التمويل اللازم لأنشطة الجهاز، من الحكومات والشعوب، والمؤسسات المعنية، ومن أغنياء المسلمين، وحث الناس على وقف الأوقاف على هذا الغرض.

3.  فتح مدارس (متوسطة وثانوية) لاستقبال الشباب الموهوبين في مجال الإعلام والدعوة، والذين تفرزهم إذاعات المدارس، والأنشطة الطلابية، والمسابقات الخطابية وغيرها، وإعدادهم إعدادا خاصا، ليتحملوا مسئولية الدعوة ومهامها وتبعاتها في المسقبل..

4.  دراسة مشكلات الإعلام والدعوة في كل مجتمع من المجتمعات الخارجية على حدة، ووضع الحلول الحالية والمستقبلية لها. وأيضا دراسة التجارب الناجحة في هذا المجال، والاستفادة منها وتعميمها..

5.    تقوية إعلامنا ليكون إعلامًا قويًّا نابعًا من عقيدة راسخة ومنهجية علمية دقيقة ومنظمة..

6.  تأجير ساعات زمنية، ومساحات ورقية في كبريات القنوات والمحطات والصحف الأمريكية والأوروبية والعالمية، وإنشاء قنوات تليفزيونية ومحطات إذاعية وصحف عالمية باسم الإسلام، تبث وتنتشر في جميع أنحاء العالم.. وعندنا من الأقمار الصناعية ما يفي لتحقيق هذا الغرض، مع مراعاة أن يتم وضع خطط وبرامج وأهداف هذه القنوات وتلك الإذاعات بواسطة لجان علمية وفنية على أعلى مستوى فكري وفني في العالم الإسلامي، وكذلك يجب تنسيق جهود الحكومات والمنظمات والمؤسسات المعنية في هذا الصدد.

7.  إنشاء مرصد إعلامي لرصد وحصر الشبهات المثارة ضد نبينا (صلى الله عليه وسلم)، وتصحيحها بطريقة علمية جماعية تعتمد المنهج العقلي وذلك عبر وسائل الإعلام المناسبة.

وجدير بالذكر أن هناك بيوت خبرة للمسلمين في أمريكا وأوروبا يمكن الاستعانة بهم في ذلك..

8.   توفير التمويل اللازم لإنشاء الجهاز المقترح:

إن مقارنة بين الفاتيكان وحده بإمكاناته وطاقاته وسلطانه على الشعوب والحكومات المسيحية في العالم الغربي، وبين أجهزة التعريف بالإسلام مجتمعة في عالمنا الإسلامي، لتكشف لنا وتجسد ما تعانيه الأجهزة، وتهيب بنا جميعا أن نبحث عن مخرج لانتشالها من مأزقها.. ([7]). فإذا قارنا بين ما هو مخصص لهذا الغزو وبين ما هو مخصص للتعريف بالإسلام، بدا لنا العجز الكبير في إمكانات الدعوة من حيث القدرة المادية اللازمة، والتي بدون توافرها تصبح هذه الدعوة بين موجات الغزو الفكري المضاد، قزما بين عمالقة شداد.

إن قصور التمويل عن الوفاء بمتطلبات الدعوة وأجهزتها الإعلامية، وفاءً يمكنها من أن تصمد في معركة الصراع، جعلها كاحمائم بين النسور.. ومن نقترح أن تخصص الدول الإسلامية مجتمعة نسبة مئوية من ميزانيتها -ولتكن 1% أو حتى نصف في المائة- لتمويل ذلك الجهاز المقترح المنوط به التعريف بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، وتعاليم دينه، كما يمكن أن  تؤدي الأوقاف وتبرعات الأغنياء والأثرياء دورا مهما في تمويله..

 إن التمويل هو عصب هذه العملية المهمة، فبدونه لا نستطيع أن نخطو للأمام، فأجهزة الدعوة وأجهزة الإعلام ومؤسسات إعداد الدعاة وتدريبهم، والنشرات والمطبوعات، وعمليات الترجمة، وتجيش عدد من الدعاة والإعلاميين القادرين..... إلخ لا يمكن أن يتم  بدون المال ([8]).   

9.   ترجمة التراث الإسلامي للغات الأجنبية:

لقد وجهنا النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى العناية بالترجمة واللغات الأخرى والبراعة فيها؛ ذلك أن تعلم اللغات الأجنبية في الإسلام فريضة كفائية على المسلمين. لقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يذهب للتفاوض مع اليهود فكانوا يكتبون ويتكلمون مع بعضهم البعض بلغتهم السُّرْيانية، والنبي (صلى الله عليه وسلم) جالس بينهم ولا يعلم ما يكتبون وما يقولون، فاختار نابغة من النوابغ من رجال المسلمين، حاد الذكاء وحاد الذاكرة، هو سيدنا زيد بن ثابت (رضي الله عنه)، وقال له: أريد أن تتعلم لغة يهود. فجلس عندهم سبعة عشرا يوما، فأجاد اللغة السُّرْيانية تماما، وكان يجلس إلى جوار النبي (صلى الله عليه وسلم) ويترجم له ما يقوله اليهود. وكان يجلس حوله (صلى الله عليه وسلم) أيضا من يجيد اللغة الحبشية، ومن يجيد اللغة الرومية، ومن يجيد اللغة الفارسية.. ليتمكن من نشر رسالته العالمية للدنيا كلها.. وسار أصحابه الكرام ومن جاء من بعدهم على نهجه المبارك وعلى دربه الميمون، وكما قيل (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم)، ذلك أن الترجمة هي الوعاء المسئول عن نقل المعارف والخبرات والثقافات وتداولها بين أجناس البشر، وهي الآلية الأساسية في الحوار بين أهل الحضارات، وهي التي تكشف أيضا ما يخططه الأعداء وما يثيرونه من شبهات تمس عقيدتنا وتمس رسولنا (صلى الله عليه وسلم).. كما تساعدنا على قراءة واقع الآخر قراءة دقيقة حتى تكون قراراتنا موضوعية وسليمة.

لقد حققت الترجمة منذ قديم الزمان تفاعلا حضاريا أدى إلى التقارب والتآلف بين الناس، وأدت إلى نجاة الكثير من الشعوب من أخطار الصراعات والحروب... كما  أسهمت أيضا في عرض الإسلام الصحيح فتقبله جموع كثيرة ودخلوا في دين الله أفواجا؛ لذلك بذل حكام المسلمين قديما الغالي والنفيس من أجل الترجمة.. فالخليفة المأمون العباسي -مثلا- أغدق في البذل والعطاء على عملية الترجمة، فكان يعطى وزن الكتاب المترجم ذهباً لمترجمه تقديراً له وتحفيزا لغيره على خوض هذا الميدان المهم..

إن عملية الترجمة التي قام بها العرب الأجداد تعطينا درسا مهما في مدى وعي الحكام الأوائل بأهمية هذه القضية، وكيفية إنفاقهم الأموال على العلم والترجمة، واختيارهم أيضا المحتوى العلمي النافع الذي يترجمونه سواء من اللغات الأخرى إلى لغتهم، أو من لغتهم إلى اللغات الأخرى، والذي من شأنه أن يحقق فائدة المجتمع المسلم. وللأسف بعد أن أهملنا الترجمة وقصرناها فقط على ترجمة التراث الأدبي([9]) الغربي بدأ التخبط، وكرسنا للغزو الفكري، وتركنا أنفسنا في مهب الريح لغيرنا، وأصبحت هويتنا عرضة للتأثر بما يأتينا بالثقافة الغربية. وفي هذا الوقت لابد أن ينهض العالم الإسلامي بعملية الترجمة؛ لعرض الإسلام بصورته النقية الصافية، ولمواجهة مصانع الكذب التي تديرها الصهيونية العالمية من خلال وسائل الإعلام التي يمتلكون نواصيها شرقاً وغرباً، ولابد أن نكون على قدر المسئولية، للقضاء على غبش الرؤية المتبادل بيننا وبين الآخر. لابد أن نقود حملة ترجمة كبرى، نترجم فيها الإسلام الصحيح إلى الآخر، ونصحح الصورة النمطية التي يتناقلها الإعلام العربي عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بصورة تجعل نفوسهم تتوق إلى التعرف عليه، ونترجم من اللغات الأخرى ما يساعدنا على قراءة واقعهم من الداخل قراءة دقيقة؛ حتى نتمكن من الدعوة والتعريف بديننا وبنبينا الخالد بطريقة علمية منهجية، وما يفيدنا أيضا في عملية النهضة والاقلاع الحضاري.

10.  الإعلام الشخصي والتعريف بالرسول (صلى الله عليه وسلم)

     إن الناظر في أسباب انتشار الإسلام في إفريقيا يلحظ أن القدوة الطيبة وسماحة المسلمين والأساليب السلمية التي تمثلوها منهاجا لحياتهم، والتي كانت الطابع الغالب في سلوكهم، كانت المرتكز الأساس في انتشار الإسلام في هذه القارة. يقول شوقي أبو خليل: "فحيثما شق الإسلام طريقه، كان هناك التاجر المسلم -الداعي الصامت- الذي لفت الأنظار بسموه الخلقي والفكري والروحي، ففرض احترامه على الجميع، حتى ضمت كل قرية في إفريقيا الغربية والوسطى داراً لاستقبال التجار المسلمين، فتَقدم الإسلام في إفريقيا بسبب بساطته وعقلانيته، والشعور بالمساواة المطلقة دون النظر إلى لون أو جنس"([10]) أو عرق.

 ولم يكن انتشار الإسلام بصورة سريعة ومبهرة في جنوب شرق آسيا  مختلفا كثيرا عن انتشاره في غرب وسط وشمال إفريقيا، بل انتشر أيضا بواسطة التجار المسلمين الذين كانوا قدوة في القول والفعل والسلوك، الأمر الذي لفت أنظار أهل البلاد إلى هؤلاء التجار، يسألون عنهم وعن دينهم، فلما علموا أنهم مسلمون، دخلوا في دين الله أفواجا. وهكذا استطاع التجار المسلمون بالصدق والنصح والإقناع، والكلمة الطيبة، والقدوة المثالية أن يحققوا نجاحا رائعا في إيصال الإسلام إلى أواسط إفريقيا، وإلى شرق وجنوب شرق آسيا. لقد كسبوا الناس وعرفوا بدقة سبيلَ الوصول إلى قلوبهم، بتعلم لغتهم ومراعاة عاداتهم وتقاليدهم -بدلا من أن يعتزلوها- وامتزجوا شيئا فشيئا بعامة الشعب، مع شروح حاذقة ومبسطة كانوا يرونها مناسبة لتقريب عقيدتهم إلى أذهان تلك الشعوب، كما يقول المؤرخ الأوروبي (بوكل): "وكان دعاة المسلمين -وقتذاك- على جانب عظيم من الحكمة والروية"([11]).

وهكذا لم ينتشر الإسلام في ربوع آسيا وأفريقيا وجزء كبير من أوروبا والعالم على مر التاريخ عن طريق عقد المؤتمرات، وإنما كان بصورة أساسية عن طريق القدوة الحسنة والصدق والأمانة والسلوك الإسلامي الرشيد الذي انتهجه التجار المسلمون في معاملاتهم مع أهل هذه البلاد([12]).       

وإذا كان لعنصر القدوة في الشخصية المسلمة (الإعلام الشخصي) تأثير عظيم في دخول أهل هذه البلاد في الإسلام من خلال الإعلام الشخصي المحدود، فما بالنا لو أبرزنا الإسلام -بمنهجه الإلهي الشامل والكفيل بتحقيق الخلاص للبشرية مما تعانيه من آفاتها وأمراضها ومشكلاتها- وعرَّفنا برسوله (صلى الله عليه وسلم) من خلال وسائل الإعلام الفاعلة وواسعة الانتشار. والذين يفهمون (سيكولوجية) الغربيين يعرفون جيدا أنه عندما يقدم لهم الإسلام بشكل علمي ومنهجي صحيح سوف يتنازلون عن غرورهم ويذعنون إلى الحقيقة؛ لأن فيهم بقية من الفطرة..

11.  إنشاء قناة فضائية عالمية للتعريف بالرسول

وفي هذا الوقت أصبح إنشاء قناة قضائية تليفزيونية عالمية واسعة الانتشار للتعريف بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وتعمل بجميع اللغات الحية، وتفنيد الشبهات المثارة ضده من الأهمية بمكان، وإنتاج أفلام تسجيلية عنه (صلى الله عليه وسلم)، مع الأخذ في الاعتبار أن تشتمل هذه الأفلام على شهادات وأعمال بعض الكتاب الغربيين المشهورين المنصفين للإسلام، على أن تعرض هذه الأعمال بجميع اللغات الحية في العالم.

إن إنشاء القناة الفضائية المقترحة والتي نرى ضرورة أن يشترك في إعداد موادها والإشراف عليها جل المؤسسات المعنية في العالم الإسلامي، هي من المرتكزات الأساسية والفاعلة للتعريف بالرسول عليه السلام([13]) ولن تتحقق هذه الأهداف في الرسالة إلا إذا تم الاهتمام بالمرسل – وهو كاتب المادة الإعلامية وهو صائغها وهو أيضا من يقدمها ويبثها للجمهور- من خلال اختياره على أساس سليم بحيث يكون موهوبا في مجال الإعلام ويكون على قدر كاف من الخبرة المهنية على أساس علمي (كدراسة علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاتصال بالجماهير والإلمام بالفنون الإعلامية الأخرى) وأن يكون متفهما بقضايا المجتمع الداخلية والخارجية، ومالكا القدرة على مخاطبة الجماهير على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم الفكرية والثقافية، ومؤمنا بسمو رسالته وحريصا على أدائها في أكمل صورة ([14]) .

12.  التنسيق بين مواقع الإنترنت الإسلامية للتعريف بالرسول عليه الصلاة والسلام

 هناك عشرات الآلاف من المواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت، تعمل على نشر الثقافة الإسلامية، وللأسف لا يوجد تنسيق بينها، ومن ثم فكل منها يعمل في واد مستقل، وبعضها قد أنشأها غير متخصصين، وبالتالي فإن ما يقدمونه فيها من معلومات عن الإسلام ورسوله قد يكون غير دقيق وبالتالي يضر أكثر مما ينفع، كما أن بعض المواقع الأخرى بمثابة لسان حال بعض الجماعات المتطرفة أو الأحزاب أو التيارات في عالمنا الإسلامي أو في مجتمع الجاليات، ومن ثم لا يجد المتلقي الثقافة الإسلامية الصحيحة التي يبحث عنها، الأمر الذي يسهم في تكريس الاختلاف. ناهيك عن بعض المواقع التي ينشئها غير المسلمين ويقدمون الإسلام من خلالها بصورة مزورة، وهم بذلك يحتالون على المتصفحين للإنترنت ويوهمونهم بأن منشئوها مسلمون وهم بذلك يدسون السم في العسل بلا رقيب، في ظل الحرية المطلقة التي يجدها الناس في إنشاء مواقع على هذه الشبكة بطريقة سهلة وميسرة، وفي ظل عدم وجود رقابة على ذلك، كما أنهم يعملون ليل نهار على ضرب المواقع الإسلامية القوية والفاعلة..

 وهكذا فإن الأمر جد خطير، مما يحتم علينا إنشاء هيئة موحدة لإدارة المواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت والتنسيق بينها، واعتماد المواقع الفاعلة والآمنة، وعمل حصر شامل بها، ونشره وتعميمه لجماهير المسلمين وغيرهم من الباحثين في الإسلام؛ ليكون المتلقي في مأمن من المواقع الخطرة التي ينشئها غير المسلمين..

إن المواقع الإسلامية المعتمدة يمكن أن تؤدي دورا كبيرا جدا ومهما في مجال التعريف برسولنا وبديننا الخالد، لو رصد لبرامجها التمويل اللازم، وأتيحت لها التكاملية والتنسيق فيما بينها. ويمكن ربط هذه المواقع من خلال وصلات Links بينها.. وحصول المواقع المعتمدة على شهادة صلاحية، ويمكن عمل إدارة لهذه المواقع بحيث يجتمع مسئولوها بصورة دورية لتنسيق العمل فيما بينها؛ لتقديم صورة موحدة وتكاملية عن الإسلام ورسوله الأمين، ومن ثم نفوِّت الفرصة على أصحاب المواقع المسمومة التي تريد النيل من الإسلام ورسوله عليه الصلاة والسلام..

13.  حقائب التعريف بالإسلام

إن أبواب تبادل المعرفة بين الثقافات صارت مفتوحة فيمكن للمسلمين أن يخططوا لذلك آخذين في الاعتبار أن العلم بالإسلام وبرسول الإسلام عند أهل الغرب ناقص ومشوه، ويرجع ذلك بصورة كبيرة إلى عدم التخطيط من جانب المسلمين في سبيل إيصال سلسلة من التراجم للكتب المرجعية الإسلامية والتي تحمل معرفة واضحة بالإسلام وبنبيه عليه السلام، وهو ما يدفع غير المسلم حين لا يجد ترجمة كافية أو تفسيرا واضحا للجوء إلى المستشرقين اعتقادا منه أنهم على علم عميق بالإسلام. ومن هنا فمن الضروري تقديم سلسلة من الترجمات المنسقة من الكتب، على رأسها القرآن والسنة، مع شرح القضايا العقلية والجدلية بطريقة حاذقة وميسرة، وسيكون هذا المنهج مفيدا جدا لدعوة شعوب أهل الغرب للإيمان، لأن حوار العقل له أثر كبير في إزالة الصدأ عن النفس والعقل. ذلك أن القارئ غير المسلم إذا قرأ مؤلفا جيدا حول الإسلام أو رسوله وقابله مؤلفا آخر مشوب بالتشويه يحدث لديه تشويه وتخبط لا يدرى أين الخطأ وأين الصواب, لذلك يحسن توجيه الجهود نحو إعداد حقيبة تعريفية بالإسلام وبنبيه عليه السلام يتم ترجمتها إلى مختلف اللغات العالمية، تتكون من القرآن مع شرح القضايا الفكرية التي تدور في فكر غير المسلمين, وكتاب مختصر من صحيح البخاري يحتوى على الأحاديث الأساس في كل باب, وكتاب فقهي موجز وواضح, ولابد مراعاة أن تكون الحقيبة ذات حجم متوسط وثمن معتدل. ([15]) وهكذا فلابد من إنجاز هذه الحقيبة على أن يشترك في إعدادها كبار علماء الإسلام في الشرق والغرب، وأن تترجم هذه الدراسات إلى كافة اللغات الحية في العالم بواسطة علماء الإسلام في الغرب وعلمائنا الذين قضوا فترات طويلة هناك؛ حتى تكون هذه الترجمات متوائمة تمامًا مع عقل وفكر وطريقة تفكير الغرب، ونشرها عبر وسائل الإعلام العالمية وشبكة الإنترنت. ومن الأهمية في هذا السياق الاستعانة بالمراكز الإسلامية والجاليات المسلمة في الغرب.

وبالله تعالى التوفيق..


الخــــاتمة

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على حبيبه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه، وسلك طريقه إلى يوم الدين..

وبعد

 فهذه دراسة عن (دور الإعلام في التعريف بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، حاولت فيها قدر جهدي أن أضع تصورا متكاملا لهذه القضية، وقد اقتضت بعض النقاط في البحث أن أتحدث فيها بإطناب غير ممل لأوضح وجهة النظر، كما اقتضت بعض النقاط أن أتحدث فيها بإيجاز غير مخل، معتمدا في ذلك على بديهة القارئ ومحيلا له إلى تفاصيل يرجع إليها في مظانها من غير هذا البحث.. فإن وفَّت الدراسة بالمطلوب فبها ونعمت وإني لفرح مسرور، والفضل في ذلك يرجع إلى توفيق الله ورحمته، وإن كان من قصور أو تقصير فهو مني، وكما أن كثيرا ما تكون أدوات التوصيل معيبة وغير جيدة، فكذلك نحن البشر عندما نتعرض لبعض القضايا.

وفي هذا الإطار أدعو الله سبحانه وتعالى أن يهيئ للأفكار والبرامج والاستراتيجيات والتحذيرات والنداءات المطروحة في هذا البحث وغيره من أبحاث المؤتمر آذاناً صاغية وقلوباً واعية، لمواجهة التحديات التي تحاك لنا ليل نهار، ونشر هدى الله الخالد، ليعم الأمن والسلام والاستقرار في الدنيا كلها.. ذلك أن كل دعوة إذا لم تجد العزائم الماضية والجهود المضنية والنيات الحسنة تبوء بالفشل، وقد نجحت دعوة الإسلام لما قام جماعة من الناس يعقدون العزائم على تغليبها، فكان لهم ما أرادوا.. وهكذا فإن مستقبل العالم الإسلامي يتوقف على ما سيختاره العالم الإسلامي من السلوك نحو الإسلام ونحو نبيه الكريم (صلى الله عليه وسلم)..

وإنى لأرجو الله تعالى أن يتقبل منى هذه الدراسة وأن يدخلها برحمته في الكلم الطيب والعمل الصالح، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصل اللهم علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىّ وعلى والدىّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين)(النمل: 19).              وبالله تعالى التوفيق،،  

أحمد علي سليمان

  ahmedsoliman999@gmail.com


أهم المصادر والمراجع

-   ( الإسلام وتطوير الخطاب الديني): الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، العدد الثالث من  سلسلة فكر المواجهة، نشر رابطة الجامعات الإسلامية، الطبعة الأولى سنة 1423هـ- 2003م.

-   (الإسلام اليوم): الأستاذ/ أبو الأعلى المودودي،  العدد: (44) من إصدارات الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، نشر: دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه، الطبعة الأولى 1403هـ - 1983م

-   (الإسلام وتطوير الخطاب الديني): من تقديم الدكتور/ جعفر عبد السلام، العدد الثالث من  سلسلة فكر المواجهة، نشر رابطة الجامعات الإسلامية، الطبعة الأولى سنة 1423هـ- 2003م

-   (الإسلام وحاجة الإنسانية إليه): الدكتور/ محمد يوسف موسى، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، 1422هـ - 2001م.

-       (الإسلام وفقه الحياة): الدكتور/  محمود إبراهيم الديك، الجزء الثاني، نشر مكتبة الأديب كامل كيلاني بالقاهرة سنة 2006.

-       (الإعلام في المجتمع الإسلامي): الأستاذ / حامد عبد الواحد ، العدد 33 من سلسلة دعوة الحق

-       (الحوار هو لغة الإسلام): الشيخ فوزي الزفزاف ، صحيفة الدعوة الإسلامية، ص 12 بتاريخ 2 يوليو 2008.

-       (الرأي والعقيدة في الإسلام): الدكتور/ عمر القاضي، نشر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو.

-   (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف): الدكتور/ يوسف القرضاوي، الطبعة الثالثة 1415 هـ – 1994 م، نشر دار الصحوة بالقارة، ودار الوفاء بالمنصورة.

-       (العمل التنصيري  في العالم العربي: رصد لأهم مراحله التاريخية والمعاصرة):عبد الفتاح إسماعيل، نشر مكتبة البدر سنة 2007م.

-   (المكون المعرفي ودوره في توجيه الحضارات): الدكتور/ إبراهيم أبو محمد، الطبعة الأولى سنة 1428هـ – 2007 م، ط المركز العلمي للطباعة والكمبيوتر بالقاهرة.

-       (أوروبا والإسلام): الدكتور/ عبد الحليم محمود-  نشر دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة.

-       (بين داع ومبشر) : الدكتور/  شوقي أبو خليل، بحث  منشور في مجلة كلية الدعوة الإسلامية بليبيا العدد الرابع سنة 1987.

-   (عرض الإسلام على الغرب من جديد..) الدكتور/ محمد عبد الصمد مهنا ، تحقيق أجراه الأستاذ محمود عشب في جريدة الأهرام مع الدكتور محمد مهنا ومع الباحث بتاريخ 25 إبريل 2003م.

-       (عرض الإسلام على الغرب.. كيف.؟): أحمد سليمان ، جريدة الأهرام بتاريخ 25 ابريل 2003.

-   (محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الدكتور/ السائح علي حسين، نشر جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، سنة 1428هـ - 2007م 

-       (نحو خطة طموحة لتحسين صورة الإسلام في الغرب): أحمد على سليمان ، مقال منشور في جريدة الوفد 8 أبريل 2003م

-   (نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني): الأستاذ/  توفيق محمد سبع، الجزء الثاني، نشر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، جمادى الآخرة 1391هـ- أغسطس 1971 م.

-         *  *  *  روجع نهائي  22 ديسمبر 2012م



([1]) الإعلام الإسلامي رسالة وهدف: سمير محمد جميل راضى، ص 13-16 بتصرف، مع الأخذ في الاعتبار أن إنشاء قناة فضائية ليس معناه إهمال القنوات الأخرى ذات الاتجاهات المتباينة بل يجب التنسيق معها وعدم إغفال دورها أو تهميشها وينبغي إصدارها بالبرامج الإسلامية القوية؛ لأن هذه القنوات لها جمهورها ومتابعوها ويجب ألا نغفلهم.

([2]) نفوس ودروس في إطار التصوير القرآني: توفيق محمد سبع، نشر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، جمادى الآخرة 1391هـ- أغسطس 1971 م، الجزء الثاني، ص 358.

([3])المكون المعرفي ودوره في توجيه الحضارات: د. إبراهيم أبو محمد ، الطبعة الأولى سنة 1428ه – 2007 م، ط المركز العلمي للطباعة والكمبيوتر بالقاهرة، ص 14-16.

([4]) أي (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) موجودون بمكة مع الكفار لم تعلموا  إيمانهم، ومن ثم قد تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح (فتصيبكم منهم معرة) أي إثم (بغير علم) منكم بهم ، حيث لم يؤذن لكم في الفتح حينئذ (ليدخل الله في رحمته من يشاء) و (لو تزيلوا) أي تميزوا عن الكفار (لعذبنا الذين كفروا منهم) من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها (عذابا أليما) مؤلما.. راجع تفسير سورة الفتح في تفسير الجلالين.

([5]) محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم):  د. السائح علي حسين، نشر جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، سنة 1428هـ - 2007م  ص 25-26

([6])  الإسلام اليوم: الأستاذ أبو الأعلى المودودي، العدد (44) من إصدارات الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، نشر: دار القرآن الكريم للعناية بطبعه ونشر علومه، الطبعة الأولى 1403هـ - 1983م، ص 23.

([7]) مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها: د. محمد حسين الذهبي، من بحوث المؤتمر العالمي الأول لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في 24-29 صفر 1397 هـ -12-17 فبراير 1977م، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ص 14.

([8])  المرجع السابق  ص 16 بتصرف.

([9]) لما أرادت أوروبا الخروج من عصورها المظلمة إلى عصر نهضتها التي نرى ثمارها اليوم، أقبلت على القيام بعملية الترجمة الكبرى، فقامت بنقل كتب العلوم والطب والرياضيات من العربية إلى لغتها القومية. لقد أقبلوا على ما هو عام للإنسانية من نصوص العلم العربي، فصارت مراكز الترجمة في صقلية وباليرمو وأسبانيا تهتم بنقل الأعمال العلمية التي أنجزها العلماء العرب والتي تعينهم على النهضة وعلى التواصل مع المسيرة التراكمية للعلم، تاركين ترجمة التراث الأدبي العربي، ومن ثم خرجوا بذلك من مأزق الذوبان في ثقافة العرب وتراثهم الدينى والأدبى. وللأسف كان خطأنا الأكبر حين بدأنا نترجم عن الغرب تراثه الأدبي، تاركين ترجمة العلوم التطبيقية التي تهمنا في المقام الأول، فكانت النتيجة هى الذوبان في ثقافة الآخر الغربي وابتعدنا عما هو إنساني عام من إنتاج الغرب، فتأخرنا عن ركب الحضارة. راجع ذلك مفصلا في: أمة تدعو إلى الخير: للدكتور محمد سيد محمد، نشر رابطة الجامعات الإسلامية- سلسلة فكر المواجهة عدد 24 سنة 2008م، ص 171.

([10])بين داع ومبشر : شوقي أبو خليل، بحث منشور في مجلة كلية الدعوة الإسلامية بليبيا، العدد الرابع، سنة 1987 ص 90-92.

([11])نحو خطة طموحة لتحسين صورة الإسلام في الغرب: أحمد على سليمان،  مقال منشور في جريدة الوفد بتاريخ 8 أبريل 2003م، وشوقي أبو خليل (مرجع سابق) ص 91-92.

([12])عرض الإسلام على الغرب من جديد.. كيف؟: د. محمد عبد الصمد مهنا، تحقيق أجراه الأستاذ محمود عشب في جريدة الأهرام مع الدكتور محمد مهنا ومع الباحث بتاريخ 25 إبريل 2003م.

([13])الإعلام الإسلامي رسالة وهدف : سمير محمد جميل راضى، ص 13-16 بتصرف، مع الأخذ في الاعتبار أن إنشاء قناة فضائية ليس معناه إهمال القنوات الأخرى ذات الاتجاهات المتباينة بل يجب التنسيق معها وعدم إغفال دورها أو تهميشها وينبغي إصدارها بالبرامج الإسلامية القوية؛ لأن هذه القنوات لها جمهورها ومتابعوها ويجب ألا نغفلهم.

([14]) الإعلام في المجتمع الإسلامي: حامد عبد الواحد، العدد 33 من سلسلة دعوة الحق ص 29-31

([15])الرأي والعقيدة في الإسلام : د. عمر القاضي، نشر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسسكو، ص 24

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft