بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





التنظيم الإقليمي الإسلامي كطريق للوحدة للدكتور جعفر عبد السلام



   عدد الزيارات

 

 

 

ميثاق الوحدة الإسلامية

 

من  4- 6 مايو  2008 بإيران

 

 

 

 

التنظيم الإقليمي الإسلامي

كطريق للوحدة

 

 

 

 

 

 

إعداد

أ.د جعفر عبد السلام

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )

                                                               الأنبياء92

 


مقدمة:

        إننا في عصر التكتلات والتنظيمات الدولية والإقليمية حيث  بدأت الدول تؤمن أن النظام الدولي الإقليمي الذي قام بين الدول الأوروبية في القرن السادس عشر بعد معاهدة صلح سنغاليا، ثم فرض على العالم بعد ذلك بحيث أصبحت الدولية القومية هي وحدة المجتمع الدولي بعد ذلك، تؤمن بأن هذا النظام ليس صالحا للحياة كثيرا، ومن ثم دخلت العديد من دوله في اتحادات ووحدات وتكتلات يكون فيها عددا وتحقق مزايا لها أكثر بكثير حتى أصبحنا نعيش في زمن لا يقام فيه وزن للدولة القديمة يصدق ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى ألمانيا الاتحادية وعلى إيطاليا، كما يصدق في منطقتنا على المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، بينما تتعثر خطوات الوحدة أو الاتحاد أو التكامل بين الدول الإسلامية ككل وعددها الآن 57 دولة والدول العربية عددها الآن 22 دولة.

        إن مجالات عديدة للوحدة والتكامل بين الدول العربية لم تنجح، ولم تجرب الدول الإسلامية أن يتجهوا نحو الوحدة أو التكتل حتى الآن إلا في أطر ضيفة أهمها صيغة التنظيم الإقليمي الإسلامي، والذي يبدو في منظمة المؤتمر الإسلامي وصيغة التنظيم الإقليمي العربي والذي يبدو في صيغة جامعة الدول العربية.

        ولم تبذل المنظمتين جهدا كبيرا في سبيل الوصول على الوحدة وإن أقامت تنظيمات في بعض المجالات يمكن إذا فعلت أن نقيم تكتلات واتحادات تكتلات واتحادات لها قيمتها تحول هذه القضايا الآن. وسنبدأ بمناقشة ضرورة وجود منظمتين منفصلتين في الدائرتين العربية والإسلامية ثم نبحث قضية تفعيل التنظيم الإقليمي العربي والإسلامي حتى يمكن أن يؤدى على إنشاء كيان واحد إسلامي يشمل الدول العربية والدول الإسلامية الموجودة الآن

والله ولى التوفيق


أولا : هل من الضروري أن يقوم تنظيم إقليمي بين الدول العربية والإسلامية؟

اختار العالم بعد الحرب العالمية الثانية أو قبلها بقليل أن يقيم تنظيما دوليا عالميا يتمثل في منظمة الأمم المتحدة، وعرضت فكرة التنظيم الإقليمي عند مناقشة نصوص ميثاق الأمم المتحدة . وكان هناك من يرفضون الفكرة على أساس منع الازدواجية في التنظيم الدولي، وعدم إعاقة الأمم المتحدة للقيام بمهامها . ولكن انتصر دعاة الإقليمية وتضمن الميثاق مبدأ الاعتراف بالإقليمية في الباب الثامن الذي ورد فيه نص يقول : إنه لا يوجد في هذا الميثاق ما يحول دون قيام تنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين بحيث يكون العمل الإقليمي فيها صالحا ومناسبا، ما دامت هذه التنظيمات وأنشطتها متلائمة مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئها (المادة 52/2) كما أشار الميثاق إلى حث الدول الأعضاء ومجلس الأمن على اللجوء -بادئ ذي بدء- إلى المنظمات الإقليمية كخطوة أولى لحل المشكلات التي تثار بينهما .

ولا شك أن هناك روابط إقليمية خاصة تجمع بين مختلف الدول العربية والإسلامية، أكثر من تلك الموجودة بين هذه الدول وبين سائر الدول الموجودة في المجتمع الدولي . هذه الروابط تحتاج إلى أن تُفعّل في شكل تنظيمات إقليمية، بشرط أن تتوافر لديها النية والإرادة والعزيمة على إسناد اختصاصات فعلية ومعززة لهذه التنظيمات، وأن تتوافر لديها كذلك الآليات والأجهزة لتحقيق الأمن بين جنباتها، ولتحقيق أقصى قدر من التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وكذلك السياسي بين هذه الدول، ولحسم ما يثار بينها من منازعات، حيث يمكن أن يتم ذلك بنجاح أكثر في الدائرة الإقليمية . أما إذا لم يتوافر هذا الشرط عمليا- كما هو الوضع القائم- فلا جدوى من هذا التنظيم الذي يؤدي إلى إنفاق المال بلا فائدة .

وأنا أرى أن الدول العربية والإسلامية لا يتوافر لديها حتى الآن الحد الأدنى لقيام التنظيم الإقليمي الفعال بينها، بسبب عدم توافر هذه الإرادة وتلك العزيمة . وأذكر هنا:

- أن الدول العربية والإسلامية تفضل أن تحل منازعتها عن طريق المنظمة الدولية وأجهزتها كمحكمة العدل الدولية، مجلس الأمن، الجمعية العامة .. والأمثلة كثيرة نذكر منها النزاع بين قطر والبحرين على اقتسام الرصيف القاري، وأيضا بين تونس وليبيا في شكل مماثل، وبين العراق وإيران حول شط العرب وغيرها .

- أن التجارة البينية بين هذه الدول لا تتعدى 10% من إجمالي تجارتها مع العالم الخارجي .

- أن أغلب الاستثمارات العربية والإسلامية وكذلك أغلب الفوائض المالية موجودة في الدول الأجنبية .

- أن الأمن الجماعي العربي لم يتحقق بشكل فعال على وجه الإطلاق، وأن الكثير من الصراعات والنزاعات بما فيها الصراعات المسلحة (مثل الصراع العراقي الكويتي) لم يتم حسمها داخل دول المنطقة، وتم التدخل الأجنبي لحسمها، مما قوض أسس الأمن الجماعي العربي .

- أن الكثير من اتفاقيات التعاون الاقتصادي قد أُبرمت ولم يتم تنفيذها بين هذه الدول .

والخلاصة: أن العمل الإقليمي في حده الأدنى لم يقم بنجاح حتى الآن في دائرة الدول العربية والإسلامية، مع أننا نؤمن بضرورته ولو مرحلياً على الأقل، وكتمهيد لتحقيق الوحدة بين الأقطار العربية والإسلامية.

ثانيا : هل من الضروري وجود تنظيم عربي وتنظيم إسلامي في نفس الوقت ؟

دون خوض في تفصيلات كثيرة، نجد أن الدول العربية كلها في منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا يوجد – في تقديري – ما يجعل استمرار وجود الجامعة العربية إلى جانب منظمة المؤتمر الإسلامي ضرورة للأسباب الآتية :

- أن وجود المنظمتين معا يمثلان ازدواجا في العمل وزيادة في النفقات بلا داعي.

- أن الأهداف والمبادئ واحدة في المنظمتين تقريبا .

- أن القومية العربية لا تعيش بسهولة خارج الكيان الأكبر وهي مسألة ضرورية الآن .

- أن توجيه الجهد إلى منظمة إقليمية واحدة وتقويتها مسألة مُلحة وضرورية الآن .

- أن الثقافة العربية هي بلا جدال ثقافة إسلامية ولا توجد ثقافة عربية منفصلة في الإسلام.

ومن هنا أرى أن يتم دمج الجامعة العربية في منظمة المؤتمر الإسلامي لكي يمكن الاستفادة من الأرشيف المهم للجامعة، ومن المشروعات الضخمة التي بذلت في مجال توحيد التشريعات في الدول العربية، على أساس الشريعة الإسلامية، والمشروعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العديدة التي تصلح بأكملها للتطبيق في الدول الإسلامية .

        إن العالم العربي جزء من العالم الإسلامي وسيكون من المناسب أن يتم التعبير عن الوحدة الإسلامية من خلال منظمة إقليمية قوية لا تتشتت قواها بسبب النعرات القومية التي تظهر هنا أو هناك، والإسلام استطاع أن يقود العرب والمسلمين دائما إلى طريق التقدم والرقي والوحدة .

ثالثا : ما هي خطوات الإصلاح التنظيمية الواجب إدخالها على نصوص منظمة المؤتمر الإسلامي ؟

        في تقديري، وانطلاقا من التجارب الناجحة للمنظمات الدولية الأخرى يجب أن يتم إدخال نصوص على ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي تعالج المسائل الآتية :

1- إقامة جيش للدفاع عن الدول الإسلامية في حالة العدوان عليها

منع ميثاق الأمم المتحدة الحرب، بل نص بوضوح على منع استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية (المادة 2/4 من الميثاق)، ومع ذلك سمح الميثاق باستخدام القوة في حالتين:

 الأولى: هي حالة الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي وفقا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

الثانية: في حالة اتخاذ تدابير للأمن الجماعي، أي استخدام قوة دولية منظمة لكبح جماح العدوان الذي تقوم به دولة ضد دولة أخرى.

        وقد أعطى الميثاق لمجلس الأمن وحده حق استخدام تدابير الأمن الجماعي، إلا أنه أعطاه حق الاستعانة بالمنظمات الإقليمية للمشاركة في تنفيذ هذه التدابير .

وفي الوقت الحاضر أظهرت التجارب أنه لا مناص من وجود جيوش دفاع إقليمية؛ لأن وجودها يساعد على منع العدوان من ناحية، ولكي يمكن استخدامها لمنع العدوان من ناحية أخرى .

        والواقع أن مجلس الأمن لم يعقد الاتفاقات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة لتكوين القوات الدفاعية للعالم، بل استعان بحلف الناتو في تنفيذ الكثير من تدابير الأمن الجماعي على نحو ما رأينا في يوغوسلافيا السابقة، وعندما انتقدت الدول الإسلامية الأمن العام لمنظمة الأمم المتحدة وقت أن اعتدى الصرب على المسلمين في البوسنة كان يصرخ سائلا : أين جيش الدفاع الإسلامي الذي يمكن أن يستخدم في الدفاع عن المسلمين في يوغوسلافيا والذين تعرضوا لموجات من القتل والتدمير وهتك العرض، وتدخل الناتو – ولكن على ما يبدو – بعد فوات الأوان، فقد تم تدمير وقتل واغتصاب لم يشهد التاريخ مثله من قبل .

ولو كان هناك مثل هذا الجيش في منطقتنا لتجنبت شعوبنا الكثير من الأعمال التي عانت منها ولازالت تعاني حتى الآن .

        ولا شك أن اتفاقية الدفاع المشترك يمكن تبني نصوصها في تعديل ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي، ويمكن أن توضع بعض الضمانات المهمة هنا منها :

- أخذ قوات بعدد متساو من كل الدول الإسلامية أو من كل دولة إسلامية بنسبة تتمشى مع عدد سكانها.

- وضع أسس تكفل أفضل اختيار للكفاءات لكي توضع في أماكن القيادة .

- وضع ضمانات لصدور القرارات التي تكفل استخدام القوة بأغلبية مثل أغلبية الثلثين أو الثلاثة أرباع مثلا، وإنشاء صناعات حربية، واتباع وسائل تدريب مناسبة ومتطورة بإمكانيات كل الدول الإسلامية، والأخذ بعوامل تقوية الوجود الإسلامي في العالم، وبسط الخشية منه وبث عوامل الاحترام له .

2- إنشاء آليات لتنفيذ القرارات داخل الدول الأعضاء :

        وهنا أقول: إن تجربة الاتحاد الأوروبي ذات أهمية بالغة لدولنا، فقد أوجدت أجهزة للاتحاد في داخل الدول الأوروبية تختص بتنفيذ القرارات التي تصدر منها، وتتبع هذه الأجهزة، السلطة الاتحادية.

3- إدخال التمثيل الشعبي إلى جوار التمثيل الحكومي :

إن وجود تمثيل للشعوب في برلمان اتحادي إلى جانب التمثيل الحكومي من شأنه أن يدعم المنظمة، فالشعوب هي صاحبة المصلحة في أي عمل تنظيمي أو مؤسسي يقوم بين الدول، ومن معالم نجاح التجربة الأوروبية الاتحادية وجود البرلمان الأوروبي، الذي يراقب العمل التنفيذي من ناحية، ويضع القواعد والتشريعات في مختلف مجالات الاختصاص التي تمارسها المنظمة من ناحية أخرى، حيث يكون الشعب مسئولا ورقيبا ومشرَّعاً للعمل التنظيمي الدولي مما يدعمه ويؤدي إلى نجاحه .

        ويمكن في المراحل الأولى اختيار المجالس التشريعية أو مجالس الشورى القائمة الآن في الدول الإسلامية أعضاء فيها، يمثلون الشعوب في المجلس المقترح، وفي مرحلة تالية يتم الترشيح للعضوية لهذا المجلس التشريعي بشكل مباشر .

4- إعطاء صلاحيات واختصاصات مقررة ومحددة لمختلف أجهزة المنظمة، وإلزام الدول بتنفيذ ما تقوم بتقريره عن طريق أجهزة متصلة بالمنظمة داخل الدول الأعضاء .

رابعا : ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لتفعيل أداء المنظمة ؟

        إنه لمن حسن الحظ أن نجد الكثير من القرارات والتوصيات والاتفاقيات التي عقدت في إطار منظمة الجامعة والمؤتمر، يمكن أن تفعل وتؤدي إلى نتائج في غاية الأهمية لتقوية العمل الإسلامي .

مجال توحيد التشريعات :

        قامت الجامعة العربية وكذلك المؤتمر الإسلامي بأعمال مهمة في مجال توحيد التشريعات بينها من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية، والواقع أن توحيد التشريعات يعد في مقدمة أي عمل لإنجاز وحدة متكاملة حقيقية بين أية مجموعة تتحد في الخصائص والسمات مثل مجموعة الدول الإسلامية .

        وقد ساهمت مصر من خلال فقهائها الداعين للوحدة التشريعية أمثال عبد الرزاق السنهوري وفرج الصدة وجابر جاد عبد الرحمن وصوفي أبو طالب في تقنين التشريعات التي يمكن أن تطبق في كل الدول الإسلامية وطبق بعضها- خاصة القانون المدني - في الكثير من هذه الدول مثل الأردن والعراق ومصر جزئيا.

        وقد آن الآوان لكي تخرج من الأدراج المغلقة عمليات التقنين للقوانين المتخذة من الشريعة والمعدة من مجلس الشعب المصري، والجامعة العربية في مختلف المجالات لكي تطبق من خلال قرارات ملزمة تتخذها القمة الإسلامية وتقوم بتنفيذها عن طريق أجهزتها داخل الدول .

        وجدير بالذكر أنه في إطار الوحدة المصرية الليبية التي أعلنت في بداية السبعينيات، وصل الوعي الإسلامي إلى مدى كبير في قيادة الدولتين، وشكلت لجانا لتوحيد التشريعات في مختلف المجالات تكاد تزن أعمالها أطنانا، وشارك فيها العلماء من الدولتين في كافة الجوانب، وكان هدفها توحيد كافة التشريعات والأنظمة المالية والإدارية وأنظمة التعليم بل والتمثيل الخارجي، وكذا أجهزة العمل في مختلف المجالات الاقتصادية والبنوك والشركات، وهي ذخيرة ممتازة يجب أن يتم الإفراج عنها وتفعيلها جيدا في أعمال المنظمات .

توحيد الفتاوى الفقهية :

        كذلك أنشأت منظمة المؤتمر الإسلامي مجمع الفقه الإسلامي العالمي الذي يوجد بمدينة جدة، وهو يتولى بحث مختلف المشكلات التشريعية التي تواجه العالم الإسلامي ويصدر بصددها فتاوى وتنظيمات لها أهميتها الفائقة، ويحتاج تفعيل عمل المجمع إلى أن تتوحد جميع الفتاوى في مختلف المشكلات من خلاله؛ لأن كافة المجامع الفقهية الإسلامية ممثلة فيه، وأن يهتم المجلس التشريعي المقترح إنشاؤه للمنظمة بإصدار التشريعات المنظمة للحياة في الدول الإسلامية بناء على هذه الاجتهادات التي تقوم على الإجماع الجزئي أو الكلي .

        إن العالم العربي والإسلامي يملك رصيدا كبيرا من التشريعات المشتركة الكفيلة بإقامة صرح العمل الوحدوي عليه، ولا شك أننا نسبق المجتمعات الأوروبية في هذا المجال، والتي تزهو بتكوين ما يطلق عليه \"القانون الأوروبي\" والذي يعتبر الآن أهم عوامل توحيدها، هذا القانون الذي يختص بوضع التشريعات والأنظمة التي تحكم هيئات المجتمع الأوروبي، والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي وحدَّها المجتمع الأوروبي وأصبحت تطبق على كافة دول الاتحاد .

        ونحن في رابطة الجامعات الإسلامية نقوم بجهد كبير لتوحيد مناهج تدريس الفقه الإسلامي، وأصول الفقه، وسائر العلوم الإسلامية لكي تطبق في كافة الجامعات الأعضاء، والتي وصل عددها حتى الآن إلى حوالي مائة جامعة، وسنعمل من جانبنا على إعداد المؤلفات التي تدرّس وتربط بين أصول هذه العلوم حسبما أسسها الآباء وبين الممارسات التي أنتجت مشكلات عملية جديدة، ويجب أن تُؤخذ في الاعتبار وأن تنقل إلى قاعات الدروس في كلياتنا وجامعاتنا .

محكمة العدل الإسلامية :

        استطاعت الدول الإسلامية، من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي أن تقيم جهازا مستقلا فيها، هو محكمة العدل الإسلامية، وهذا الجهاز يقوم على الأسس المعروفة في حسم المنازعات بطريقة أقرب ما تكون إلى نظام التحكيم، واتفاقية إنشاء المحكمة التي أُقرّت بدولة الكويت عام 1978م أخذت الكثير من أحكامها من النظام الأساس لمحكمة العدل الدولية، والمشكلات التي تحتاج إلى حسم من جانب هذه المحكمة كثيرة، وللأسف تخضع للتحكيم الدولي وتخسر الدول الإسلامية الكثير من جراء ذلك، إن تفعيل نظام هذه المحكمة يحتاج إلى إخراج التقنينات المعدة من قبل الأجهزة التشريعية داخل الدول الإسلامية أو من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية لكي تطبقها المحكمة ويجد المتقاضون من المسلمين وغيرهم أحكاما واضحة تُطبق في المنازعات بينهم،ٍ كما تحتاج إلى قيام الدول الإسلامية بسرعة اختيار القضاة لهذه المحكمة .

        إن وجود سلطة تشريعية تمتلك صلاحيات التشريع لدول منظمة المؤتمر الإسلامي في مجالات محددة في البداية، تشمل مختلف المجالات التي تشكل أساساً قوياً للوحدة الإسلامية، يكمله على نفس الخط وبنفس القوة وجود محكمة تصدر أحكاما ملزمة تنفذها الدول الأعضاء، هو الكفيل ببلورة أسس الوحدة بين الدول والشعوب الإسلامية .

        والسلطة التنفيذية قائمة شكلا في هياكل منظمة المؤتمر الإسلامي؛ لأن هناك جهازا تمثل فيه قمة الدول الإسلامية، وجهازا آخر يمثل مجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية، ولكن نلاحظ من الاجتماعات عدم حضور السادة الرؤساء بأنفسهم دائما لهذه الاجتماعات، كما نلاحظ كذلك عدم وجود اختصاصات محددة في المسائل التي تتصل بالكيان الإسلامي يمكن أن تنفذ لذا فإن المطلوب هو وضع اختصاصات محددة في المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويوجد أجهزة فنية واستشارية واسعة تستطيع أن تقوم بهذه المهمة في المنظمة .

ضرورة تأكيد التصور الإسلامي لفكرة الدولة :

        لاحظنا أن ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي قد صيغ صياغة عصرية تشبه إلى حد كبير صياغات ميثاق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة، هذا في الوقت الذي يعرف الجميع أن الإسلام على الرأي الراجح بين الفقهاء، يعرف دولة واحدة هي دولة الخلافة الإسلامية، ولا يقر وجود أكثر من خليفة وأكثر من دولة إسلامية إلا على سبيل التأقيت، في تقديري يجب أن تسيطر هذه الفكرة على ميثاق المنظمة وأن يظهر بوضوح أن هذا التنظيم خطوة نحو الوحدة بين الدول والشعوب الإسلامية، وليس نهاية المطاف، وهكذا فإن لدي اقتراحات محددة للتعبير عن هذه الفكرة في نصوص المنظمة .

        فيجب أن تنص المادة الأولى التي صاغت الأهداف والمبادئ على نص واضح يقرر أن المنظمة تعمل على توحيد الدول والشعوب الإسلامية في كيان موحد، ويجب أن تستهدف مختلف الأجهزة في المنظمة تحقيق هذا الهدف عن طريق :

- توحيد تشريعات الدول الأعضاء على أساس الشريعة الإسلامية .

- تطبيق الشريعة الإسلامية في المنازعات التي تثار بين الدول الأعضاء من خلال محكمة العدل الإسلامية أو أية هيئة تحكيم يختارها الأطراف .

- اتخاذ خطوات مستمرة لتحقيق أكبر قدر من التعاون في المجال الاقتصادي، بإنشاء سوق مشتركة تلغي الحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء وتسمح بانسياب كامل وحرية حركة للأشخاص والأموال بين مختلف الدول الإسلامية، ويشجع قيام المشروعات المشتركة في داخل السوق، وتحويل الأقاليم الإسلامية إلى إقليم إنتاجي واحد لمختلف السلع والخدمات.

- تشجيع الدراسات والبحوث التي تؤكد فكرة الوحدة في مختلف الجامعات ومراكز البحوث، وبحث آليات التنفيذ ومعوقات قيام الوحدة وسبل التغلب عليها .

- ويجب أن يعدل الميثاق بحيث يقرر خطوات التكامل الاقتصادي التي تنتهي بالوحدة، وأن يقرر لكل مرحلة فترة زمنية معينة .

- كما يجب أن تتضمن التعديلات إزالة كافة العوائق التي وضعها الاستعمار لتفتيت الأمة ومنع العلاقات الطبيعية بينها، بينما هو قد تخلص منها في دياره ومن ذلك قيود الجوازات والجنسية والحدود، ومنع الزواج المختلط إلا إذا أذن به الحاكم، والتدخل في مختلف العلاقات والاجتماعات واللقاءات بين الشعوب الإسلامية من قبل الحكام .

        وأرى أن تقيم المنظمة مدينة أو أكثر للوحدة الإسلامية كتجربة يتم فيها هذا التعامل التلقائي وتقام فيها مؤسسات ورابطة للوحدة وآليات وأجهزة لتحقيقها على الحدود بين الدول الإسلامية .

تعميق القيم الإسلامية في التعامل بين الدول من خلال المنظمة :

نصت ديباجة ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي على بعض المبادئ التي يستهدف العمل بها في المنظمة، عبرت كذلك عن باعث إنشاء المنظمة، حيث جاء بها أن ممثلي الدول الإسلامية المجتمعة في جدة في 14 إلى 18 محرم 1392هـ الموافق 29 فبراير إلى 4 مارس 1972 إذ يشيرون إلى مؤتمر ملوك ورؤساء دول وحكومات البلدان الإسلامية .. وهم مقتنعون بأن عقيدتهم المشتركة تشكل عاملا قويا لتقارب الشعوب الإسلامية وتضامنها . وإذ يقررون الحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية الموجودة في الإسلام والتي تظل عاملا من العوامل المهمة لتحقيق التقدم بين أبناء البشر .. ويصرون على توثيق أواصر الصداقة الأخوية والروحية القائمة بين شعوبها وحماية حريتها وتراثها وحضارتها المشتركة المبنية خاصة على مبادئ العدل والتسامح وعدم التمييز .

        والواقع أن هذه الدوافع يجب أن تُعمق أكثر وأن يتحقق لها صياغة تقيم مشروعا حضاريا للوحدة الإسلامية محكوما بالقيم والمبادئ الإسلامية ولكن كيف يتحقق ذلك ؟ إن من أهم الأعمال التي يجب أن تقوم بها المنظمة والمنظمات التخصصية المرتبطة بها أن تصوغ مشروعات العمل الداخلي والدولي وفقا للعقيدة والشريعة والقيم الإسلامية . إن المجتمعات المسلمة يجب أن تبرز الهوية والسمات الإسلامية المميزة لها من خلال السلوك والتعامل معها، فهي حاملة لرسالة سماوية تعرف التمييز بين الحق والباطل، بين الحلال والحرام، بين ما يسعد الإنسان وما يتعسه، وهذه هي الرسالة الإسلامية التي تحدد موقفها من قضايا ومشكلات العصر . ثم هذه الرسالة يجب أن تبلغ للغرب وللشرق على السواء، وأن تحملها رسائل الإعلام المختلفة التي تصدر في العالم الإسلامي .

        إن لهذه الرسالة موقفا من الغير يقوم على احترامه وحسن التعامل معه، وتقديس السلام والأمن ورفاهية الإنسان في حدود الشريعة وأغراضها . كما أن هذه الرسالة تحترم الإنسان وحقوقه وتعمل على الارتقاء به وصيانة دمه وماله وعرضه وعقيدته . إنها رسالة خير وعدل ورقي، ويطول بنا المطاف لو أردنا أن نحدد قيم ومبادئ الإسلام فهي لا تقع تحت حصر بأي شكل . والذي أريد أن أطالب به منظماتنا وجامعاتنا هي أن تفصل معالم هذه الرسالة، وأن تضع هذه التفاصيل في مناهج تدريس لغتنا، وعاء الثقافة، والمعبرة عن الشخصية الإسلامية، كما يجب أن تكون علومنا الإسلامية العديدة في العقيدة والشريعة والدعوة والاقتصاد والإعلام واضحة جلية في تثبيت الدعائم والمعالم، وأن نصدرها للغير بوضوح تام .

        ولا شك أن عمل المنظمات الإسلامية في هذه المجالات في غاية الأهمية، ولكن ينقصه التنسيق وإيجابية الحركة للدفع به إلى الأمام، وتقديمه بالشكل الذي يليق به .

تدريس علوم الوحدة والتكامل :

        من الأهمية بمكان توجيه الدراسات التي تتم في التعليم العام والجامعي والدراسات العليا إلى صياغة مقررات الوحدة وعلومها . ويمكن أن أشير هنا إلى أهمية تدريس ما يوجد بين الشعوب العربية والإسلامية من عوامل للوحدة والتقدم، وإبراز ذلك في العلوم التي تُدَّرس حاليا مثل علوم التاريخ والجغرافيا والاجتماع والتربية وعلم النفس كما أنه في تدريس اللغة العربية يجب عرض هذه الأبعاد، وهي مطلوبة كذلك في تدريس مختلف اللغات التي تتم في مدارسنا وجامعاتنا ويجب على منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الإيسيسكو ورابطة الجامعات الإسلامية أن تقود هذا الاتجاه بشكل أفضل مما يتم الآن .

        ولعلي أركز هنا على القول بأهمية التكوين العلمي للشباب المسلم عن طريق العلم لكي يشرب هذه المثُل ولكي يدافع عنها إننا نعالج هنا أسباب خور العزيمة وتحلل الإرادة وغياب التصميم، إننا يجب أن نستخدم الأسلوب العلمي في تدريس هذه العلوم وهي أيضا تحتاج إلى التدريب واكتساب المهارات المكونة للإرادة والعزيمة في المدرسة والجامعة والمنزل.


المراجع:

للمؤلف:

1- المنضمات الدولية، عدة طبقات أهر طبقة عام 2005، الناشر دار النهضة العربية، تاريخ عبد الخالق ثروت القاهرة.

2- مجلة الجامعة الإسلامية العدد (  ) والذي خصص لدراسة منظمة المؤتمر الإسلامي الطبعة الأولى عام.

3- الوحدة الإسلامية للشيخ محمد العدوى رابطة الجامعات الإسلامية من سلسلة فكر المواجهة العدد ( ).

4- المنظمات الدولية الإسلامية، محمد داود إصدار ونشر رابطة الجامعات الإسلامية عام      العدد(  ) من سلسلة فكر المواجهة

5-  إتحاد الإمارات العربية في الخليج، الدكتور وحيد رأفت، إصدار الجمعية المصرية للقانون الدولي عام 1971.

6- المنظمات الدولية، للدكتور جعفر عبد السلام، دار النهضة العربية طبعة 1996م القاهرة.

7- توحيد التشريعات في الدول الإسلامية كوسيلة للوحدة، للدكتور صوفي أبو طالب دراسة قدمت لرابطة الجامعات الإسلامية في مؤتمر الوحدة الإسلامية عام 2005م.

8- التنظيم الدولي الإسلامي، للدكتور عبد الله الأشعل، درا النهضة العربية عام 1992م.

9- نظام الدولة في الإسلام، للدكتور جعفر عبد السلام، إصدار رابطة الجامعات الإسلامية، عام 2006م.  


الخاتمة

إن ما سبق القول فيه هو وجهة نظر في إصلاح التنظيم الدولي الإقليمي، وذلك بضرورة التخلص من الازدواجية ودمج الجامعة العربية في منظمة المؤتمر الإسلامي بكل هيئاتها وأجهزتها، وكذلك إدخال التعديلات الضرورية على ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي لتصبح منظمة إقليمية قوية، وهذا يقتضى تكوين جيش دفاعي للمنظمة، واتخاذ منهج الإسراع بالتكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وقد قدمنا الخطوات التي ينبغي أن تتخذ في هذا الإطار، كما قدمنا فكرة محورية وهي ضرورة أن يكون التنظيم الإقليمي الإسلامي طريق لتوحيد الدول الإسلامية ولو على المدى البعيد، وأكدنا أن العوامل المتصلة بتوحيد التشريعات واستدعاء العقيدة والقيم الإسلامية وتأصيلها بين الشعوب الإسلامية من أهم الوسائل للتوحيد والتعريف بالإسلام، والتصدي لكل ما يثار حول هذا الدين من افتراءات وأباطيل.

 

والله يتولى الجميع بهدايته وتوفيقه

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft