بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





فكر عبد الحميد باديس الإصلاحي وجمعية العلماء الجزائريين للدكتور رأفت غنيمي الشيخ



   عدد الزيارات

 

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

              وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة

                                                                                             

 

 

الملتقى الدولي حول :

"الفكر الإصلاحي عند الإمامين عبد الحميد بن باديس و بديع الزمان سعيد النورسي"

يومي 6-7 جمادى الثاني 1435هجرية الموافق 16-17 أبريل 2013م

 

فكر عبد الحميد باديس الإصلاحي

وجمعية العلماء الجزائريين

 

 

 

 

إعداد

الأستاذ الدكتور

رأفت غنيمي الشيخ

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر عميد كلية الآداب السابق – جامعة الزقازيق

مؤسس معهد الدراسات الآسيوية مؤسس كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة قناة السويس

مستشار رابطة الجامعات الإسلامية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمــة

عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكى بن محمد كحول بن الحاج على النورى ابن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات بن عبد الرحمن بن باديس الصنهاجى، ولد بمدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائرى ، يوم الجمعة الموافق ل4 ديسمبر 1889م.

فى عام 1936م دعا عبد الحميد بن باديس إلى مؤتمر إسلامى يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر وبعض الشخصيات  المستقلة وأسفر المؤتمر عن المطالبة ببعض الحقوق للجزائر وتشكيل وفد سافر إلى فرنسا لعرض هذه المطالب وكان من ضمن هذا الوفد أبن باديس والإبراهيمى والطيب العقبى ممثلين لجمعية العلماء الجزائريين.

وشخصية عبد الحميد بن باديس شخصية غنية ثرية ، وهو مجدد ومصلح يدعو إلى نهضة المسلمين ويعلم كيف تكون النهضة فيقول: إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله، إذا كانت لهم قوة، وإذا كانت لهم جماعة منظمة تفكر وتدبر وتتشاور وتتأثر، وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرة، متساندة فى العمل عن فكر وعزيمة.

إن أثار عبد الحميد بن باديس أثار عملية قبل أن تكون نظرية فى كتاب  أو مؤلف ، والأجيال التى رباها كانت وقود معركة تحرير الجزائر، وقليل من المصلحين فى  العصر الحديث  من أتيحت لهم فرص التطبيق العملى  لمبادئهم كما أتيحت لابن باديس.

كانت الجزائر جزءاً من الإمبراطورية العثمانية من عام 1518م، ولكن سلطة الدايات جعلت من البلاد دولة مستقلة يكاد يكون تاماً حيث كان لهم حق عقد المعاهدات مع الدول الأجنبية دون الرجوع إلى السلطان العثماني كما كان الداي ينتخب ويعين ويباشر سلطته دون الرجوع إلى السلطان، وإيرادات البلاد- وإن كانت كلها من عمليات الجهاد البحري- تصرف علي مصارف الحكم وإن كانت غير منظمة، ولم تكن ترسل شيئاً من الأموال إلى السلطان ([1])

ورغم هذا الاستقلال فإن الجزائر شهدت خلال القرن الثامن عشر انهياراً في الاقتصاد بسبب كساد الحركة التجارية ومقاومة الدول الأوروبية "القرصنة" عمليات الجهاد البحري الإسلامي الجزائرية، كما شهدت فوضى سياسية بسبب النزاع بين الدايات بعضهم وبعض ومع رجال الجيش ومع "القراصنة" حتى فقدت البلاد تقدمها واضطرب الأمن فيها وأصبحت بفضل المعاهدات مع الدول الأوروبية مجالاً لفرض النفوذ الأوروبي على حساب استقلال البلاد وعلى حساب مصلحة أهلها.

ولقد كان للعامل الديني أثره في احتلال فرنسا للجزائر، فبعد ما عرف عن حادثة صفع الداي للقنصل الفرنسي في الجزائر ([2])، ذكر تقرير قدمه وزير الحربية الفرنسية للملك شارل العاشر قوله: لقد أرادت العناية الإلهية أن تستثار جلالتكم بشدة في شخص قنصلكم بواسطة ألد أعداء المسيحية، ولعله لم يكن من باب الصدفة أن يدعي ابن لويس التقي لكي ينتقم للدين وللإنسانية ولإهانته الشخصية في نفس الوقت، ولعل الزمن يسعدنا بأن ننتهز هذه الفرصة لننشر المدنية بين السكان الأصليين وننصرهم، بل أنه عند احتلال الجزائر أقيمت صلوات قال فيها قسيس الجيش لقائد الحملة، لقد فتحت بابا للمسيحية في أفريقية ([3]).

وعلى هذا اتخذت الحكومة الفرنسية التي تزعمها (بولينياك) قرارا باحتلال الجزائر وأعلن الملك شارل العاشر عن اعتزامه إنشاء مستعمرة هامة في شمال أفريقيا تكون نواتها الجزائر، وفي 14يونيه 1830م نزل الجيش الفرنسي المكون من حوالي 35ألف مقاتل إلى أرض الجزائر وأخذ يصطدم بالمقاومة التي يتزعمها الداي، وقد دافع الجزائريون دفاعاًً قوياً حصر الزحف الفرنسي في شريط ساحلي لا يشمل كل الشاطئ الجزائري، ومرت ثلاث سنوات على الاحتلال الفرنسي دون أن يستطيع فرض سلطته على أكثر من بعض مواني ساحلية بينما أصبح الداخل في يد بعض الزعماء الذين أعلن بعضهم ولاءهم لتركيا ورفضهم الاعتراف بأي سلطة للمسيحيين ([4])، ومن بين هؤلاء الرافضين الأمير عبد القادر ([5]) الذي اتخذ من غرب الجزائر مقراً لإمارته.

وعلى هذا اتخذت الحكومة الفرنسية التي تزعمها (بولينياك) قرارا باحتلال الجزائر وأعلن الملك شارل العاشر عن اعتزامه إنشاء مستعمرة هامة في شمال أفريقيا تكون نواتها الجزائر، وفي 14يونيه 1830م نزل الجيش الفرنسي المكون من حوالي 35ألف مقاتل إلى أرض الجزائر وأخذ يصطدم بالمقاومة التي يتزعمها الداي، وقد دافع الجزائريون دفاعاًً قوياً حصر الزحف الفرنسي في شريط ساحلي لا يشمل كل الشاطئ الجزائري، ومرت ثلاث سنوات على الاحتلال الفرنسي دون أن يستطيع فرض سلطته على أكثر من بعض مواني ساحلية بينما أصبح الداخل في يد بعض الزعماء الذين أعلن بعضهم ولاءهم لتركيا ورفضهم الاعتراف بأي سلطة للمسيحيين ([6])، ومن بين هؤلاء الرافضين الأمير عبد القادر ([7]) الذي اتخذ من غرب الجزائر مقراً لإمارته.

وخلال الأعوام من 1830م إلى 1839م قامت سياسة فرنسا في الجزائر على فكرة الاحتلال المحدود المقتصر على الساحل دون الداخل، وفي هذه الفترة اصطدمت قوات الاحتلال الفرنسي في غرب الجزائر بالأمير عبد القادر، وفي شرق الجزائر بأحمد باشا باي قسنطينة الذي أطلق عليه الناس آنذاك بطل الإسلام ولعدم وجود تعاون بين القوتين استطاعت قوات الاحتلال مصالحة عبد القادر ومهادنته ريثما يتم القضاء على أحمد باشا المتحصن في قسنطينة.

تزعم عبد القادر النضال في غرب الجزائر ضد قوات الاحتلال الفرنسية، وقد انقسم هذا النضال إلى ثلاث مراحل تنتهي كل منها بمعاهدة، فالمرحلة الأولى تنتهي بعقد معاهدة بين الطرفين عام 1834م انصبت على الاعتراف بكل غرب الجزائر ما عدا ثلاث مدن ساحلية  خاضعة للدولة العربية الجديدة ذات السيادة برئاسة عبد القادر، والمرحلة الثانية من النضال تستمر حتى عام 1837م حيث عقدت معاهدة (التافنا) – نسبة إلى نهر بهذا الاسم- التي اعترف فيها الفرنسيون لا بسلطة عبد القادر في غربي الجزائر فقط بل وفي أوسطها كذلك، وتوضح هذه المعاهدة بدقة الحدود الفاصلة بين الدولتين في وهران – دولة عبد القادر – وفي الجزائر حيث توجد سلطات الاحتلال الفرنسي، ويلاحظ من صياغة المعاهدة أنها تتحدث عن مسلمين وفرنسيين ولا تذكر كلمة جزائريين، فالقبائل التي تخضع للحكم الفرنسي كانت تعرف باسم المتنصرة، كما تدل الصياغة على أن الأمير عبد القادر يعامل ملك فرسا على قدم المساواة كرئيس دولة وطنية أمام رئيس دولة أخرى ([8]) .

وأما المرحلة الثالثة من النضال فقد استمرت من عام 1840م إلى عام 1847م ، وذلك عندما أخذت فرنسا تطبق في الجزائر سياسة الاحتلال الشامل، وكان صاحب هذه السياسة المارشال (سولت) رئيس الحكومة الفرنسية منذ سنة 1840م فاختار لتنفيذها الجنرال (بيجو) الذي قامت سياسته على أساس إخضاع الشعب الجزائري بأسره لا عن طريق مواجهة عسكرية بين القوات الفرنسية وقوات عبد القادر ولكن اتباع أسلوب الإرهاب المتمثل في إحراق الحقول واختطاف قطعان الأغنام- وهي رأس مال القبائل- إلى جانب إحراق القرى بأهلها ومعاقبة كل من له صلة بالأمير عبد القادر، كما عمل (بيجو) على مصادرة أراضي جميع القبائل التي شاركت في المقاومة وتوزيعها على جنوده والمستوطنين الفرنسيين الذين تدفقوا على الجزائر لزراعتها لمصلحتهم ومصلحة فرنسا.

وإزاء تحركات (بيجو) هذه  بقواته في أنحاء الجزائر دارت صدامات دموية بين الاحتلال الفرنسي وعبد القادر انتهت عام 1843م بلجوء الأمير عبد القادر إلى مراكش وبقى بها إلى عام 1845م حيث تركها مرغما أمام ضربات الانتقام الفرنسية لمراكش، وواصل النضال في الجزائر لمدة عامين انتهت باستسلامه في ديسمبر عام 1847م ونصح لأنصاره بأن يفعلوا مثله، وقد تم استسلام الأمير على أساس السماح له بالسفر إلى الإسكندرية فقبلت سلطات الاحتلال هذا الشرط واستقبلوه استقبالاً يليق بخصم شريف، وباستسلامه انتهت المقاومة الجزائرية – المنظمة الرئيسية- وأصبحت البلاد خاضعة للحكم الفرنسي ([9]).

ومما تجدر الإشارة إليه أن رجال القبائل البربر وزعماء الطرق الصوفية قد ظلوا غير معترفين بالاحتلال الفرنسي، ومن ثم دارت معارك عنيفة بين القوات الفرنسية والمحاربين الجزائريين في بلاد القبائل انتهت بإخضاع هذه البلاد عام 1857م، ومع ذلك فقد كانت تقوم بين الحين والآخر ثورات محلية لا تلبث أن تختفي أمام القوة الفرنسية من أمثلتها ثورة الشيخ محمد المقراني عام 1871م في شرق الجزائر التي استغل صاحبها هزيمة فرنسا في الحرب السبعينية، وبدأت في المواني الشرقية حيث رفض بعض المجندين الجزائريين ركوب السفن الفرنسية إلى ميدان القتال بأوروبا فكانت الشرارة الأولى لاندلاع ثورة عامة تبلورت عندما وجدت زعيماً لها في شخص محمد المقراني ومساعده الشيخ حداد- من الطريقة الرحمانية- مما يدل علي أن البواعث الدينية كانت ما تزال تلعب الدور الرئيسي ([10]).

ورغم أن هذه الثورة نجحت في أول الأمر إلا أن مساعدة بسمارك للحكومة الفرنسية بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين وإرسالهم إلى الجزائر قد أنهى الثورة وأعاد إلى الجزائر السيطرة الفرنسية الكاملة، رغم حدوث ثورة بعيدة في الصحراء الجزائرية عام 1881م ([11]) انتهت كما حدث لسابقاتها، وفي تلك السنة صدر مرسوم بإلحاق الجزائر إداريا بفرنسا، وحكمت فرنسا الجزائر حكماً استعماريا بمعنى الكلمة حيث استغل الجزائريون في حروب فرنسا ومصانعها ومزارعها دون المشاركة في الحكم حتى بدأت تظهر حركة وطنية جزائرية عمالية بعد الحرب العالمية الأولى.

ب- الاستقلال:

كان الجزائريون تواقين للتخلص من الاستعمار الفرنسي منذ وطئت الأرض الجزائرية أقدام الفرنسيين عام 1830م، وإن كانت حركة الأمير عبد القادر وغيره من قادة النضال الجزائري قد توقفت إلى حين بنفي الأمير عبد القادر إلى دمشق عام 1852م، فقد ظل الشعب الجزائري يحمل لواء الحركة الوطنية، خاصة وأن عدد الجزائريين يفوق الجالية الأوروبية بنسبة 1:8، ويعتبر هذه الجالية أكبر الجاليات الأوربية في أفريقيا باستثناء جنوب أفريقيا، وكانت تحتكر في الواقع الوظائف العليا والمتوسطة في الدولة ([12]).

وعقب الحرب العالمية الأولي تطلع الجزائريون للاستقلال وحق تقرير المصير استنادا إلى مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون ولكن دون الوصول إلى هذا الحق، فبدأت تظهر الجمعيات الوطنية مثل (كتلة النخبة من الجزائريين المسلمين) ، (جمعية نجم شمال أفريقيا) التي نشأت على أرض فرنسا ذاتها بقيادة (مصالي الحاج) عام 1927م، وحزب (النجم الثاقب) والاتحاد القومي لمسلمي شمال أفريقيا عام 1934م، وجمعية علماء المسلمين برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وحركة المؤتمر الإسلامي الجزائري في عام 1936م، وكل هذه الجمعيات طالبت بالإصلاح الاجتماعي والخلقي والديني إلى جانب المطالبة بالحقوق الوطنية السياسية، ولذلك تعرضت للاضطهاد كل جمعية تتطرق للنواحي السياسية.

صارت (جبهة التحرير الوطنية (F.L.N) Front de Liberation Nationale، هي التي تقود الثورة الجزائرية وصار جناحها العسكري يمارس الكفاح المسلح ضد الفرنسيين على الأرض الجزائرية، وتشكلت حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية في تونس برئاسة فرحات عباس في 18سبتمبر 1958 ([13])، وقد استمرت حركة الكفاح المسلح للثورة الجزائرية حوالي سبع سنوات أرغمت الحكومة الفرنسية على قبول التفاوض مع جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وقاد الجنرال (ديجول) رئيس الجمهورية الفرنسية سياسة التوصل مع الجزائريين إلى حل سلمي مهما كان صعباً على الفرنسيين تقبله، خاصة وأن الثورة الجزائرية تكسب كل يوم جديد تأييدا عالميا ومساندة شعبية وكانت مصر كعادتها في مقدمة الدول التي ساندت كفاح الشعب الجزائري بكل إمكانياتها وتحملت عدواناً ثلاثياً على بورسعيد عام 1956م.

ومما يلاحظ على الحركة الجزائرية تأثرها بالاتجاه العربي الإسلامي، حيث حافظت الشخصية الجزائرية على مقوماتها الأساسية التي تمثلت في اللغة العربية والدين الإسلامي والتاريخ العريق لشعب الجزائر، إلى جانب ظهور زعماء جزائريين كالشيخ عبد الحميد ابن باديس صاحب الشخصية المتعددة الجوانب، والذي كان متأثراً بتعاليم كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا لتدعيم الفكرة العربية الإسلامية التي حاول الفرنسيون مسخ مقوماتها الأساسية، إلى جانب الشيخ البشير الإبراهيمي كرئيس لجمعية العلماء، بالإضافة إلى تأكيد ثورة 1954م على اتجاهها العربي الإسلامي.

الشيخ عبد الحميد بن باديس وبيئته:

ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة 1308هـ (ديسمبر 1889م) من أسرة قسنطينية مشهورة بالعلم والثراء والجاه، وكانت مهيئة للسياسة والحكم في المغرب الإسلامي، وتعود إلى قبيلة صنهاجة الإمازيغية والتى من أبرز شخصياتها بلكين بن زيري والمعز بن باديس، الذي قاوم الشيعة الإسماعيلية في الشمال الأفريقي، وكان ابن باديس يعتز بجهاده ومقاومته للبدع والضلالات([14]).

أما علمه فقد حفظ القرآن على يد الشيخ محمد المداسي، وعمره ثلاثة عشر عاماً، وأم الناس في الجامع الكبير بقسنطينة  وهو في ذلك السن، وبعد ذلك انتدب له أبوه الشيخ حمدان الونيسي الذي علمه العربية والمعارف الإسلامية، ووجهه وجهة علمية أخلاقية يعترف بها ابن باديس في حياته، ومما قاله عن شيخه أنه نصحه بعدم تقلد المناصب الحكومية وأخذ عليه عهداً بذلك، ولما هاجر الشيخ حمد الونيسي إلى المدينة المنورة، اتجه ابن باديس إلى الزيتونة في عام 1326هـ (1908م) وعمره حينذاك تسعة عشر عاماً، ومكث بها ثلاث سنوات، وأخرى للتدريس كما هو الحال في جامع الزيتونة، وهناك تتلمذ على يد علماء أفاضل مثل الشيخ محمد النخلي، أستاذ التفسير، والشيخ الطاهر بن عاشور([15])، كما درس على يد الشيخ الخضر بن الحسين الجزائري الأصل الذي انتقل بعد ذلك إلى مصر، وأصبح شيخاً للأزهر، وبعدها عاد إلى الجزائر وبدأ نشاطه التعليمي في قسنطينة في الجامع الكبير، ثم انتقل إلى الجامع الأخضر، وفي عام 1331هـ (1913م) أدى فريضة الحج وهناك في المدينة المنورة التقى ابن باديس بشيخه حمدان الونيسي وبعض علماء المدينة، ومنهم حسين الهندي الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر والدعوة بها، كما التقى ابن باديس في مدينة رسول الله r بزميل جهاده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي سبقه إلى المدينة مهاجراً مع أهله، وهناك تدارس أحوال الجزائر وما وصل إليه الحال بها، واتفقا على العودة إلى الجزائر، وحمل راية الدعوة إلى الله، وإعادة الجزائر إلى عروبتها وإسلامها.

عاد ابن باديس إلى الجزائر وبدأ دعوته الإصلاحية فتتلمذ على يديه قادة العمل الإصلاحي في الجزائر، وبعد الحرب العالمية الأولى بدأ نشاطه الإعلامي والتعليمي بدرجة أوسع بعد أن بدأت ثمار جهوده تؤتى أوكلها، وتوج ذلك بإنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

إذن هو الإمام عبد الحميد بن باديس (1307-1358هجرية) الموافقة لـ (1889-1940) من رجالات الإصلاح في الوطن العربي ورائد النهضة الإسلامية في الجزائر، ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

نسبه وأسرته

عرفت الأسرة الباديسية منذ القدم بإنجابها للعلماء والأمراء والسلاطين. وحسب ما يقول مؤلفا كتاب أعيان المغاربة المستشرقان Marthe et Edmond Gouvion والمنشور بمطبعة فوناتانا في الجزائر 1920م، ينتمي ابن باديس إلى بيت عريق في العلم والسؤدد ينتهي نسبه في سلسلة متّصلة ببني باديس الذين جدّهم الأول هو مناد بن مكنس، الذي ظهرت علامات شرفه وسيطرته في وسط قبيلته في حدود القرن الرابع الهجري. أصل هذه القبيلة كما يقول المستشرقان من ملكانة أو تلكانة وهي فرع من أمجاد القبيلة الصنهاجية "الأمازيغية" المشهورة في المغرب العربي. ومن رجالات هذه الأسرة المشهورين في التاريخ الذين كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يفتخر بهم:

  • المعز لدين الله بن باديس (حكم: 406-454هـ/1016-1062م) الذي قاوم البدعة ونصر السنة وأعلن مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا للدولة، ثم مؤسس الدولة الصنهاجية وابن الأمير باديس بن منصور والي إفريقيا والمغرب الأوسط (حكم: 373-386 هـ/984-996م) سليل الأمير "بلكين بن زيري بن مناد المكنى بأبي الفتوح والملقب بسيف العزيز بالله الذي تولى الإمارة (361-373 هـ/971-984م) إبان حكم الفاطمين.

في العهد العثماني برزت عدة شخصيات من بينها:

  • قاضـي قسنطينة الشهير أبو العباس احميدة بن باديس (توفى سنة 969 هـ/1561م) الذي قال عنه شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون : "هو من بيوتات قسنطينة وأشرافها وممن وصلت إليه الريّاسة والقضاء والإمامة بجامع قصبتها، وخَلَفُ سلف صالحين علماء حازوا قصب السبق في الدراية والمعرفة والولاية، وناهيك بهم من دار صلاح وعلم وعمل".
  • أبو زكرياء يحيى بن باديس ابن الفقيه القاضي أبي العباس "كان حييا ذا خلق حسن، كثير التواضع، سالم الصدر من نفاق أهل عصره، كثير القراءة لدلائل الخيرات وذا تلاوة لكتاب الله".
  • الشيخ المفتي بركات بن باديس دفين مسجد سيدي قمّوش بقسنطينة في الفترة نفسها.
  • أبو عبد الله محمد بن باديس الذي قال عنه الشيخ الفكون: "كان يقرأ معنا على الشيخ التواتي (محمد التواتي أصله من المغرب، كانت شهرته بقسنطينة، وبها انتشر علمه. كانت له بالنحو دراية ومعرفة حتى لقب بسيبويه زمانه، وله معرفة تامة بعلم القراءات) آخر أمره، وبعد ارتحاله استقل بالقراءة عليّا وهو من موثّقي البلدة وممن يشار إليه".
  • الشيخ أحمد بن باديس الذي كان إماما بقسنطينة أيام الشيخ عبد الكريم الفكون خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي.

من أسلاف عبد الحميد المتأخرين، جدّه لأبيه: الشيخ المكي بن باديس الذي كان قاضيا مشهورا بمدينة قسنطينة وعضوا في المجلس العام وفي المجلس البلدي، وقد احتل مقاما محترما لدى السكان بعد المساعدات المالية التي قدمها لهم خاصة أثناء المجاعة التي حلت بالبلاد فيما بين 186-2-1868م وانتخب إلى الاستشارة في الجزائر العاصمة وباريس، وقد تقلّد وساما من يد نابليون الثالث (كان رئيسا لفرنسا من 1848-1852م ثم إمبراطورا لها من 1852-1870م)، وعمه احميدة بن باديس النائب الشهير عن مدينة قسنطينة أواخر القرن التاسع عشر الميلادي الذي اشترك مع ثلاثة من زملائه النواب في عام 1891م في كتابة عارضة دوّن فيها أنواع المظالم والاضطهادات التي أصبح يعانيها الشعب الجزائري في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي من الإدارة الاستعمارية ومن المستوطنين الأوروبيين الذين استحوذوا على الأراضي الخصبة سلبا من الجزائريين وتركوهم للفقر والجوع، وقاموا بتقديمها إلى أحد أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي الذي حضر إلى الجزائر من أجل البحث وتقصي الأحوال فيها كي يقدمها بدوره إلى الحكومة الفرنسية وأعضاء البرلمان الفرنسي في باريس وذلك بتاريخ 10 أبريل سنة 1891 أي بعد ولادة عبد الحميد بن باديس بحوالي ثلاثة سنوات فقط.

هناك قسم من عائلة ابن باديس كانوا قادة كبار مع الأمير عبد القادر الجزائري وأسرتهم المحتلون سنة 1263هـ/1847م وأرسلوهم إلى فرنسا، وأودعتهم بالسجن في باريس وقد تم الإفراج عنهم مع الأمير عبد القادر الجزائري في عام 1852م وتم نفيهم إلى بلاد الشام تحت رعاية الأمير عبد القادر الجزائري في عدة مناطق في لبنان وفلسطين وسوريا والغالبية العظمى متواجدة في الأردن بمنطقة اربد بالأغوار الشمالية


المولد والنشأة

عبد الحميد بن باديس .

هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحّول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات بن عبد الرحمن بن باديس الصنهاجي. ولد بمدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، يوم الجمعة الموافق لـ 4 ديسمبر 1889 م على الساعة الرابعة بعد الظهر كما سبق وأشرنا.

كان عبد الحميد الابن الأكبر لوالديه، فأمه هي: السيدة زهيرة بنت محمد بن عبد الجليل بن جلّول من أسرة مشهور بقسنطينة لمدة أربعة قرون على الأقل، وعائلة "ابن جلّول من قبيلة "بني معاف" المشهورة في جبال الأوراس، انتقل أحد أفرادها إلى قسنطينة في عهد الأتراك العثمانيين وهناك تزوج أميرة تركية هي جدة الأسرة (ابن جلول). ولنسب هذه المرأة العريق، تزوجها محمد بن مصطفى بن باديس (متوفى 1951) والد عبد الحميد. وكان والده مندوبا ماليا وعضوا في المجلس الأعلى وباش آغا لشرفتي الجزائر، ومستشارا بلديا بمدينة قسنطينة ووشحت فرنسا صدره بوسام الشرف قالب:فرنسي، وقد احتل مكانة مرموقة بين جماعة الأشراف وكان من ذوي الفضل والخلق الحميد ومن حفظة القرآن، ويعود إليه الفضل في إنقاذ سكان منطقة واد الزناتي من الإبادة الجماعية سنة 1945 على إثر حوادث 8 ماي المشهورة، وقد اشتغل بالإضافة إلى ذلك بالفلاحة والتجارة، وأثرى فيهما.

كان والده بارًا به يحبه ويتوسم فيه النباهة، فقد سهر على تربيته وتوجيهه التوجيه الذي يتلاءم مع فطرته ومع تطلعات عائلته. عبد الحميد بن باديس نفسه يعترف بفضل والده عليه منذ أن بصر النور وفقد قال ذلك في حفل ختم تفسير القرآن سنة 1938 م، أمام حشد كبير من المدعوين ثم نشره في مجلة الشهاب: إن الفضل يرجع أولاً إلى والدي الذي ربّاني تربية صالحة ووجهني وجهة صالحة، ورضي لي العلم طريقة أتبعها ومشرباً أرده، وبراني كالسهم وحماني من المكاره صغيراً وكبيراً، وكفاني كلف الحياة... فلأشكرنه بلساني ولسانكم ما وسعني الشكر.».

أما إخوته الستة فهم: الزبير المدعو المولود والعربي وسليم وعبد الملك ومحمود وعبد الحق، وأما أختاه فهما نفيسة والبتول، كان أخوه الزبير محاميا وناشرا صحفيا في الصحيفة الناطقة بالفرنسية "صدى الأهالي" L'Echo Indigène ما بين 1933م1934م. كما تتلمذ الأستاذ عبد الحق على يد أخيه الشيخ عبد الحميد بالجامع الأخضر وحصل على الشهادة الأهلية في شهر جوان سنة 1940م على يد الشيخ مبارك الميلي بعد وفاة الشيخ بن باديس بحوالي شهرين.

طلبه للعلم

ختم عبد الحميد بن باديس حفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني، وهو من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاهه الديني، ولا ينسى ابن باديس أبداً وصية هذا الشيخ له: "اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة"، بل أخذ عليه عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية عند فرنسا.

في جامع الزيتونة بتونس

وفي سنة (1327هـ - 1908م) التحق الشيخ عبد الحميد بجامع الزيتونة ، فأخذ عن جماعة من كبار علمائها الأجلاّء، وفي طليعتهم زعيم النهضة الفكرية والإصلاحية في الحاضرة التونسية العلاّمة «محمّد النخلي القيرواني» المتوفى سنة: (1342هـ - 1923م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة: (1393هـ - 1973م)، فضلاً عن مربين آخرين من المشايخ الذين كان لهم تأثير في نمو استعداده، وتعهّدوه بالتوجيه والتكوين، كالبشير صفر، وسعد العياض السطايفي، ومحمّد بن القاضي وغيرهم، وقد سمحت له هذه الفترة بالاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في البلدان العربية والإسلامية من إصلاحات دينية وسياسية، في مصر وفي الشام وغيرهم، ممّا كان لهذا المحيط العلمي والبيئة الاجتماعية، والملازمات المستمرّة لرجال العلم والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة.

في المدينة المنورة

بعد أداء فريضة الحج مكث الشيخ ابن باديس في المدينة المنورة ثلاثة أشهر، ألقى خلالها دروساً في المسجد النبوي، والتقى بشيخه السابق حمدان الونيسي القسنطيني وتعرف على رفيق دربه ونضاله فيما بعد الشيخ البشير الإبراهيمي. وكان هذا التعارف من أنعم اللقاءات وأبركها، فقد تحادثا طويلاً عن طرق الإصلاح في الجزائر واتفقا على خطة واضحة في ذلك. وفي المدينة اقترح عليه شيخه الونيسي الإقامة والهجرة الدائمة، ولكن الشيخ حسين أحمد الهندي المقيم في المدينة أشار عليه بالرجوع للجزائر لحاجتها إليه. زار ابن باديس بعد مغادرته الحجاز بلاد الشام ومصر واجتمع برجال العلم والأدب وأعلام الدعوة السلفية، وزار الأزهر واتصل بالشيخ بخيت المطيعي حاملاً له رسالة من الشيخ الونيس.

العودة إلى الجزائر

عاد ابن باديس إلى الجزائر عام 1913 م واستقر في مدينة قسنطينة، وشرع في العمل التربوي الذي صمم عليه، فبدأ بدروس للصغار ثم للكبار، وكان المسجد هو المركز الرئيسي لنشاطه، ثم تبلورت لديه فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين، واهتماماته كثيرة لا يكتفي أو يقنع بوجهة واحدة، فاتجه إلى الصحافة، وأصدر جريدة المنتقد عام 1925 م وأغلقت بعد العدد الثامن عشر؛ فأصدر جريدة الشهاب الأسبوعية، التي بث فيها آراءه في الإصلاح، واستمرت كجريدة حتى عام 1929 م ثم تحولت إلى مجلة شهرية علمية، وكان شعارها: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".


تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

وذلك في سنة 1931 في نادي الترقي بالجزائر العاصمة. أول توقف صدور للمجلة في شهر شعبان 1328 هـ (سبتمبر 1939) بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وحتى لا يكتب فيها أي شيء تريده منه الإدارة الفرنسية تأييداً لها، وفي سنة 1936 م دعا إلى مؤتمر إسلامي يضم التنظيمات السياسية كافة من أجل دراسة قضية الجزائر، وقد وجه دعوته من خلال جريدة لاديفانس التي تصدر بالفرنسية، واستجابت أكثر التنظيمات السياسية لدعوته وكذلك بعض الشخصيات المستقلة، وأسفر المؤتمر عن المطالبة ببعض الحقوق للجزائر، وتشكيل وفد سافر إلى فرنسا لغرض هذه المطالب وكان من ضمن هذا الوفد ابن باديس و الإبراهيمي و الطيب العقبي ممثلين لجمعية العلماء، ولكن فرنسا لم تستجب لأي مطلب وفشلت مهمة الوفد.

العوامل المؤثرة في شخصية ابن باديس

لا شك أن البيئة الأولى لها أثر كبير في تكوين شخصية الإنسان، وفي بلد كالجزائر عندما يتفتح ذهن المسلم على معاناته من فرنسا، وعن معاناته من الجهل والاستسلام للبدع-فسيكون هذا من أقوى البواعث لأصحاب الهمم وذوي الإحساس المرهف على القلق الذي لا يهدأ حتى يحقق لدينه ولأمته ما يعتبره واجباً عليه، وكان ابن باديس من هذا النوع. وإن بروز شخصية كابن باديس من بيئة ثرية ذات وجاهة لَهو دليل على إحساسه الكبير تجاه الظلم والظالمين، وكان بإمكانه أن يكون موظفاً كبيراً ويعيش هادئاً مرتاح البال ولكنه اختار طريق المصلحين.

تأتي البيئة العلمية التي صقلت شخصيته وهذبت مناحيه والفضل الأكبر يعود إلى الفترة الزيتونية ورحلته الثانية إلى الحجاز والشام حيث تعرف على المفكرين والعلماء الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما دعا إليه من نقاء العقيدة وصفائها. وكان لمجلة المنار التي يصدرها الشيخ رشيد رضا أثر قوي في النظر لمشكلات المسلمين المعاصرة والحلول المطروحة.

مما شجع ابن باديس وأمضى عزيمته وجود هذه العصبة المؤمنة حوله-وقد وصفهم هو بالأسود الكبار-من العلماء والدعاة أمثال الإبراهيمي والتبسي والعقبي والميلي. وقد عملوا معه في انسجام قلّ أن يوجد مثله في الهيئات الأخرى.

آثار ابن باديس

شخصية ابن باديس شخصية غنية ثرية ومن الصعوبة في حيز ضيق من الكتابة الإلمام بكل أبعادها وآثارها؛ فهو مجدد ومصلح يدعو إلى نهضة المسلمين ويعلم كيف تكون النهضة. يقول«' إنما ينهض المسلمون بمقتضيات إيمانهم بالله ورسوله إذا كانت لهم قوّة، وإذا كانت لهم جماعة منظّمة تفكّر وتدبّر وتتشاور وتتآثر، وتنهض لجلب المصلحة ولدفع المضرّة، متساندة في العمل عن فكر وعزيمة.

وهو عالم مفسّر، فسّر القرآن الكريم كلّه خلال خمس وعشرين سنة في دروسه اليومية كما شرح موطأ مالك خلال هذه الفترة، وهو سياسي كتب في المجلات والجرائد التي أصدرها عن واقع المسلمين وخاصة في الجزائر وهاجم فرنسا وأساليبها الاستعمارية وشرح أصول السياسة الإسلامية، وقبل كل هذا فهو المربي الذي أخذ على عاتقه تربية الأجيال في المدارس والمساجد، فأنشأ المدارس واهتم بها، بل كانت من أهم أعماله، وهو الذي يتولى تسيير شؤون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ويسهر على إدارة مجلة الشهاب ويتفقد القاعدة الشعبية باتصالاته المستمرة.

إن آثار ابن باديس آثار عملية قبل أن تكون نظرية في كتاب أو مؤلَّف، والأجيال التي رباها كانت وقود معركة تحرير الجزائر، وقليل من المصلحين في العصر الحديث من أتيحت لهم فرص التطبيق العملي لمبادئهم كما أتيحت لابن باديس ؛ فرشيد رضا كان يحلم بمدرسة للدعاة، ولكن حلمه لم يتحقق، ونظرية ابن باديس في التربية أنها لا بد أن تبدأ من الفرد، فإصلاح الفرد هو الأساس.

طريقته في التربية هي توعية هذا النشء بالفكرة الصحيحة كما ذكر الشّيخ الإبراهيمي عن اتفاقهما في المدينة: "كانت الطريقة التي اتفقنا عليها سنة 1913 في تربية النشء هي ألا نتوسع له في العلم وإنما نربيه على فكرة صحيحة"

ينتقد ابن باديس مناهج التعليم التي كانت سائدة حين تلقيه العلم والتي كانت تهتم بالفروع والألفاظ - فيقول: "و اقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية، مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفني الأعمار قبل الوصول إليها" المصدر السابق ص141. أما إنتاجه العلمي فهو ما جمع بعد من مقالاته في "الشهاب" وغيرها ومن دروسه في التّفسير والحديث لم يصلنا كل ما كتبه أو كل ما ألقاه من دروس في التّفسير والحديث. وقد جُمع ما نشر في (الشهاب) من افتتاحيات تحت عنوان "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير" بإشراف محمد الصالح رمضان، وتوفيق شاهين. وحاول الدّكتور عمار الطالبي جمع آثاره كلها، ولكن لا يزال هناك أشياء لم تُجمع.الكاتب تاهمي محمد

الوسط الثقافي والفكري والدينية الذي تربى فيه ابن باديس

أولاً: الحالة الثقافية والفكرية في الجزائر قبل الاحتلال:

إن انتشار المدارس والمعاهد والزوايا في مختلف نواحي الجزائر خلال تلك الفترة، دليل على أن الحياة الفكرية والثقافية كانت مزدهرة بها.

وقد اشتهرت مدن قسنطينة و الجزائر وتلمسان وبلاد ميزاب في الجنوب بكثرة المراكز التعليمية، وكان يقوم عليها أساتذة وعلماء مشهود لهم بعلو المكانة ورسوخ القدم في العلم والمعرفة، مثل الشيخ (الثميني) في الجنوب، والشيخ (الداوودي) في تلسمان، والشيخ (ابن الحفّاف) بالعاصمة، والشيخ (ابن الطبّال) بقسنطينة، والشيخ (محمد القشطولي) في بلاد القبائل، وغيرهم كثير ممن تفرّغوا للتدريس ونشر العلم.

وكان من نتائج هذا الانتشار الواسع لمراكز التربية والتعليم، أن أصبحت نسبة المتعلمين في الجزائر تفوق نسبة المتعلمين في فرنسا، (فقد كتب الجنرال فالز سنة 1834م بأن كل العرب (الجزائريين) تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة، حيث إن هناك مدرستين في كل قرية... أما الأستاذ ديميري، الذي درس طويلاً الحياة الجزائرية في القرن التاسع عشر، فقد أشار إلى أنه قد كان في قسنطينة وحدها قبل الاحتلال خمسة وثلاثون مسجدًا تستعمل كمراكز للتعليم، كما أن هناك سبع مدارس ابتدائية وثانوية يحضرها بين ستمائة وتسعمائة طالب، ويدرّس فيها أساتذة محترمون لهم أجور عالية). أحصيت المدارس في الجزائر سنة 1830م، بأكثر من ألفي مدرسة ما بين ابتدائية وثانوية وعالية.

كتب الرحالة الألماني فيلهلم شيمبرا حين زار الجزائر في شهر ديسمبر 1831م، يقول: (لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب). وخير المثال ما شهد به الأعداء. وقد برز في هذه الفترة علماء في كثير من العلوم النقلية والعقلية، زخرت بمؤلفاتهم المكتبات العامة والخاصة في الجزائر، غير أن يد الاستعمار الغاشم عبثت بها سلبًا وحرقًا، في همجية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً. يقول أحد الغربيين واصفًا ذلك: (إن الفرنسيين عندما فتحوا مدينة قسنطينة في شمالي أفريقيا، أحرقوا كل الكتب والمخطوطات التي وقعت في أيديهم، كأنهم من صميم الهمج.

يظهر مما ذكرنا أنه كان للجزائر مكانها المرموق بين أقطار المغرب في خدمة علوم العربية والإسلام، كما قدّمت للميدان أعلامًا من رجالها، حملوا الأمانة، وكانت تُشدُّ إليهم الرحال في طلب العلم.

ثانيًا: الحالة الثقافية والفكرية والدينية أثناء الاحتلال:

يمكن تقسيم الفترة الممتدة من دخول الاستعمار إلى ظهور دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى (1830-1900م

لم تقتصر اعتداءات الاحتلال الفرنسي للجزائر على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية فحسب، بل عمد إلى تدمير معالم الثقافة والفكر فيها، وقد ظهر حقده الصليبي في إصراره على تحطيم مقومات الأمة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي واللغة العربية، معتمدًا في ذلك على ما يلي:


مصادرة الأوقاف الإسلامية

كان التعليم في الجزائر يعتمد اعتمادًا كبيرًا على مردود الأوقاف الإسلامية في تأدية رسالته، وكانت هذه الأملاك قد وقفها أصحابها للخدمات الخيرية، وخاصة المشاريع التربوية كالمدارس والمساجد والزوايا. وكان الاستعمار يدرك بأن التعليم ليس أداة تجديد خُلقي فحسب، بل هو أداة سلطة وسلطان ووسيلة نفوذ وسيطرة، وأنه لا بقاء له إلا بالسيطرة عليه، فوضع يده على الأوقاف، قاطعًا بذلك شرايين الحياة الثقافية.

جاء في تقرير اللجنة الاستطلاعية التي بعث بها ملك فرنسا إلى الجزائر يوم 7/7/1833م ما يلي: (ضممنا إلى أملاك الدولة سائر العقارات التي كانت من أملاك الأوقاف، واستولينا على أملاك طبقة من السكان، كنا تعهدنا برعايتها وحمايتها... لقد انتهكنا حرمات المعاهد الدينية ونبشنا القبور، واقتحمنا المنازل التي لها حُرْمَتها عند المسلمين.

التضييق على التعليم العربي

أدرك المستعمر منذ وطئت أقدامه أرض الجزائر، خطورة الرسالة التي تؤديها المساجد والكتاتيب والزوايا، في المحافظة على شخصية الأمة. فلم تكن هذه المراكز قاصرة على أداء الشعائر التعبدية فحسب، بل كانت أيضًا محاضر للتربية والتعليم وإعداد الرجال ا لذلك صبّخمخت فرنسا غضبها عليها بشدة، فعمدت إلى إخماد جذوة العلوم والمعارف تحت أنقاض المساجد والكتاتيب والزوايا، التي دُمّرت فلم تبق منها سوى جمرات ضئيلة في بعض الكتاتيب، دفعتها العقيدة الدينية، فحافظت على لغة القرآن ومبادئ الدين الحنيف في تعليم بسيط وأساليب بدائية.

حطم الفرنسيون في 18/12/1832م جامع كتشاوه، وحوّلوه بعد تشويه شكله وتغيير وضعيته إلى كاتدرائية، أُطلق عليها اسم القديس فيليب (بالفرنسية: Cathedrale Saint Philipe)، والشيء نفسه وقع لمسجد حسن باي بقسنطينة غداة سقوطها بأيديهم(2) سنة 1837م.. هكذا اختفت كثير من الكتاتيب القرآنية ومدارس التعليم الإسلامي، التي كانت مزدهرة قبل الاحتلال الفرنسي. كما طالت يد الحقد الصليبي المكتبات العامة والخاصة، حيث أحرق جنود الجنرال دوق دومـال Dauk Daumale مكتبة الأمير عبد القادر الجزائري بمدينة تاقدامت في ربيع الثاني 1259 هـ، 10 مايو 1843م، وكان فيها من نوادر المخطوطات ونفائس المؤلفات ما لا يقدر بثمن، ونفس المصير واجهته معظم المكتبات الأخرى. إن هذه الحرب الشعواء التي شنها الاستعمار على الدين الإسلامي واللغة العربية، جعلت التعليم في الجزائر يصل إلى أدنى مستوى له، فحتى سنة 1901 -أي بعد حوالي 70 سنة من الاحتلال- كانت نسبة المتعلمين من الأهالي لا تتعدى 3.8%، فكادت الجزائر أن تتجه نحو الفرنسة والتغريب أكثر من اتجاهها نحو العروبة والإسلام. وقد تأثرت الحياة الفكرية والدينية في هذه الفترة ببعض العوامل الأخرى، نذكر منها ما يلي:

أ- الطرق الصوفية: من الإنصاف أن نذكر هنا الدور الإيجابي الذي قامت به بعض الطرق الصوفية منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، فقد ساهمت بعض زواياها في نشر الثقافة العربية الإسلامية، كما قام كثير من رجالاتها بالتصدي للاستعمار والاستبسال في محاربته. فقد كان الأمير عبد القادر الجزائري راسخ القدم في التصوف، وكان الشيخ الحداد -أحد قادة ثورة القبائل الكبرى عام 1871م- قد انتهت إليه مشيخة الطريقة الرحمانية في وقته، إلا أن كثيرًا من الطرق قد انحرفت في ما بعد عن الخط العام الذي رسمه مؤسسوها الأوائل، فكثرت عندها البدع والضلالات والخرافات، وتقديس القبور والطواف حولها، والنذر لها، والذبح عندها، وغير ذلك من أعمال الجاهلية الأولى. كما أنه كانت لبعض رجالاتها مواقف متخاذلة تجاه الاستعمار، حيث سيطرت هذه الطرق على عقول أتباعها ومريديها، ونشرت بينهم التواكل والكسل، وثبّطت هممهم في الاستعداد للكفاح من أجل طرد المحتل الغاصب، بدعوى أن وجود الاحتلال في الجزائر هو من باب القضاء والقدر، الذي ينبغي التسليم به، والصبر عليه، وأن طاعته هي طاعة لولي الأمر. بهذه الروح المتخاذلة والتفكير المنحرف، كانت بعض الطرق سببًا في إطالة ليل الاستعمار المظلم في البلاد من جهة، وتفرق صفوف الأمة وضلالها في الدين والدنيا من جهة أخرى.

ب- انتشار الجهل والأمية: لقد أدّت الثورات المتتالية التي خاضها الشعب ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم، إلى فقدان الأمة لزهرة علمائها في ميدان الجهاد. كما أن كثيرًا من المستنيرين من حملة الثقافة العربية الإسلامية هاجروا إلى المشرق العربي، وإلى البلاد الإسلامية الأخرى، يتحيّنون الفرص للرجوع إلى الوطن وتطهيره من سيطرة الفرنسيين، كل ذلك ساهم في انتشار الجهل وتفشي الأمية بين أفراد الأمة، مما أثّر سلبًا على الحياة الفكرية في تلك الفترة.

ج- المدارس البديلة التي أنشأها الاستعمار: لم تفتح هذه المدارس في حقيقة الأمر من أجل تعليم أبناء الجزائر، ورفع مستواهم الثقافي، بل كان الاستعمار يقصد من وراء ذلك عدة أمور، منها :

  • تجريد الشعب الجزائري من شخصيته العربية الإسلامية، ومحاولة إدماجه وصهره في البوتقة الفرنسية بإعطائه تعليمًا هزيلاً يجعله أسهل انقيادًا لسياسته.
  • قتل الروح الوطنية التي أدت إلى اشتعال الثورات المتوالية، وجعل الشعب أكثر خضوعًا للاحتلال.
  • إيجاد قلة متعلمة للاستفادة منها في بعض الوظائف التي تخدم الاحتلال.

فقد أنشأت فرنسا لهذا الغرض عدة مدارس ابتدائية، منها المدارس (الفرنسوية الإسلامية Franco-Musulmane، في الجزائر العاصمة وبعض المدن الأخرى ابتداءً من سنة 1836م. لم تكن هناك مدارس للتعليم الثانوي والعالي إلا بحلول القرن العشرين، حيث فتحت المدرسة الثعالبية في عهد الحاكم الفرنسي (جونار) سنة 1904م، رغم أن مرسوم إنشائها صدر منذ سنة 1850م.

د- هجر الأهالي للمدارس الفرنسية: كان الأهالي يتخوّفون كثيرًا من التعليم الرسمي المقصور على تعلّم اللغة الفرنسية وحضارتها، إذ رؤوا فيه وسيلة خطيرة لفرنسة أبنائهم، فكان الإقبال على هذه المدارس ضئيلاً جدًا.. ومع عدم وجود المدارس الحرّة الكفيلة باحتضان أبناء المسلمين، فإن نسبة الأمية ارتفعت إلى درجة مذهلة، كما مر بنا آنفًا.

كل هذه العوامل ساهمت بطريقة أو بأخرى في انتشار الجهل والأمية بين أفراد الشعب، مما جعل الحالة الثقافية والفكرية والدينية في تلك الفترة تبعث على الحزن والأسى.


المرحلة الثانية (1900-1914)م

الأمة الجزائرية هي قطعة من المجموعة الإسلامية العظمى من جهة الدين، وهي ثلة من المجموعة العربية، من حيث اللغة التي هي لسان ذلك الدين. فالأمة الإسلامية بهذا الدين وهذا اللسان وحدة متماسكة الأجزاء، يأبى الله لها أن تتفرق وإن كثرت فيها دواعي الفرقة، ويأبى لها دينها، وهو دين التوحيد، إلا أن تكون موحدة. فعلى الرغم من الحصار الذي فرضته فرنسا على الجزائر لعزلها عن بقية الأقطار الإسلامية، خاصة تلك التي لم تُبْتَل بما ابتليت به من محاولة طمس دينها ولغتها، فإنه مع إطلاله القرن العشرين بدأت الجزائر تعيش حركة فكرية شبه متواصلة مع الأقطار الإسلامية الأخرى، سواء عن طريق الطلبة الذين ابتعثوا للدراسة في جامعة الزيتونة والأزهر والجامعات الإسلامية الأخرى، أو عن طريق الدعوات الإصلاحية التي قامت في البلاد الإسلامية، مثل دعوة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

وهناك عوامل أخرى ساعدت على قيام هذه الحركة الفكرية، كتلك البوادر الإصلاحية الفردية التي قام بها في الجزائر بعض العلماء المتفاعلين مع حركة الإصلاح الإسلامي.. ولعل مما ساعد على قيام هذه النهضة أيضًا، تولي المسيو (شارل جونار) الولاية العامة في الجزائر. وهنا نلقي بعض الضوء على جانب من تلك العوامل التي ساهمت في ظهور وانتعاش النهضة الفكرية في الجزائر:

عودة الطلبة الذين درسوا في الخارج

هم الطلبة الذين درسوا في جامعة الزيتونة، وجامعة القرويين، والأزهر، وفي الحجاز والشام. ساهم هؤلاء المثقفون بعد عودتهم إلى الوطن بجهود عظيمة في النهوض بالحياة الفكرية والدينية، بما أثاروا من همم وأحيوا من حمية، وبنوا من مدارس في مختلف أنحاء الوطن، وبما أصدروا من صحف، معتمدين في ذلك على القرآن والسنة، فأصلحوا العقائد، وصححوا المفاهيم، ونقّوا الأفكار من رواسب البدع والخرافات التي علقت بها، وأحيوا الشعلة التي أخمدها الاستعمار في نفوس الأمة. ويوم اسوداد المآزم وتلاحم الخطوب، أعادوا ذكرى أسلافهم في الصبر والصمود. ومن هؤلاء الرواد الذين ساهموا في إثراء هذه النهضة الفكرية الإسلامية بالجزائر نذكر:

  • الشيخ عبد القادر المجاوي [1848-1913م]: تخرج الشيخ المجاوي من جامعة القرويين بمدينة فاس، ويعتبر من العلماء القلائل الذين كانــوا على رأس الحركــة الإصلاحيــة في الجزائــر، فلا تجد واحــدًا من هــؤلاء المصلحين في الربع الأول من القــرن العشرين الميلادي إلا وهو من تلامذته. خرّج أفواجًا كبيرة من المدرسين والأئمة والوعاظ والمترجمين والقضاة، كان من بينهم الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد ترك الشيخ المجاوي آثارًا علمية كثيرة في اللغة والفلك والعقيدة والتصوف، نذكر منها: كتاب "الدرر النحوية"، و"الفريدة السنيَّة في الأعمال الحبيبية"، و"اللمع في إنكار البدع"، و"نصيحة المريدين"، وغيرها مما يضيق المقام بسردها.

ومن بين رواد النهضة الإسلامية في تلك الفترة أيضًا :

  • الشيخ عبد الحليم بن سماية (1866-1933): يعتبر الشيخ ابن سماية في مقدمة الأفاضل الذين أمدوا هذه النهضة بآثار فضلهم، ومن أوائل المصلحين الجزائريين الداعين لفكرة الإمام محمد عبده الإصلاحية، ومن رفاق الشيخ المجاوي في التدريس، كما يعدّ من أوسع علماء عصره علمًا وثقافة. فقد تخرّج على يديه جيل من المثقفين مزدوجي الثقافة، وخلّف مؤلفات كثيرة منها كتاب "فلسفة الإسلام".

ومما تجدر الإشارة إليه هنا، أن أغلب أعضاء البعثات العلمية التي ذكرنا سابقًا، قد ظهر تأثيرهم على الحياة الفكرية والحركة الإصلاحية بشكل ملحوظ،خاصة في العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين، مثل: الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ مبارك الميلي، وغيرهم.

الحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي

كان للدعوة التي قادها جمال الدين الأفغاني أثر كبير في نشر الفكر الإصلاحي السلفي في الجزائر، فرغم الحصار الذي ضربه المستعمر لعزلها عن العالم الإسلامي، زار الشيخ محمد عبده -تلميذ الأستاذ جمال الدين- الجزائر عام 1903م، واجتمع بعدد من علمائها، منهم الشيخ محمد بن الخوجة، والشيخ عبد الحليم بن سماية، كما ألقى في الجزائر تفسير سورة العصر. وقد كان لمجلة العروة الوثقى ومجلة المنار، تأثير كبير على المثقفين من أهل الجزائر، الذين اعتبروا دروس العقيدة التي كانت تنشرها (المنار) للإمام محمد عبده، بمثابة حبل الوريد الذي يربطهم بأمتهم.

استمر الاتصال الفكري بين الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية ولم ينقطع، فقد شارك الشيخ عمر بن قدور الجزائري بقلمه في جريدة (الحضارة) بالآستانة، و(اللواء) و(المؤيد) بمصر سنة 1914م، وقد كانت هذه الجرائد والمجلات تدعو إلى نهضة العرب والمسلمين، وكانت رائجة في بلاد المغرب العربي والجزائر خاصة. يعترف الفرنسيون بأن هناك مجرى سريًا، ولكنه غزير ومتواصل، من الصحف والمجلات الشرقية التي أعانت المغاربة في مجهوداتهم الإصلاحية، وجعلتهم مرتبطين أبدًا بالرأي العام العربي.

ظهور الصحافة العربية الوطنية في الجزائر

ظهرت في الجزائرخلال تلك الفترة صحافة وطنية عربية، ساهمت مساهمة فعالة في بعث النهضة الفكرية والإصلاحية الحديثة. فقد عالجت في صفحاتها كثيرًا من الموضوعات الحساسة، منها: الدعوة إلى تعليم الأهالي، وفتح المدارس العربية لأبناء المسلمين، والتنديد بسياسة المستعمرين واليهود، ومقاومة الانحطاط الأخلاقي والبدع والخرافات. فهذا الأستاذ عمر راسم يجلجل بآرائه في غير مواربة ولا خوف، فيقول: "أجل، يجب أن نتعلم لكي نشعر بأننا ضعفاء. يجب أن نتعلم لكي نعرف كيف نرفع أصواتنا في وجه الظلم. يجب أن نتعلم لكي ندافع عن الحق، وتأبى نفوسنا الضيم، ولكي نطلب العدل والمساواة بين الناس في الحقوق الطبيعية، وفي النهاية لكي نموت أعزاء شرفاء ولا نعيش أذلاء جبناء". كما ظهر في هذا الميدان كتّاب شاركوا بمقالاتهم وتحليلاتهم في تشخيص الداء الذي ألمّ بالأمة، واقتراح الدواء الناجع لذلك، من هؤلاء الشيخ المولود بن الموهوب، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والأستاذ عمر بن قدور وغيرهم.


تولي شارل جونار الولاية العامة في الجزائر

على الرغم من أن المسيو جونار فرنسي نصراني، إلا أن وصوله إلى منصب الحاكم العام في الجزائر، كان له أثر كبير على الحياة الفكرية في تلك الفترة. يُذكر أن هذا الأخير شجّع إحياء فن العمارة الإسلامية، وبعْث التراث المكتوب، والتقرّب من طبقة المثقفين التقليديين، وتشجيعهم على القيام بمهمتهم القديمة، كإقامة الدروس في المساجد ونحوها، كما اهتم بالتأليف ونشر الكتب العلمية وكتب التراث، مما كان له أثر هام على الحياة الثقافية في الجزائر.

أشرف جونار على فتح المدرسة الثعالبية سنة 1904م، بجوار مقام سيدي عبد الرحمن الثعالبي) في حي القصبة بالعاصمة الجزائرية، وندب اثنين من الشيوخ للتدريس ونشر العلم بها، كما أمر بنشر كتابين هامين، أحدهما كتاب: "تعريف الخلف برجال السلف"، الذي صنّفه الشيخ أبو القاسم الحفناوي وطبعه سنة 1907م، والكتاب الثاني: "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان"، لابن مريم الشريف التلمساني، الذي تولى إعداده للنشـر الأستاذ محمد ابن أبي شنب، المدرِّس بالمدرسة الثعالبية الدولية، وطبع سنة 1908م برعاية المسيو (جونار). هذه باختصار أهم العوامل التي ساعدت على قيام تلك الحركة الفكرية الإصلاحية بالجزائر، في الفترة التي ظهر فيها الشيـخ عبد الحميد ابن باديس. وبهذا العرض المتواضع، تتضح لنا طبيعة الوسط الثقافي والفكري الذي تربى وترعرع فيه الشيخ ابن باديس، ويبقى أن نتعرف على شخصية الشيخ وأسرته ونشأته، ورحلاته، وشيوخه، ومكانته العلمية.

جمعية العلماء الجزائريين ورسالتها وأهم شخصياتها:

تذكر مصادر الجمعية أن التفكير في تنظيم يجمع كافة التيارات الإسلامية وجهود العلماء والمصلحين في سبيل خدمة قضية الشعب والوطن الجزائري، ووضع الأطر والخطوات العملية لإخراج الفرنسيين، كان قد بدأ في عام 1331هـ (1913م) حينما التقى ابن باديس بالإبراهيمي في المدينة المنورة، ومكثا بها مدة ثلاثة أشهر عمداً خلالها إلي اللقاء كل ليلة بعد صلاة العشاء حتى الفجر يدرسان كيفية القيام بحركة إصلاحية في الجزائر، ويبدو أن الشيخين قد اتفقا علي أسس بعينها شكلت النواة لهذا العمل التنظيمي، ومن ثم استمرت اللقاءات بينهما بعد عودتهما إلي الجزائر في بلدة سطيف حيث يقيم الشيخ الإبراهيمي، وكانت هناك عوامل إقليمية قد أسهمت بدورها في تعزيز الفكرة التي يعمل لها الشيخان، فناهيك عن الهم الأكبر المتمثل في الوجود الفرنسي الذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، فإن بروق الأمل كانت تلوح من بلدان عربية وإسلامية كانت تواجه مصيراً مشابهاً لذلك الذي ينتظر الجزائريين.

ومن ذلك دعوة الشيخ محمد عبده الإصلاحية في مصر التي تابعت وزاملت جهود المصلح الديني جمال الدين الأفغاني، وأيقظاً الأمة الإسلامية ببعث الروح الإسلامية والوطنية من خلال جريدة العروة الوثقي، التي كانت منبراً سياسياً دينياً، وملتقي لا يختلف عليه اثنان في حيوية الدور الذي يقوم به من أجل بعث الأمة علي أسس دينية تتوافق وما أراده الله لهذه الأمة من العزة والمنعة، كما أضطلع الشيخ محمد رشيد رضا بنفس الدور التنويري من خلال جريدته المنار التي أولت للمسألة الإسلامية اهتماماً يفوق ما عداها من القضايا من منطلق قناعة مفادها أن التغيير الأمثل لن يأتي إلا وفق التصور الإسلامي، وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس أشد تأثراً بالشيخ رشيد رضا، ويقول عنه: "فهذه الحركة الدينية الإسلامية الكبرى اليوم في العالم إصلاحاً وهداية وبياناً ودفاعاً كلها من أثاره".([16])

حاول بن باديس أن يقوم بجهود مماثلة في الجزائر من خلال دروسه الدينية الإرشادية والتعليمية التي انطلقت من مساجد قسنطينة، لا سيما الجامع الكبير، ومسجد سيدي قموش، والجامع الأخضر، وكانت دروسه تستغرق معظم النهار سوي فترات قصيرة للراحة أو العمل في مكتبه بجريدة الشهاب، يعلم الصغار الذين حرموا من التعليم في المدارس الفرنسية صباحاً، وطلبة المدارس الفرنسية عصراً ليربطهم بعقيدتهم وتراثهم الحضاري، فأصبح الرجل صاحب مدرسة فكرية تعمل لما يرقى المسلم الجزائري ويرفع من شأنه، وفي ذلك يقول مالك بن نبي: "لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة"([17]).

وما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأت جهود ابن باديس تؤتي ثمارها، فانطلقت الطلائع الجزائرية تغذي الروح الوطنية وتوقظ الهمم داعية إلي العلم والتعلم، والتثقيف والتطور في حدود القيم العربية الإسلامية، والتمسك بالأصالة الجزائرية، والمناداة بالإصلاح، ودراسة التاريخ السياسي والشخصيات الجهادية المؤثرة في القضية الجزائرية، مع التركيز بعمق علي المشكلات التي أثارها الاستعمار والتحذير من سياسته القمعية والاندماجية والتبشرية.

كانت الخطوة التالية لابن باديس هي تأسيس صحيفة "المنتقد" لتعبر عن آراء العلماء ونشر الدعوة الإصلاحية، لكسب أكبر عدد ممكن من الجماهير من خلال تبني سياسة تهدف إلي انتقاء الحكام والمديرين والنواب والقضاة والعلماء والمقاويم وكل من يتولي شأنا عاما من الفرنسيين والوطنيين بغية النهوض بالأمة الجزائرية والخروج بها من عثرتها([18]).

ومن ناحية أخرى عمل الشيخ عبد الحميد بن باديس علي توحيد الجبهة الداخلية للعلماء عن طريق تجمعيهم واتحادهم بغية الاتفاق علي خطة عمل لإصلاح الأوضاع الدينية والتعليمية والاجتماعية والسياسية.

وفي عام 1346هـ(1927م) دعا الشيخ عبد الحميد بن باديس الطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي لندوة يدرسون فيها أوضاع الجزائر، وكان ممن لبي هذه الدعوة الشيخ البشير الإبراهيمي، ومبارك الميلي، والعربي بلقاسم التبسي، ومحمد السعيد الزاهري، ومحمد خير الدين، وكان هذا الاجتماع أساسياً وجوهرياً في الرصد والتأريخ لنشأة الجمعية، وكان بالفعل نواة لتنظيم جهود هذه النخبة الذين اتفقوا في نهاية الاجتماع علي خطة عمل تقضي بإنشاء المدارس الحرة للتعليم العربي، والتربية الإسلامية، والعمل علي نشر الدعوة الإصلاحية في المساجد الحرة، واستخدام الصحافة والنوادي، وإنشاء فرق الكشافة الإسلامية للشباب، بهدف إذكاء روح النضال في أوساط الشعب، لتحرير البلاد من العبودية والخنوع للفرنسيين الأجانب([19]).

وتجدر الإشارة إلي أن مثل هذه الاجتماعات لم تكن تحظي بالرضا من قبل فرنسا، وكثيراً ما عمدت الإدارة الفرنسية إلي تعويقها بعدما رأت الأنصار المؤيدين لمثل هذا التيار يزداد عددهم، وليس هذا فحسب، بل إن مكمن الخطورة أن هذه الإدارة كانت تدرك مدي خطورة الأفكار التحريرية والإصلاحية التي يدعو إليها العلماء، وحشد الهمم والطاقات للكفاح ضدهم، ومن ثم فقد أعلنت عدم مشروعية مثل هذه الاجتماعات التي اعتبرت تهديداً مباشراً للأمن القومي الفرنسي فيما يتصل بالمستعمرات([20]).

حاول العلماء عدم الاصطدام مباشرة مع الإدارة الفرنسية حتى لا تفسد عليهم طبيعة العمل الديني السياسي الذي يضطلعون به، والذي كان في لحمته وسداه يهدف إلي تربية جيل بأكمله تربية دينية إسلامية قادرة علي هضم طبيعة المشكلة الجزائرية، ومن ثم تكون المواجهة الشاملة هي المرحلة الأخيرة والحاسمة، بعيداً عن الأيديولوجيات التي مزقت الحدة الوطنية الجزائرية، ولم تسهم إلا في التمكين للاستعمار وتوابعه([21])، ولذلك كانت اجتماعات العلماء تتسم بالهدوء في بدايتها، والتنقل بين المؤسسات الشعبية من خلال القيام بدور تنويري، ومن ذلك نشاطات بعض العلماء في عام 1927-1928م من خلال نادي الترقي الذي كان يهدف إلي مساعدة الأعمال التمدينية التي تقوم بها فرنسا، الأمر الذي يعني أن العلماء أرادوا القول أن جهودهم اجتماعية بحتة، وأنهم ينأون بأنفسهم عن العمل السياسي، وهذا هو الخط الأساسي الثابت في المراحل الأولى من جهود الإصلاحيين.

لقد كان للاحتفالات المئوية التي أقامها الفرنسيون في الجزائر في النصف الثاني من عام 1930م بمناسبة مرور قرن علي بداية حصار الجزائر أثر كبير في خروج جمعية العلماء المسلمين إلي حيز الوجود، فقد هاجم الفرنسيون الإسلام والمسلمين بشدة، وادعوا أن الإسلام قد دفن في الجزائر، وإنها أصبحت قطعة من فرنسا، وقد كان وقع تلك الخطب علي الشعب الجزائري ثقيلاً ومؤثراً، لا سيما العلماء الإصلاحيين الذين توعدوا الفرنسيين قائلين: "لقد احتفلوا بعيدهم المئوي الأول، ولن يحتفلوا بعيدهم الثاني"([22])، ومن ثم يتضح أن الهدف من إنشاء الجمعية كان وطنياً وسياسياً بالدرجة الأولى، أيا كانت البواعث والأساليب التي كانت تقف وراء تحقيق ذلك الهدف.

وينبغي ملاحظة أن مرحلة تأسيس الجمعية كمنظمة رسمية معتبرة قد واكبت تأسيس العديد من الحركات الوطنية في العالم العربي التي كانت تهدف إلي الوحدة الإسلامية أو العربية، مثل: "اللجنة السورية الفلسطينية المغربية" ويترأسها شكيب أرسلان في جنيف، و"لجنة الوحدة العربية" في مصر وفي مكة، و "حزب الدستور التونسي"([23])، وقد شكل هذا الزخم الخارجي والداخلي حالة المخاض في عمر الجمعية، وأصبحت النخبة الإصلاحية مهمومة بلحظة الميلاد، وينتابها صراع داخلي رهيب يخالطه الأمل واستشراف المستقبل الأنموذج للجزائر.

كانت الجزائر علي موعد مع الأمل الذي انبلج من فجر الثلاثاء الخامس من مايو عام 1931م الموافق للسابع عشر من ذي الحجة 1349هـ، وفي الجلسة التمهيدية التي عقدت في الساعة الثامنة صباحاً تمت مناقشة القانون الأساسي للجمعية، والذي كان قد أعده الشيخ البشير الإبراهيمي علي قواعد من العلم والأدب لا تثير شك الإدارة الفرنسية أو خوفها([24])، وتوالت الاجتماعات التأسيسية لأربعة أيام حتى تم الاتفاق علي المجلس الإداري التأسيسي وتشكيلاته علي النحو التالي:

عبد الحميد بن باديس، رئيساً للجمعية – محمد البشير الإبراهيمي، نائباً للرئيس – محمد الأمين العمودي، كاتب الجمعية – الطيب العقبي، معاون الكاتب – مبارك الميلي؛ أمين المال – إبراهيم بيوض، معاون أمين المال، وتعيين كلاً من: المولود الحافظي، مولاي ابن الشريف، الطيب المهاجي، السعيد البحتري، حسن الطرابلسي، عبد القادر القاسمي، محمد الفضيل البراتني، في وظيفة مستشار، بالإضافة إلي تشكيل "لجنة العمل الدائمة" مع سكان العاصمة برئاسة عمر إسماعيل وعضوية كل من: محمد المهدي، ايت سي أحمد عبد العزيز، محمد الزمرلي، عمر العنق([25]).

ونحن لا نريد الخوض في إرهاصات هذه الاجتماعات التأسيسية إذ أنها برأينا لا تضيف إلي أدبيات الموضوع شيئاً مفيداً، ومن الأجدر أن نتناول القانون الأساسي للجمعية بالتمحيص والدراسة الدقيقة التي من شأنها استجلاء أهم خصائص ذلك النظام، ومدى قربه من القضية الوطنية الجزائرية.

تناول القسم الأول من القانون الأساسي للجمعية الإفصاح عن كونها جمعية إرشادية تهذيبية مؤسسة حسب نظام وقواعد الجمعيات المبينة بالقانون الفرنسي، ولا يسوغ لهذه الجمعية أن تخوض أو تتدخل في المسائل السياسية، واهتم القسم الثاني بتناول أهداف الجمعية والتي تمحورت حول محاربة الآفات الاجتماعية، وكل ما يحرمه الشرع وينكره العقل وتحجره القوانين، وقد عالجت الأقسام الثلاث الباقية الأعمال التنظيمية والإدارية وأسلوب ممارسة العمل([26])، ويرتبط بهذا القانون الأساسي للائحة الداخلية للجمعية التي اشتملت علي مائة وسبع وأربعين مادة تنظم علاقاتها مع غيرها من الجمعيات والأحزاب، وتشير من طرف خفي إلي ما يستوجب فعله أو ممارسته في حال واجهت أعمال الجمعية أية معوقات، والتي رأي فيها بعض المحللين أنه كان هناك اتفاقاً غير مكتوب بين أعضاء الجمعية علي أسلوب المواجهة مع الفرنسيين، إذ كان رد الفعل الفرنسي سيئاً وعنيفاً، ونحن بالفعل نرى أن مثل هذا التحليل منطقياً ووجيهاً، فقد كانت مسألة الاستعمار الفرنسي وكيفية المواجهة معه هي المحرك الرئيسي الأوحد لتأسيس الجمعية، ومن غير المعقول ألا يكون لدى العلماء أسلوب للمواجهة ومنهج مدروس، وإن لم يكن منصوص عليه صراحة في القانون لدواعي الأمن التقليدية في مثل هذه الظروف.

أما فيما تضمنته بعض بنود اللائحة الداخلية؛ فقد نصت المادة الثانية عشرة علي عدم الخوض في أي حديث باسم الجمعية فيما يخالف خطتها وبرنامجها الأساسي، وتضمنت المادة السادسة عشر؛ عمل الشعب وهي مراكز الجمعية الفرعية من حيث الإشراف علي عمل أعضائها، وموافاة المجلس الإداري بتقارير وافية، وإرشاد المجلس إلي كيفية تنفيذ مقاصده، وقد عالجت باقي المواد كيفية التنسيق في عمل الجمعية الداخلي والخارجي.

علي أية حال فإن المصادر التي انتقدت النظام الأساسي للجمعية لخلوه من أية مضامين سياسية وأن اهتمام المصلحين بالأهداف القومية كان ضعيفاً، ربما كانت تفتقر إلي الضبط والتحقيق وتميل إلي المغالاة في إدانة المرحلة التأسيسية من عمر الجمعية، ذلك أن ما ينبغي فهمه وإدراكه علي نحو سلمي هو أن الجمعية قد وضعت برنامجاً تعليمياً تربوياً يهدف إلي تنشئة جيل من الجزائريين، وقد امتلأ سؤدداً وحيوية بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف مما يسهم ولا ريب في خلق وحدة وطنية صحيحة تكون قادرة علي نقد سلبيات المجتمع الجزائري والعمل علي معالجة الخلل بعد أن تكون قد وصلت إلي مرحلة من التماسك والتطور لا يخشى عليها بأس المتربصين بها، ليكون الجهاد ضد الخلل الأكبر المتمثل في الوجود الفرنسي هو أعلى مراتب العمل الديني والسياسي في برنامج الجمعية، وهو ما قصده العلماء تحديداً عشية التأسيس لهذا العمل الكبير.

في شهر سبتمبر 1937م تقدم أعضاء الجمعية العاملون باقتراحات تستهدف الرفع من شأن الجمعية واختصار الطريق نحو غايتها، وقد أقر المجلس الإداري هذه الاقتراحات التالية بالإجماع وأهمها:

أولاً: إنشاء مركز دائم للجمعية.

ثانياً: إنشاء مجالس لرؤساء الشعب في العمالات الثلاث، بحيث يتضمن كل مجلس أربع لجان متخصصة وهي:

1- اللجنة الاستشارية في ميداني الدين والقانون.

2- لجنة التعليم.              3- لجنة الدعاية.             4- اللجنة المالية.

وقد أتاحت هذه التعديلات المهمة أمام العمالات الثلاث (قسنطنة، الجزائر، وهران) إمكانية دراسة مشاكل الإصلاح وما يتطلبه من وسائل ضرورية ومستعجلة، كما أتاح الفرصة أمام العديد من الجزائريين للانضمام إلى عضوية الجمعية وحضور الاجتماعات في أي من المراكز الثلاثة، وفي الوقت ذاته أصبحت جمعية العلماء المسلمين تنظم نفسها كدولة داخل دولة في كل المجالات الإدارية والثقافية والاجتماعية، وترسل ممثليها إلى الخارج وتنشئ النوادي، وتوجه البعثات العلمية إلى المشرق العربي، وعلى الصعيد الداخلي فقد بحث العلماء في الأطر الكفيلة بتنظيم المجتمع الجزائري خارج القوانين الفرنسية.

وتهيأت الجمعية من الناحية العملية للمزيد من الانخراط في خضم السياسة الوطنية الواضحة، وحددت موقفها من كل الأحزاب السياسية، والجماعات المحلية المختلفة على النحو الذي أوردناه في نهاية الفصل السابق، وكأن الجمعية قد هيأت هذه المنجزات لمواجهة ظروف الاحتلال الفرنسي في ظل الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) وهي الأوضاع التى كانت تسير عكس التصور الطبيعي لأعمال الجمعية التى كان عليها تبحث عن خطط بديلة تتماشى مع طبيعة السلوك والأداء الفرنسي في الجزائر أثناء الحرب.

زعامات الجمعية:

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:

هو محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن عبد الله عمر الإبراهيمي، ولد يوم الخميس الثالث عشر من شهر شوال سنة ست وثلاثة مائة وألف للهجرة الموافق للرابع عشر من شهر يونيو سنة 1889م، في جنوب مدينة سطيف من الشرق الجزائري بقرية تعرف باسم قرية أولاد إبراهيم، ويرتفع نسبه إلى إدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدراسة في المغرب الأقصى، ولم تكن أسرته على سعة من الثراء المادي، ولكنها كانت على قدر كبير من الشهرة بالعلم والدين تتوارثه جيلاً بعد جيل ([27]).

تربى في كنف أبيه تربية علمية ثم تسلمه عمه الشيخ المكي وكان معروفاً بعلمه وروعه، فتولى تربيته وتعليمه ورعايته، حفظ القرآن الكريم وعمره تسع سنوات، كما حفظ بعض متون اللغة والنحو والفقة كألفية ابن مالك وألفية ابن معطي الجزائري، وجمع الجوامع في الأصول وتلخيص المفتاح للغزويني، وحفظ الكثير من شعر الفحول، كديوان المتنبي وديوان الحماسة ورسائل بلغاء العرب، وقد أجازه عمه بتدريس العلوم التي أخذها عنه وهو في الرابعة عشر من عمره، كما خلف عمه فى التدريس وهو في تلك السنة، ثم انتقل في المناطق المجاورة طلباً للعلم على يد شيوخ الزوايا المنتشرة، وفي العشرين من عمره لحق بوالده الذي هاجر إلى المدينة المنورة سنة 1908م فاراً بدينه كما فعل كثير من أهل الجزائر في تلك الفترة، وذلك من ظلم الاستعمار، وفي طريقه إلى الحجاز مر بمصر وجلس بها قرابة ثلاثة أشهر تنقل خلالها بين مجالس العلم والأديان ثم غادرها إلى الحجاز أواخر عام 1911م، واجتمع بوالده وطاف بحلقات العلم، يقول عن ذلك : "كان وصولي إليها أواخر عام 1911م، واجتمعت بوالدي- رحمه الله- وطفت بحلقات العلم في الحرم النبوي مختبراً فلم يرق لي شئ منها، وإنما هي غثاء بلقبه رهط ليس له من العلم والتحقيق شئ...، وفي عام 1913م التقى بزميل طريقه وجهاده الشيخ عبد الحميد بن باديس في المدينة المنورة، يذكر الإبراهيمي عن ذلك فيقول: "شهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913م هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز إلا في سنة 1931م.

اتفق مع زميل طريقه (ابن باديس) أن يلحق به بعد إقناع والده بالعودة إلى الجزائر للعمل في الدعوة وإصلاح الدين.

ولكن والده كان متردداً، وفي عام 1917م خرج إلى دمشق مع والده بعد ثورة الشريف مع من خرج من المسلمين إلى الشام، وهناك كان له مع علماء الشام لقاءات ومساجلات، فخطب ودرس وحاضر، وبعد وفاة والده وابنه بالشام عام 1919م عاد إلى الجزائر ليجد رفيق طريقه قد قطع شوطاً كبيراً في التربية والتعليم، فأعجب بعمله وبدأ مكملاً لزميله ليبنيا أركان نهضة الجزائر المباركة ويزعزعا دعائم الاستعمار والجهل في أرض الجزائر.

الطيب العقبي:

هو الطيب بن محمد بن إبراهيم بن الحاج صالح بن إبراهيم، لقبه ولقب أسرته إبراهيمي من قبيلة أولاد عبد الرحمن، التي تسكن منذ القديم جنوب جبال الأوراس، ولد الشيخ الطيب العقبي في بلدة سيدي عقبة ليلة النصف من شوال سنة 1307هـ (1890م)، وفي عام 1313هـ (1895م) هاجر مع والده إلى المدينة المنورة وعمره لم يتجاوز السادسة، وهناك بدأ حياته العلمية والثقافية، فبعد أن توفى والده وعمره لا يتجاوز ثلاثة عشر عاماً، اهتمت به والدته واستمرت في تربيته تربية إسلامية ([28])، ومن أساتذته في العلم الشيخ محمد عبد الله زيدان الشنقيطي، والشيخ الحبيب التونسي، والشيخ حمدان الونيسي، الذي انتقل إلى المدينة في الجزائر.

واستطاع بذكائه وبجده وإعطاء نفسه للعلم أن ينبغ سريعاً، فسطع نجمه في المدينة، فجلس للتدريس في الحرم النبوي، فعلّم العلوم الشرعية واللغوية، ومن خلالها تعرف على شكيب أرسلان ومحب الدين الخطيب، وكون علاقة قوية بقادة النهضة العربية، وأثناء الحرب العالمية الأولى نفي إلى الأناضول، ثم عاد عام 1919م إلى الحجاز، وأسند له الشريف حسين بن علي الإشراف على تحرير جريدة القبلة خلفاً لشيخ محب الدين الخطيب وإدارة المطبعة الأبدية، وفي عام 1920م عاد إلى الجزائر واستقر في مدينة بسكره فتخوف منه الفرنسيون فاعتقلوه لمدة شهرين ثم أفرج عنه، وبدأ ينشر فكرته الإصلاحية ويدعو إلى العقيدة السلفية الصحيحة في الدين، وينهي عن الخرافات والأباطيل، ويهاجم الملحدين([29])، وأنشأ جريدة صدى الصحراء، وبعدها الإصلاح، ومن خلالها تعرف على الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، فقد كان بالإضافة إلى دروسه وقلمه السيال، كان خطيباً مصقعاً يأخذ بألباب مستمعيه بألفاظه القوية ولغته الفصيحة، وبعد إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقع عليه الاختيار ليمثل الجمعية في العاصمة الجزائر، فكان لوجوده أثر كبير في تكوين قاعدة الجمعية في العاصمة، فكان بلا منازع خطيب العاصمة، ومنذ سياسة الجمعية في مواجهة الفساد الأخلاقي والسياسي، فأعلن الحرب على الفساد بجميع أشكاله السلوكية والأخلاقية والعقائدية والسياسية، مما أزعج الإدارة الاستعمارية، فكان من الذين استهدفهم قرار ميشال المعروف، ولكنه لم يثني الشيخ عن جهاده ودوره البارز،فكان قد أحبكت له مكيدة معروفة بقضية مقتل المفتي كحول، والتي كان لها تأثير كبير في حياة الشيخ، فبعد سجنه واتهامه في هذه القضية ولو أنه خرج بريئاً منها إلا أنها تركت أثراً في مواقف الشيخ بعد ذلك، فانسحب من الجمعية في عام 1938م، وأثر العمل بعيداً عن السياسة والمواجهة مع الإدارة الاستعمارية حتى وفاته عام 1960م.

الشيخ العربي التبسي:

العربي بن بلقاسم بن مبارك بن فرحات، من بلدة ايسطح النموشية التي تقع في عمالة قسنطينة قرب مدينة تبسه، ولد عام 1895م من عائلة فلاحية  فقيرة، علمه أبوه القرآن مع أولاد القرية ثم بعثه إلى زاوية (خنقة) الرحمانية، وبعد حفظه للقرآن انتقل إلى جامع الزيتونة في تونس عام 1913م، وبعد حصوله على الشهادة الأهلية عام 1920م، انتقل إلى مصر، وفي الأزهر واصل تحصيله العلمي لنيل الدرجة العالمية([30])، وفي مصر تأثر بالجو السياسي والفكري الذي كان منتشراً في تلك الفترة، وكان على إطلاع بأحوال الجزائر ويتابع نشاط الحركة الإصلاحية بها، وفي عام 1927 م عاد إلى الجزائر واستقر في مدينة تبسه وشارك إخوانه في الحركة الإصلاحية من خلال الخطب والدروس العلمية، وعندما أسست جمعية العلماء كان أحد أعضائها، وبعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس أصبح نائباً للشيخ البشير الإبراهيمي الذي تولى الرئاسة، وتم سجنه أثناء الحرب العالمية الثانية لمدة ستة شهور ثم أفرج عنه، وفي أحداث 8مايو 1945م سجن مع رجال الحركة الوطنية وأفرج عنه في ربيع 1946م، وبعد استقرار الشيخ البشير الإبراهيمي في الشرق كانت له القيادة الفعلية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان شديداً على الاستعمار ومواجهته، ومما ينقل عنه أنه قال: "من عاش فليعيش بعداوته لفرنسا، ومن مات فليحمل معه هذه العداوة إلى القبر"، ومما ينسب إليه: من تزوج فرنسية يدخل الاستعمار إلى بيته"، عندما قامت الثورة التحريرية عام 1954م اختار الشيخ العربي التبسي التضحية عندما اختار البقاء إلى جانب الشعب محاضراً وخطيباً، حاضاً على الجهاد، وعندما ضاقت به الإدارة الاستعمارية ولم تستطع التأثير عليه بشئ وقد تم اختطافه من قبل المظليين الفرنسيين، ولم يعرف له مكان حتى هذا اليوم.

فكر ابن باديس الإصلاحي:

تحمل الشعب الجزائري ممثلاً في فئات شعبه من عامة وتجار ومدرسين وعلماء كل هذه الأعباء، وقد أتقن العلماء إدارة هذا الصراع مع العدو بحيث يمكن القول أن جمعية العلماء المسلمين قد برزت – في شتى سنى مراحلها الأولى – بين الحركات السياسية الجزائرية كقوة وطنية على جميع المستويات الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية، مما يجعلنا نضعه كإطار للمضمون الذي أفرزه عمل الجمعية في هذه المجالات المختلفة على مدار سنوات كفاحها على النحو التالي:

أولاً: في المجال الديني: فقد أسست الجمعية المساجد وكونت الأئمة والمفتين الذين حافظوا على شريعة القرآن وأحكامه، وحاولوا أن يعيدوا الإسلام إلى صفائه الأول، وأن يطبقوا سلوك السلف الصالح من الصحابة والتابعين وإتباع التابعين بين المسلمين الجزائريين.

ثانياً: في الميدان الثقافي: عملت الجمعية على بعث الثقافة العربية وتطويرها وإحياء اللغة العربية وتجديدها، وإبراز المعالم التاريخية للشعب الجزائري والعناية بسير رموزه إحياء للذكرى ودعوة للتأسي، وكان هذا الجهد الحضاري محور اهتمام العلماء في المدرسة والمسجد والصحيفة والنادي والمؤتمرات والندوات بهدف الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية الجزائرية.

ثالثاً: في الميدان الاجتماعي: كان واضحاً بجلاء محاربة العلماء لكل مظاهر الفساد الاجتماعي كالخمر والميسر والبطالة والفجور وكافة الانحرافات الاجتماعية والخلقية، ووضع الحلول البديلة في إطار المحافظة على الموروث الاجتماعي الجزائري، كما عينت الجمعية بشئون المرأة المسلمة بوصفها العنصر الفاعل في تكوين الأسرة، تربية وتأهيلاً وتحريراً من ربقة الظلم الاجتماعي، كما لفتت الجمعية الانتباه إلى ضرورة المحافظة على بعض التقاليد الاجتماعية الجيدة.

رابعاً: في المجال السياسي: كان العلماء يدركون أن المفهوم الصحيح لطبيعة تنظيمهم الذي انطلق منطلقاً دينياً أن الدين الإسلامي بين الدين والسياسة، فالمجتمع والاقتصاد والتربية والتعليم والحكم والسياسة هي من الدين بالضرورة، ويتدرج تحت هذا المفهوم العام مهاجمتهم للإدارة الاستعمارية، وإحباط مخططاتها، ومحاربة أعوانها ولم يجدوا في فرنسا سوى مغتصب كبير لماضي وحاضر الأمة الجزائرية وينبغي أن يكون المستقبل للجزائريين وحسب. 

 

 


مصادر البحث

1)               عبد الرحمن عمير الجبر النعيمي: جمعية العلماء الجزائريين ودورها في تحرير الجزائر 1939-1962م، رسالة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الزقازيق، إشراف أ.د. رأفت غنيمي الشيخ، عام 2002م.

2)               زاهر رياض: شمال أفريقيا في التاريخ الحديث، القاهرة.

3)               صلاح العقاد: المغرب العربي، القاهرة.

4)               صلاح العقاد: تطور السياسية الفرنسية في الجزائر، القاهرة.

5)               صلاح العقاد: الجزائرة المعاصرة، القاهرة، 1970م.

6)               جون هاتس: تاريخ أفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، القاهرة.

7)               د. جلال يحيى: المغرب الكبير، الفترة المعاصرة، الإسكندرية.

8)               New African Book.

9)               أبو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية (1900-1930م)، جـ القاهرة، 1977م.

10)          الفضيل الورتلاني: الجزائر الثائرة، بيروت، 1963م.

11)          أحمد توفيق المدني: حياة كفاح، مع ركب الثورة التحريرية، 3جزء الجزائر، 1982.

12)          فتحي الديب: عبد الناصر وثورة الجزائر، القاهرة.

13)          محمد البجاوي: حقائق عن الثورة الجزائرية، القاهرة، 1983م.

14)          مازن مطبقاني: عبد الحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي، دار عكاظ.

15)          عمار الطالبي: الآثار (ابن باديس حياته وآثاره).

16)          أحمد شرف الرفاعي: مقالات في الدعوة إلى النهضة الإسلامية في الجزائر، قسنطينة، 1981م.

17)          مالك بن نبي: شروط النهضة، بيروت، 1969م.

18)          ابن باديس: حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا، 1935م>

19)          البشير الإبراهيمي: مقال بعنوان (أنا) مجلة الثقافة مايو 1985م.

20)          عبد الحميد بن باديس: مقال الافتتاحية، صحيفة المنتقد، العدد الأول، 1925.

21)          محمد الطاهر فضلاء: التحريف والتزييف في كتاب حياة كفاح، قسنطينة، 1982.

22)          يحيى بو عزيز: الأيديولوجيات السياسية للحركة الوطنية الجزائرية.

23)          محمد قنلش: المواقف السياسية بين الوطنية والإصلاح في فجر النهضة الحديثة، الجزائر.

24)          عبد الكريم بو الصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى 1931-1945، دراسة تاريخية وأيديولوجية مقارنة، الجزائر، 1996م.

25)          محمد مهداوي: البشير الإبراهيمي نضاله وأدبه، دمشق، 1988.

26)          محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، الجزائر، 1971م.




[1] - د. زاهر رياض : شمال أفريقيا في العصر الحديث صـ 169.

[2] - تذكر المصادر أن الداي سأل القنصل الفرنسي عن سبب عدم الرد على رسالته الموجهة لوزير الخارجية الفرنسية فلما رد عليه القنصل بجفاء أشاح بمنشة كانت في يده في وجه القنصل الذي بالغ وصور لحكومته أنه ضرب أو صفع على وجهه، رغم أن الداي أكد أن ذلك لم يحدث.

[3] - د. صلاح العقاد : تطور السياسية الفرنسية في الجزائر صـ4-5.

[4] - زاهر رياض: المرجع السابق صـ186.

[5] -ينتسب إلى قبيلة هاشم العربية النازلة في إقليم وهران، وكان لها استقلالها الداخلي أثناء الحكم العثماني، وكان عبد القادر ينتمي إلى الطريقة القادرية في التصوف ذات النفوذ في شمال أفريقيا.

وقد حج إلى مكة قبل الغزو الفرنسي للجزائر وزار بغداد فمصر حيث تركت اصلاحات محمد على تأثيرا كبير لديه، كل هذا إلى جانب ثقافته الدينية والعربية ، مما جعله يتزعم القبائل ويسعى لبناء دولة في الجزائر على نفس أسس الدولة المصرية باستخدام خبراء فرنسيين أيضاً.

[6] - زاهر رياض: المرجع السابق صـ186.

[7] -ينتسب إلى قبيلة هاشم العربية النازلة في إقليم وهران، وكان لها استقلالها الداخلي أثناء الحكم العثماني، وكان عبد القادر ينتمي إلى الطريقة القادرية في التصوف ذات النفوذ في شمال أفريقيا.

وقد حج إلى مكة قبل الغزو الفرنسي للجزائر وزار بغداد فمصر حيث تركت اصلاحات محمد على تأثيرا كبير لديه، كل هذا إلى جانب ثقافته الدينية والعربية ، مما جعله يتزعم القبائل ويسعى لبناء دولة في الجزائر على نفس أسس الدولة المصرية باستخدام خبراء فرنسيين أيضاً.

[8] - د. صلاح العقاد : تطور السياسية الفرنسية في الجزائر صـ10-11.

[9] - د. زاهر رياض : المرجع السابق صـ182.

[10] - د. صلاح العقاد : المرجع السابق صـ28.

[11] -د. صلاح العقاد : الجزائر المعاصرة، القاهرة 1970صـ7.

[12] - جون هاتش: تاريخ أفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية صـ427.

[13] -  Ibid, p. 86.

([14]) عمار الطالبي، الآثار، حـ1، ص72.

([15]) مازن مطبقاتي، عبد الحميد بن باديس العالم الرباني والزعيم السياسي، ط2، 1990، دار عكار.

([16]) ابن باديس: حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا، الشهاب، جـ9، م11، رمضان 1354هـ، ديسمبر 1935م، صـ 510، الشيخ البشير الإبراهيمي: مقال بعنوان (أنا) مجلة الثقافة، السنة الخامسة عشرة، العدد 87، رمضان 1405هـ، مايو 1985م، ص 19.

([17]) مالك بني نبي: شروط النهضة، الطبعة الثالثة، بيروت، دار الفكر، 1969م، ص 30، مازن مطبقاتي: المرجع السابق، ص 59، د.عمار الطالبي: ابن باديس حياته وآثاره، مرجع سابق، جـ4، ص37، أحمد شرف الرفاعي: مقالات في الدعوة إلي النهضة الإسلامية في الجزائر، جمع وتعليق، الطبعة الأولي، قسنطينة، دار البعث، 1402هـ-1981م، ص 2-25.

([18]) عبد الحميد بن باديس: مقال الافتتاحية، صحيفة المنتقد، العدد الأولى في 11 ذي الحجة 1343هـ الموافق 2 يوليه 1925م.

([19]) محمد الطاهر فضلاء: التحريف والتزييف في كتاب حياة كفاح، الطبعة الأولى، قسنطينة، دار البعث، 142هـ-198م، ص 29.

([20]) Charles Robert Ageron: Hitorie de l’ Algerie contemporaine, 1830-1973, (Que sais je?) 7 edition (Paris, press universitaries de France, 1980) page: 85-87.

([21]) للمزيد من التفاصيل عن طبيعة السياسات الوطنية في الجزائر إبان هذه المرحلة يمكن مراجعة: محمد قنلش، المواقف السياسية بين الوطنية والإصلاح في فجر النهضة الحديثة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، د.ت، ص 95-125، وكذلك د. يحيي بوعزيز، الأيديولوجيات السياسية للحركة الوطنية الجزائرية، مرجع سابق ذكره، راجع من ص 3-20.

([22]) عبد الكريم بو الصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى، 1931-1945م، دراسة تاريخية وأيديولوجية مقارنة، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، الجزائر 1996، ص 100.

)[23]) Notes au sujet ade la situation politique indigenes dans le department de constantaine a’ la date 15 juin 1939, constantaine le 1 juillet 1939. Le captain Maquart chef du centre d’ information et d’ etudes de la prefecture de constantaine AGG 1 oh 815.

([24]) البشير الإبراهيمي: (أنا) مجلة بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، مرجع سابق، ص 143، ويذكر الشيخ: أن الاجتماع التأسيسي الأول قد شهد تعيين أبو بعلي الزواوي للرئاسة المؤقتة، ومحمد الأمين العمودي للكتابة، كما تم إقرار القانون الأساسي بهذه الجلسة.

([25]) مازن صلاح مطباقني: المرجع السابق، ص 79-80.

([26]) د. صلاح العقاد: الجزائر المعاصرة، معهد الدراسات العربية، القاهرة 1964م، ص28، عبد الكريم بو الصفصاف:جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ص 106، القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومبادئها الإصلاحية، المطبعة الجزائرية الإسلامية، ص 11-14، وكذلك علي مراد.

[27])) محمد مهداوي، بشير الإبراهيمي نضاله وأدبه، دار الفكر، دمشق، ط1، 1988م، صـ33.

([28]) محمد علي ديوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، المطبعة العربية، الجزائر جـ3، ط1، 1971م.

(([29]محمد على ديوز، المرجع السابق، صـ108.

[30]) ) أحمد الخطيب، الجمعية، مرجع سابق ديسمبر 168.

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft