بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





التعريف بالقــانون الدولي الإنساني في الإسلام للأستاذ الدكتور جعفر عبد السلام



   عدد الزيارات

 

 

 

 

التعريف بالقــانون الدولي الإنساني

 في الإســــــلام

 

 

 

 

 

 

 

أ.د جعفر عبد السلام

أستاذ القانون الدولي والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية

نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق
بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بالقــانون الدولي الإنساني في الإســــــلام

نتناول في هذه الدراسة ما يلي:

أولاً - مصطلح القانون الدولي الإنساني :

          يعتبر مصطلح القانون الدولي الإنساني من أحدث المصطلحات التي استخدمت في فقه القانون الدولي، فهو مصطلح عمره بضع سنوات فحسب، وربما تم استخدامه لأول مرة من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الوثائق التي قدمتها إلى مؤتمر الخبراء الحكوميين الذي عقد دورته الأولى بجنيف عام 1971م.

ويقصد بهذا المصطلح، مجموعة القواعد والمبادئ التي تضع قيودًا على استخدام القوة فى وقت النزاع المسلح وذلك من أجل:

1 - الحد من الآثار التي يحدثها العنف على المحاربين بما يتجاوز القدر اللازم الذي تقتضيه الضرورات الحربية.

2 - تجنيب الأشخاص الذين لا يشتركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية.

والسبب في استخدام هذا المصطلح الجديد من جانب لجنة الصليب الأحمر إنما هو الرغبة في إبراز الطابع الإنساني الخالص لقانون النزاعات المسلحة، ذلك القانون الذي يهدف إلى حماية الكائن البشرى والأموال اللازمة له بالضرورة، ومن ثم فهو لا يقتصر على اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية ضحايا الحرب فحسب، وإنما يتجاوزها ليشمل تلك القواعد العرفية أو الاتفاقيات التي تضع القيود على تسيير العمليات الحربية أو استخدام الأسلحة، وغيرها من القواعد التي تنطوي على قيود وتقرر ضوابط نزولا على اعتبارات مبدأ الإنسانية.

وقد تناول الفقه هذا المصطلح بما لا يخرج كثيرًا عن هذا المعني، ومن ثم يمكن القول بأن هذا المصطلح من المصطلحات المتفق عليها الآن، ودون خلاف ([1]).

ولم يستخدم فقهاء الشريعة الإسلامية هذا المصطلح، كما أنهم لم يستخدموا مصطلح القانون الدولي العام نفسه، وإن عالجوا معظم المسائل المتعلقة به وتتم هذه المعالجة فى

أمهات كتب الفقه والتراث الإسلامي، تحت مصطلحات "الجهاد"، أو "السير" (2).

          ونحن لا نرى مانعًا من استخدام هذا المصطلح لتناول الأحكام التي يتناولها فقهاء القانون الدولي المحدثون، ذلك أن أبواب الجهاد والسير في الفقه الإسلامي تنظم العمليات القتالية بين المسلمين وغيرهم، ولا يجوز الخروج عليها بحال من الأحوال، وإن كان هذا لا يمنع القول بعدم التطابق بين المفهوم الإسلامي للجهاد والسير والمفهوم التقليدي أو حتى الحديث لقانون الحرب، وللقواعد التي تبرر مشروعيته، ففي حدود الأساليب والوسائل لا مانع من استخدام المصطلح، ولكن في الدلالة على بواعث الحرب وأهدافها يختلف الجهاد عن قانون الحرب.

ثانيًا - أهمية بحث الموضوع في الشريعة الإسلامية :

          هل نحن بصدد دراسة تاريخية لإلقاء الضوء على المعارك التي خاضها المسلمون، والأساليب والوسائل التي اتبعوها في هذه المعارك؟ أم إننا ندرس قواعد قانونية وضعية تطبقها الدول أو مجموعة منها في علاقاتها الدولية في زمن الحرب؟

لا شك أن الإجابة عن كل من السؤالين هى النفي.

فنحن لسنا بصدد دراسة تاريخية فحسب، إذ إن هذه الدراسات قد لا تكون لها أهمية كبيرة هنا، كما أن الشريعة بأحكامها ومبادئها ليست ماضيًا طبق وانتهى، ولكنها شريعة وعقيدة لازالت لها دورها في العلاقات بين الشعوب، وفى داخل الدول الإسلامية نفسها.

كذلك لا يمكن أن ندعى أن الشريعة الإسلامية هى قانون دولي وضعي يحكم العلاقات الدولية، ذلك أن المجتمع الدولي اليوم، ليس مجتمع دول إسلامية فحسب، بل هو مجتمع يمثل كافة الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية والبوذية، كذلك هو مجتمع كافة القوميات والشعوب على اختلاف أكوانها وأجناسها، بل لعلنا نغالى إذا قلنا إن دور الإسلام في الدائرة الدولية -وبعد أن زالت دولة الخلافة العثمانية كآخر معقل يعلن الدولة الإسلامية بصفة رسمية- قد قل عن الدور الذي كان يؤديه في حكم العلاقات والشعوب في الماضي.

          السؤال الذي يلح علىّ منذ أن بدأت الكتابة عن القانون الدولي الإسلامي هو بيان أهمية تناول هذا الموضوع الآن والقيمة العملية له. وهذه الأهمية من وجهة نظري متعددة الجوانب:

أ - فالشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع لدى كتلة كبيرة من الدول، يتجاوز عددها الآن الخمسين دولة ([2])، وقد ظلت تحكم كقانون وضعي هذه الدول إلى وقت قريب، كما أن الكثير من القواعد والأحكام التي تتبعها هذه الدول بعد أن اعتمدت التشريع الإسلامي بصورة سلطة الدولة كوسيلة لسن القواعد الملزمة لمجتمعاتنا، تتخذ من الشريعة الإسلامية؛ لذا تعد هذه الشريعة المصدر الرئيس الموضوعي والتاريخي كذلك لتشريعات هذه الدول.

          لذا يقبل المجتمع الدولي الشريعة الإسلامية باعتبارها واحدة من الأنظمة القانونية الرئيسية في العالم، وتبدو أهمية هذا القول في وجوب أن تمثل في تشكيل محكمة العدل الدولية وفقا لنص المادة 91 من النظام الأساسي لهذه المحكمة، إذ تنص هذه المادة على أنه ينبغي أن يكون تأليف المحكمة في جملتها كفيلا بتمثيل المدنيات الكبرى والنظم القانونية الرئيسة في العالم.

          هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون الشريعة الإسلامية بهذا المفهوم هي المصدر الثالث من مصادر القانون الدولي بالاشتراك مع غيرها من الأنظمة القانونية الرئيسة وفقًا للمادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، حيث تجعل هذه المادة "وظيفة المحكمة الفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقا لأحكام القانون الدولي وهى تطبق فى هذا الشأن".

ب - مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحدة.

          وهكذا كان للشريعة الإسلامية من يمثلها دائمًا في هيئة قضاة محكمة العدل الدولية.

هذه اعتبارات تنتمي للماضي وتتصل بالحاضر.

          ولكننا للمستقبل نتكلم، لقد جاء في دراسة أعدها فردريك دى موليتان عن قانون الحرب والقوات المسلحة ([3]) الرجال الذين تدربوا على القتال وأصبحوا مستعدين للتضـحـية عـند الضرورة بحياتهم من أجــل أداء واجباتهم القــتالية قــد لا يكونون على استعداد للاهتمام بقواعد لا يرون فيها سوى نظريات جميلة من صنع قانونيين يجهلون حقائق الحرب الواقعية.

          وفى أفضل الحالات فإن هؤلاء الجنود، وإن توافرت لديهم النية للالتزام ببعض المبادئ الإنسانية الأولية يعتريهم الشك في أن عدوهم سيفعل المثل، وبالتالي فهم يعتبرون أنفسهم في حل من مثل هذا الالتزام، وهكذا فأي نوع من التعليم السليم لقانون المنازعات المسلحة لا بد وأن يأخذ في الاعتبار هذا النوع من الخلفية غير المواتية؛ ولذلك يجب أن يكون الهدف هو خلق المناخ المناسب لجعل التعليم فعلا يتسم بالوضوح، نعم إن القانون الدولي الإنساني يواجه أكثر من غيره مشكلة الفاعلية، ومهما قيل عن لجان البحث والتقصي، والمراقبة من جانب مؤسسات أو أجهزة دولية، فكلنا يعلم أن هذه الأمور لازالت ذات قيمة محدودة.

          لابد أن تدخل هذه المبادئ والأحكام أعماق الرجال المحاربين، وأن تصبح عقائد يؤمنون بها أولا وقبل كل شيء. وأهمية التعليم والتدريب المرتبط بالعقيدة أنه يتغلغل فى كيان الإنسان ووجدانه، ومن ثم يشكل سلوكه وعمله؛ لذا عجبت من وصف للجيش الإسلامى يقول: إن الجندى المسلم كان يحمل قبل سلاحه مصحفه وعقيدته وإيمانه، ومن ثم يكون هذا السلاح نفسه ذا أخلاق، إذا سن بقانون، وإذا وجه إلى العدو وجه إليه بقانون، وإذا أغمد أغمد بقانون، هكذا كان الإسلام، تربية وسلوكًا يجعل المسلم ينصاع لإرادة خالقه، ويتبع أوامره ونواهيه، فهل نطمع أن يكون من بين توصيات المؤتمر، توصية تشير إلى أهمية ربط القانون الدولي الإنساني بالتعاليم الدينية حتى يمكن أن نحقق الفاعلية له؟

          إن الحروب في الإسلام تسن فى سبيل الله، والغرض الذي يحارب المسلم من أجله هو غرض عادل ونبيل، والنصر في الإسلام هو انتصار قضية الإسلام، ومثل هذه القضية النبيلة لاينبغي أن يسمح بتحقيقها بأساليب تفتقر إلى الإنسانية، والكرامة، فالإنسانية هى القلب واللب في أي حرب يقدم عليها المسلمون.

          لقد قيل بأن حرارة نار الحرب تثير نفوس المحاربين، وتعطل تفكيرهم، وتوهن فاعلية معظم الشرائع، وهناك مثل لاتينى يقول: Inter arma Lega (silent) إن الشرائع تصمت بين الأسلحة؛ لأن دوى الأسلحة والمدافع يصم الآذان عن سماع صوت الشرائع، بل إن تسلط المصالح والمطامع يطغى دائمًا على عدل الشرائع.

          ومن ثم تعد العقيدة الدينية وارتباط المقاتلين بها، أساسًا هامًا من أسس تحقيق فاعلية القانون الدولي الإنساني.

          وأخيرًا فإننى أتفق مع العديد من الفقهاء الدوليين الذين يرون أنه لا زال بالإمكان الاستفادة من الشريعة الإسلامية فى مجالين رئيسين لم يصل القانون الدولي حتى الآن إلى المستوى المأمول فيهما فى حين سبقت فيهما الشريعة الإسلامية.

المجال الأول : هو اعتبار الفرد شخصًا قانونيّا دوليّا.

والمجال الثاني : هو تلقيح المبادئ الأخلاقية والمثالية لشريعة القانون الدولي.

ففي كل من المجالين نجد أحكاما متقدمة نحتاج دائما إلى الاستعانة بها كلما أردنا أن نعيد النظر في قوانيننا وأن نطور أحكامها لتكون أكثر عدالة وأكثر مثالية ([4]).

جـ - كذلك فلا شك أن العديد من المبادئ والقواعد القانونية الإسلامية قد ساهمت في تكوين القانون الدولي الوضعي، فهذا القانون قد تشكل عبر القرون نتيجة إسهامات مختلفة من العقائد والفلسفات وضرورات العيش المشترك فى الجماعة الدولية، وهو يبدو في كثير من الأحيان وفى نظر جانب هام من الفقه الدولي فى شكل مبادئ عامة سرمدية خالدة أوجدتها الطبيعة لتحكم بها العلاقات الدولية (مدرسة القانون الطبيعي).

          ولا شك أن الشريعة الإسلامية من المصادر الخلاقة لهذه المبادئ العامة ذات الطابع المثالي وإن كانت الشريعة تجعلها ذات مصدر إلهي، وإن جعلت الإدراك السليم والكامل لها متروكًا إلى المنطق والعقل السليم.

          الشريعة الإسلامية بهذا الوصف لها دورها فى إنشاء وتكوين  القانون الدولي الحالي، لقد مضى حين من الدهر شاركت فيه الدولة الإسلامية غيرها من الدول في صناعة القواعد القانونية الدولية، عندما دخلت فى علاقات معها، بعضها سلمى وبعضها حربي، ولا شك أن العديد من القواعد التي تحكم العلاقات الدولية فى الوقت الحاضر، إنما ترجع إلى هذه الفترة.

          ويتعين علينا أن نلقى الضوء على هذه القواعد لنعرف المصدر الدقيق لها من أحكام الشريعة.

د - وقبل أن نمضى في دراستنا نود أن نتعرض لنقطة نظام ندفع بها اعتراضا هاما فالواقع أن أساليب القتال الآن قد تطورت تطورًا بالغًا، إلى الحد الذي لم يعد للأسلحة التي كان يعرفها المسلمون من قبل أي وجود، ولا شك أن طريقة إدارة المعارك وفنون الحرب وأسلحتها قد تغيرت تغيرا أساسيا، ولكن هذا لا يؤثر - مع ذلك - في الأحكام التي قررتها الشريعة لجعل الحرب إنسانية، إن هذه التغيرات تفرض على الذي يتعرض للأحكام الشرعية أن يبحث أثر هذه المتغيرات على كثير من الأحكام التي وردت لتنظيم الحرب وفرض القيود الإنسانية على ممارستها، ولكن القواعد الكلية باقية، والعلل الرئيسة التي انبتت عليها الأحكام الشرعية لم تتغير، لقد خاض المسلمون حروبًا هامة طوال تاريخهم الطويل، واستخدموا أسلحة مختلفة، واتبعوا فنونًا مختلفة، ولكن القواعد الكلية التي وردت في القرآن الكريم وفى السنّـة لازالت تنطبق على كل هذه الحروب، وعلى المجتهدين دائمًا أن يستخدموا القواعد الأصولية في استنباط أية حلول جديدة تنبني على هذه القواعد الكلية وسوف نقسم دراستنا لهذا الموضوع إلى قسمين رئيسين، نتناول في القسم الأول أهداف الحرب في الشريعة الإسلامية، ثم نتناول في القسم الثاني الوسائل التي تتحقق بها هذه الأهداف.

ثالثا - مركز الفرد في الإسلام :

          عندما يأتي الحديث عن موقف الشريعة الإسلامية بالنسبة للقانون الدولي الإنساني، فإن الباحث يقف مشروحًا أمام ما قررته الشريعة الغراء من أحكام فى هذا الخصوص، بل إن الأمر لا يقف هنا عند حد ورود أحكام ناصعة ومحكمة فى مصدري الشريعة الأول والثاني- القرآن والسنّـة-  بل إن أحكامًا فقهية واجتهادية عديدة تعطينا زادا فكريّا فى هذا الخصوص، يمكن أن نرتب عليه العديد من القواعد فى مجال احترام الإنسان فى الحرب.

          والواقع أننا لا نبالغ إذا قلنا إن الإنسان قد لقى أفضل تكريم وأرحبه فى مجال الشريعة الغراء، بل إن نقطة البدء فى خلق الإنسان هنا، وكيف أوضحها القرآن الكريم تستحق وقفة أولى، فالبداية هى أن الله - سبحانه وتعالى - تحدى مخلوقاته المطيعة له والقريبة منه بخلق الإنسان وتفضيله عليها جميعا، يقول تبارك وتعالى في سورة البقرة : [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{30} وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ] [البقرة : 30-33].

          وتستطرد الآيات الكريمة مفضلة آدم على مخلوقات الله كلها إذ يقول - جل شأنه -:{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ...} فهذا السجود يفسره العلماء بأنه سجود تحية وتعظيم.

          هذا هو الإنسان الذي كرمه ربه منذ لحظة الخلق الأولى، كرمه بالعلم، وكرمه بتعظيم خلق الله المقربين وهم الملائكة، إلى أفضل حدود التعظيم والتكريم.

ويستمر القرآن الكريم في تبجيل الإنسان وإظهار تكريم الله له، فيقول -سبحانه وتعالى - في سورة التين :

{لّقّدً خّلّقًنّا الإنسّانّ فٌي أّحًسّنٌ تّقًوٌيمُ } ويقول في سورة الإسراء : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء : 70].

          ففي هذه الآيات وغيرها نجد القرآن الكريم يضع الإنسان في أعلى المراتب بين خلق الله، وهنا أيضا لانجد القرآن الكريم قد ربط هذا التفضيل بالمؤمنين بدينه أو بشريعة من شرائعه، بل قرره لآدم وبنيه.

          إن هذه الآيات الكريمة هى بمثابة دستور عام تتفرع عنه العديد من الأحكام التفصيلية التي تتصل بوجوب معاملة الإنسان لأخيه الإنسان بطريقة تتفق مع هذا المبدأ الدستوري العام.

رابعا - حق الفرد في الحياة في الإسلام :

          مما يحمد للشريعة الإسلامية أنها لا تعرف التمييز بين قواعد دولية وقواعد داخلية؛ لذلك فإن ما يتقرر للأفراد من حقوق في المجتمع الإسلامي الداخلي، تعد سارية فى علاقة الدول الإسلامية بالدول الأخرى، وما تقرره الشريعة من حماية للفرد في السلم، تسرى فى الحرب ([5]).

          وما دمنا بصدد دراسة القانون الذي يحمى الإنسان فى النزاعات المسلحة، فإن نظرة متأنية إلى موقف الإنسان من حق الحياة تكون مسألة ضرورية، بعد أن نسبقها بفكرة عامة عن حقوق الإنسان في الإسلام.

          يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : "إنما أنا رحمة مهداة" والله نفسه يضفى عليه هذه الصفة فى قوله - تعالى - : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.

          ومن هنا احترم الإنسان وكرمه، بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه ولغته ووطنه وقوميته، ومركزه الاجتماعي، ومن مظاهر التكريم أن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السماوات وما فى الأرض جميعا منه. وجعله سيدا على هذا الكوكب الأرضي، واستخلفه فيه ليقوم بعمارته وإصلاحه، ولكى يكون هذا التكريم حقيقة واقعة ملموسة وأسلوبا فى الحياة كفل الإسلام للإنسان العديد من الحقوق والحريات العامة، والتي لا تقل على الإطلاق، عن تلك الحقوق التي قررتها المواثيق الدولية الحديثة.

          الواقع أنه قبل الإسلام، لم تكن للنفس البشرية سوى قيمة تافهة، ففي الجزيرة العربية، وفى روما، وفى فارس، وفى غيرها من جهات العالم، كان الناس يقتلون أو يحرقون أو يدفنون أحياء، ويذبحون كالحيوان أو يعذبون حتى الموت طلبا للتسلية واللهو، أو للرياضة والمتعة وكانت أعمال القتل الوحشية تتم دون خوف من مسئولية.

وعندما جاء الإسلام أرسى حرمة الحياة، وحرم سلبها إلا لأسباب عادلة، حددها بوضوح كامل، يقول - سبحانه وتعالى - :

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}.

          هذا هو الأمن الجماعي الداخلي والدولي، والذى يقوم على أساس أن الكل فى سبيل الفرد، والفرد فى سبيل الكل، القتل جريمة خطيرة، لا ينبغي أن يقف أثرها عند القاتل أو المقتول أو أسرتيهما، وإنما تعد ارتكبت ضد المجتمع بأسره، هى جريمة على الناس كافة، من مفهوم الإسلام، هذا هو حكم الخالق منذ أن قتل ابن آدم قابيل أخاه هابيل، فهذه الآيات تأتى بعد قصة ابنى آدم التي أوردها القرآن الكريم فى سورة المائدة.

ويستمر الهدى القرآني مشعا فى هذا الخصوص فتأتى الآيات تؤكد، حرمة الحياة وتحرم من يعتدى عليها بشدة وتعده بأشد ألوان العذاب فى الدنيا والآخرة.

{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام : 151].

          {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً{68} يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} [الفرقان : 68-69].

          {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة : 45].

          وهكذا فتح الإسلام نافذة الخير أمام الإنسان بحفاظه على صيانة النفس، وحماية الذات البشرية؛ لأنه يحب السلام ويقدسه، ويحبب الناس فيه، وهو بذلك يرسم الطريقة المثلى لتعايش الإنسانية متجهة إلى غايتها من الرقى، والأمن، فمن أحيا نفسا، بعفو، أو حيلولة دون قتل، أو إنقاذ من مهلكة فقد سن سنة حسنة، له ثوابها وثواب من عمل بها إلى يوم الدين.

          ومن هنا نرى أن الإسلام لم يجز قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. والحرب قتال، وبطبيعة الحال ليس هناك من مفر إذا ما دارت رحاها من أن تذهب فيها أرواح وأرواح، وليس من المعقول أن يخوض المسلمون غمار الحرب وهم يلبسون قفازات تقيهم الاتساخ والقتل؛ لذا لا بد لكي يمكن للمسلمين أن يشتركوا فى الحرب، فلا بد أن يتوافر الحق الذى تكلمت عنه الآية، أي أن يتوافر سبب شرعي أو قانونى يسمح بسفك الدماء فى الحرب.

          والسبب الرئيس الذي يبرر القتل فى الإسلام هو أن تكون الحرب فى سبيل الله ولكى تكون الحرب فى سبيل الله فإنها لا ينبغى أن تخرج عن الحدود التى أجاز الله الحرب بسببها، وبالوسائل والطرق التى تؤدى إليها.

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft