بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





فلسفة الإصلاح التربوي عند الإمام النورسي للباحث أحمد علي سليمان



   عدد الزيارات

 

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

              وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة

                                                                                             

 

الملتقى الدولي حول :

"الفكر الإصلاحي عند الإمامين عبد الحميد بن باديس وبديع الزمان سعيد النورسي"

يومي 6-7 جمادى الثاني 1435هجرية الموافق 16-17 أبريل 2013م

 

فلسفة الإصلاح التربوي عند الإمام النورسي

 

 

 

 

 

 

 

إعداد

أحمـد علي سليمـان

المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

عندما قام الاتحاد السوفيتي (السابق) بإطلاق القمر الصناعي سبوتنيك Sputnik في الفضاء عام 1957م، حدثت انتفاضة في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إصلاح منظومة التربية والتعليم؛ للحفاظ على هيبة الأمريكان ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية، حتى ظهر تقرير "أمة في خطر": nation at risk a عام 1983م الذي أعدته لجنة مكونة من ثمانية عشر عضوا يمثلون: الحكومة، والقطاع الخاص، والتربويين في أمريكا. ويعد هذا التقرير أهم وثيقة عن إصلاح التعليم في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. ويؤكد أن مشكلات الأمة الأمريكية في التربية والتعليم ترجع بالدرجة الأولى إلى: انخفاض المستويات الأكاديمية للطلاب، وإلى تدني نوعية التعليم، وأشار أيضا بأصابع الاتهام للمعلم نفسه.. كما اعتبر أن قضية تطوير التعليم والنهوض به تقع في صلب الأمن الوطني الأمريكي([1]).

وإنطلاقا مما سبق ومن أهمية التربية والتعليم في نهضة الأمة الإسلامية وازدهارها، ووضعها في المكان والمكانة اللائقة بها بين دول العالم، وذلك بتأمين التربية المتميزة والتعليم الجيد الذي يحمي هويتنا ويؤكد قيمنا وذاتيتنا وفي نفس الوقت يجعلنا نصنع التكنولوجيا والأقمار الصناعية ونُصدرها ونحافظ عليها إذا أطلقناها في الفضاء..

إن أمتنا الإسلامية صاحبة الرصيد الحضاري العريق، وهي في سعيها الحثيث للإقلاع الحضاري، في أمس الحاجة للإنطلاق إلى آفاق النهضة والتقدم والريادة من خلال تراثها العريق، ومن خلال فكر مجدديها ومصلحيها من أصحاب الرؤى الاستشرافية التي سبقت عصورهم بعقود.. هؤلاء المصلحون الذين زاوجوا بين أصالة المنهج الإسلامي وعالميته وخاتميته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وبين التفاعل والمواءمة بينه وبين متطلبات العصر، ومستجداته الحياتية، ومنجزات الآخرين التي لا تتعارض مع ثوابتنا ومقدساتنا.

 وقد هيأ الله عز وجل لأمتنا الإسلامية عبر تاريخها عددًا من المصلحين المخلصين، نذروا حياتهم لعلاج مشكلات الأمة وأزماتها والقضاء على همومها، وتحقيق الإصلاح (السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي..) للأمة الإسلامية، بما يؤهلها لعمليات النهوض والاقلاع الحضاري..

 وكان من ضمن هؤلاء المصلحين الذين خلَّدهم التاريخ، المجدد المجاهد: بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) الذي وصفه الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ -بعد أن عكف على رسائله ومؤلفاته بضع عقود- بقوله: "إننا بإزاء رجل يفور روحه بأسرار الإيمان، ويتفطر فؤاده بفجر اليقين، وهو قادر على إيقاظ هوامد أفكارنا، وبعث الحياة في موات نفوسنا وشلل أرواحنا، وقد أوتي فضيلة النطق بكل جليل وجميل من الأفكار، وإن شهابا ثاقبا من سماء روحه كفيل بإشعال هشيم نفوسنا، وجعلها تلتهب شوقا إلى الله، وتحترق محبة فيه"([2]).

ولقد تميز هذا الرجل بفكره الإصلاحي الثاقب في شتى المجالات، خصوصًا في المجال التربوي، حيث ركز في منهجه التربوي على تربية النفوس على الإيمان؛ بحيث تجعل الإنسان إيجابيًّا يعيش في حركة فكرية ونفسية وجسدية بناءة، بعيدًا عن السلوك التخريبي.. تربية تؤهل الإنسان للعطاء وتنمي فيه القدرة على الإنتاج والإبداع من خلال الفكير والممارسة.. تربية تُعدّ الإنسان إعدادًا إنسانيًّا ناضجًا لممارسة الحياة بالطريقة التي يرسمها ويخطط أبعادها الإسلام؛ لأن الحياة في نظر الإسلام: عمل، وبناء، وعطاء، وتنافس في الخيرات.. تربية تجعل الشخصية الإسلامية شخصية متزنة لا يطغى على موقفها الانفعال، ولا يسيطر عليها التفكير المادي، ولا الانحراف الفكري المتأتي من سيولة العقل وامتداد اللامعقول.. تربية تبني الإنسان على أساس وحدة فكرية وسلوكية وعاطفية متماسكة على أساس من التوفيق والتوازن بعيدًا عن التناقض والشذوذ.. تربية تجعل الإنسان يشعر أنه دومًا مسئول عن الإصلاح([3]).

كما ارتكز فكره الإصلاحي التربوي على أصالة المنهج الإسلامي المنبثق من القرآن الكريم، مع الأخذ الواعي مما يقذف به العلم الحديث من منجزات حضارية نافعة، والإفادة من منجزات الحضارة الغربية وخبراتها وإفرازاتها ومعطياتها، خصوصًا تلك الخبرات التي تتسق مع المنهج القرآني، وتعتمد على أبعاد إنسانية واضحة، تُعلى قيمة الإنسان، لاسيما وأن ديننا أكد أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

ويركز هذا البحث -الذي يعد سياحة ورحلة تربوية إسلامية- على استقراء فلسفة الفكر الإصلاحي التربوي الذي خلَّفه العلامة بديع الزمان سعيد النورسي، من خلال رسائل النور التي كتبها عبر سنوات طويلة، والتي تعد –وبحق- منجم أفكار إيمانية وإصلاحية، في شتى المجالات.. خصوصًا مجالات التربية والتنشئة والتهذيب والتعليم باعتبارها المحاضن الخصبة لتكوين القيم والأخلاق والسلوك الرشيد، وأيضًا استنبات معالم القدوة من أصحابها؛ من أجل استنهاض عناصر الخير والهمم والمروءة والإبداع في نفوس المتعلمين؛ من خلال التأكيد على عدة مقومات منها: البعد الإيماني والمجال العقلي، والتربية الأخلاقية، والعاطفية، والجمالية، والبدنية، والإرادية، وإصلاح المعلم، والقضاء على الجهل -الذي عدَّه السبب الأصلي لكل أنواع سوء الخلق والتأخر والهزائم أمام الأعداء - والفقر والاختلاف، وإصلاح المدارس الدينية التي يجب تغييرها تغييرًا جذريًّا وإحداث ثورة فيها، فهذه المدارس لم تكن تستطيع تنشئة رجال يستطيعون مجابهة احتياجات العصر؛ لعدم وجود العلوم المدنية فيها، وفي الوقت نفسه اقترح إدخال الدروس الدينية إلى المدارس الاعتيادية. ذلك أن عدم وجود العلوم الوضعية في المدارس الدينية؛ يقود طلاب هذه المدارس إلى التعصب، كما أن عدم وجود الدروس الدينية في المدارس الاعتيادية؛ يقود الطلاب إلى الشك وإلى الاحتيال، مؤكدا على أن اكتساب المدنية يلزمنا الاقتداء باليابان، فمع أنهم أخذوا بمحاسن المدنية من أوروبا، إلا أنهم حافظوا على تقاليدهم الملية، هذه التقاليد التي بها تدوم حياة الأمم..

ويعرض البحث لتلك القضايا بالتفصيل، حيث يتناول المحور الأول نشأة الإمام النورسي وتطوره، ويتضمن المحور الثاني الحديث عن دوره في إحياء حركة التعليم، في حين يعرض المحور الثالث لفلسفة الإصلاح التربوي في فكر الإمام النورسي..  وبالله تعالى التوفيق..

 


المحور الأول

الإمام النورسي.. نشأته وتطوره

إن أعلامًا كبارًا في حياة أمتنا يعيشون حياتهم مليئة بالجهاد والتضحيات، ثمّ يموتون في صمت، وتحاول قوى شريرة أن تُهيل الترابَ على جهادهم وجهدهم، وتنقطع خطوط التواصل بين جيل وجيل؛ كي تعيش أمتُنا مهمّشة لا تعرف كثيرًا عن أمجادها، وكي تبتر الروابط والصلات بين الماضي والحاضر؛ فتعيش الجماهير بلا رأس ولا رمز ولا مرجعية: بلا رأس تفكر، ولا رمز للبطولة تلتف حوله وتلتقي عند أمجاده, ولا مرجعية تلجأ إليها وتلوذ بها عند الاختلاف ونزول النوائب. والنموذج هو هذا الرجل العلامة الذي عاش حرًّا رغم القيود والأغلال، ومتحديًا بكلماته رغم سجون الباطل ومعتقلاته ومواجهًا، رغم خلو يده من أي سلاح إلاّ سلاح الإيمان والفكر والعقل والعزيمة التي لا تلين، والإرادة التي لا تقهر.. وبرغم الحصار الشديد فقد نفذت كلماته إلى قلوب طلابه ومريديه وكأنها الضوء والسنا حين يبدل الليل الطويل المعتكر، بل وتجاوزت كل هؤلاء إلى آخرين لم يكونوا يعرفونه من قبل ولا يعرفون قدره ولا يقدرون خطره وآثاره. وقد شاء الله (عز وجل) له أن يكون علامة بارزة، ومَعْلَمًا من معالم الفكر والجهاد في القرن العشرين([4]).

إنه العلامة المجدد المجاهد بديع الزمان سعيد النورسي، الذي وُلِد (سنة 1293هـ - 1876م)، في قرية "نُورْس" التابعة لناحية "إسباريت" المرتبطة بقضاء "خيزان" من أعمال ولاية "بتليس" شرقي الأناضول. وكان والده رحمه الله ، رجلا صوفيًّا، يُسمى "ميرزا"، يُضرب به المثل في الورع، فلم يذق حرامًا([5]). بل إنه كان إذا عاد بمواشيه من المرعى شدَّ أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين([6]).

أما أمه فكانت تسمى "نورية"، وقد اجتهدت في تربية أبنائها، وعندما سُئلت: ما طريقتك في تربية أولادك حتى حازوا هذا الذكاء النادر؟ أجابت: لم أفارق صلاة التهجد طوال حياتي إلا الأيام المعذورة شرعًا، ولم أُرضع أولادي إلا وأنا على طهر ووضوء([7]).

وكان سعيد النورسي (رحمه الله) طويل القامة، عسلي العينين، حنطي اللون، شافعي المذهب، وكان يتكلم باللغة التركية والكردية، ويقرأ ويكتب باللغة العربية والفارسية.

 وفي بواكير حياته رأى سعيد النورسي فيما يرى النائم أن القيامة قد قامت، وأن الكائنات قد بعثت من جديد. ففكر كيف يتمكن من زيارة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، ثم تذكر أن عليه الانتظار في بداية الصراط الذي سيمر عليه كل فرد يوم القيامة، فأسرع إليه (أي الصراط).. وهكذا مرَّ به جميع الأنبياء والرسل الكرام، فزارهم واحدا واحدا، وقبَّل أيديهم، وعندما حظي بزيارة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) هوى على يديه فقبَّلها، ثم طلب منه العلم، فبشَّره الرسولُ (صلى الله عليه وسلم): (سيوهب لك علم القرآن؛ ما لم تسأل أحدًا) ففجّرت هذه الرؤيا شوقاً عظيماً فيه نحو طلب العلم([8]). ويبدو أن هذه الرؤيا قد تحققت، فقد ظهرت نجابته العلمية مبكرًا، حتى أنّ أحد أساتذته في شرقي الأناضول وهو "الشيخ أمين" حاول أن يُلبس سعيد (لباس العلماء) وهو صبي لم يبلغ بعد، وهذا يدل على أن بديع الزمان كان شخصًا استثنائيًّا استرعى إليه الأنظار في وقت مبكّر([9]).

 تتلمذ سعيد النورسي على أخيه الكبير "الملا عبد الله" حيث تعلم القرآن الكريم، واقتصرت دراسته في هذه الفترة على الصرف والنحو، ثم بدأ يتنقل في القرى والمدن بين الأساتذة والمدارس ويتلقى العلوم الإسلامية من كُتبها المعتبرة بشغف عظيم، واجتمع له مع الذكاء قوة الحافظة، إذ درس وحفظ كتاب "جمع الجوامع" في أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب بن علي السبكي، في أسبوع واحد. ولم تلبث شهرة هذا الشاب أن انتشرت بعد أن فاق في مناقشاته علماءَ منطقته جميعًا، فسمّوه "سعيد المشهور". ثم ذهب إلى مدينة "تِللو" حيث اعتكف مدة في إحدى الزوايا، وحفظ هناك القاموس المحيط للفيروزآبادي إلى باب السين. وفي سنة 1892 ذهب "الملا سعيد النورسي" إلى "ماردين" حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة، ويجيب عن أسئلة الناس، فوشي به إلى الوالي، فأصدر أمراً بإخراجه، وسيق إلى "بتليس". فلما عرف واليها حقيقة هذا الشاب العالم ألح عليه أن يقيم معه، وهناك وجد الفرصة سانحة لمطالعة الكتب العلمية لاسيما علم الكلام والمنطق وكتب التفسير والحديث الشريف والفقه والنحو حتى بلغ محفوظه من متون هذه العلوم نحو ثمانين متنا.

وفي سنة 1894م ذهب إلى مدينة "وان" وانكبّ فيها بعمق على دراسة كتب الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ حتى تعمق فيها إلى درجة التأليف في بعضها، فسمّي بـ"بديع الزمان" اعترافاً من أهل العلم بذكائه الحاد وعلمه الغزير واطلاعه الواسع. وفي هذه الأثناء نُشر في الصحف المحلية أن وزير المستعمرات البريطاني "جلادستون(*)" قد صرّح في مجلس العموم البريطاني وهو يخاطب النواب قائلاً: "ما دام القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به"... زلزل هذا الخبر كيانه وأقضّ مضجعه، فأعلن لمن حوله: "لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها، ولا يمكن إطفاء نورها"([10]). فشدَّ الرحال إلى استانبول عام 1907م وقدّم مشروعاً إلى السلطان عبد الحميد الثاني لإنشاء جامعة إسلامية في شرقي الأناضول، أطلق عليها إسم "مدرسة الزهراء" - على غرار الأزهر الشريف - تنهض بمهمة نشر حقائق الإسلام وتدمج فيها الدراسة الدينية مع العلوم الكونية([11]).

وكانت شهرته العلمية قد سبقته إلى هناك فتجمع حوله الطلبة والعلماء يسألونه وهو يجيب في كل فن بغزارة نادرة. فاعترف له الجميع بالإمامة وبأنهم لم يشاهدوا في علمه وفضله أحدًا، حتى إن أحدهم عبَّر عن إعجابه الشديد بعد أن اختبره اختبارًا دقيقًا، فقال: "إن علمه ليس كسبيًّا وإنما هو هبة إلهية وعلمٌ لدنيّ".

وفي سنة 1911م ذهب إلى بلاد الشام وألقى خطبة بليغة من على منبر الجامع الأموي، دعا فيها المسلمين إلى اليقظة والنهوض، وبيَّن فيها أمراض الأمة الاسلامية وسُبل علاجها، ثم رجع إلى إستانبول وعرض مشروعه بخصوص الجامعة الاسلامية على السلطان "رشاد" فوعده السلطان خيرًا، وفعلاً خُصّص المبلغ، وشرع بوضع حجر الأساس للجامعة على ضفاف بحيرة "وان" غير أن الحرب العالمية الأولى حالت دون إكمال المشروع.

وعلى الرغم من معارضة سعيد النورسي لدخول الدولة العثمانية الحرب، فإنه حالما أُعلنتْ، اشترك هو وطلابه في الحرب ضد روسيا القيصرية المهاجمة من جهة القفقاس، وعندما دخل الجيش الروسي مدينة "بتليس" كان بديع الزمان يدافع مع طلابه عن المدينة دفاعًا مستميتا حتى جرح جرحا بليغا، وأُسر من قبل الروس وسيق إلى معتقلات الأسرى في سيبريا. وفي الأسر استمر في إلقاء دروسه الإيمانية للضباط الذين كانوا معه والبالغ عددهم "90" ضابطاً ثم هرب من الأسر بأعجوبة نادرة وبعناية ربانية واضحة. ومرّ في طريقه بوارشو فألمانيا وفينا.. وعندما وصل إلى استانبول مُنح وسام الحرب واستقبل استقبالاً رائعًا من قِبل الخليفة، وشيخ الاسلام، والقائد العام، وطلبة العلوم الشرعية. وكلّفته الدولة بتسنّم بعض الوظائف، رفض جميعها إلا ماعينته له القيادة العسكرية من عضوية في "دار الحكمة الاسلامية" التي كانت لا توجّه إلا لكبّار العلماء، فنشر في هذه الفترة أغلب مؤلفاته باللغة العربية منها: تفسيره القيم "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" الذي ألفّه في خِضَمّ المعارك. و"المثنوي العربي النوري"

وبعد دخول الغزاة إلى استانبول أحسّ النورسي أن طعنة كبيرة وجّهت إلى العالم الاسلامي، ولذلك شمّر عن ساعد الجد، فبدأ بتأليف كتابه "الخطوات الست" هاجم فيه الغزاة بشدة، وعمل على إزالة دواعي اليأس الذي خيّم على كثير من الناس. ولشهرته الواسعة وجهاده المتواصل دُعي إلى أنقرة عدة مرات، فتوجّه إليها سنة 1922، حيث استقبل في محطة القطار بحفاوة من قبل أركان الدولة. ولكن سرعان ما خاب ظنه بمن دعوه، إذ وجد أن معظمهم لا يؤدون الفرائض الدينية، فتوجّه إلى المجلس النيابي "مجلس المبعوثان" وألقى خطاباً مؤثراً استهلّه بـ: أيها المبعوثون إنكم لمبعثون ليوم عظيم. وهناك عرض أيضاً مشروع إنشاء الجامعة الاسلامية فلقي القبول، إلاّ ان ظروفاً سياسية حالت دون إكمال المشروع.

في سنة 1923 توجّه بديع الزمان إلى مدينة "وان" واعتزل الناس في جبل "أرَك" القريب من المدينة طوال سنتين متعبداً ومتأملاً. ورغم ذلك لم ينجُ من شرارة الفتن والاضطرابات فنفي مع الكثيرين إلى "بوردور" جنوب غربي الأناضول. ثم نفي وحده إلى ناحية نائية وهي "بارلا" ووصل إليها في شتاء سنة 1926. فظن أعداء الإيمان أن سيقضى عليه هنا في "بارلا" ويخمد ذكره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الفياض. ولكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، فرعاه بفضله وكرمه، حتى غدت "بارلا" مصدر إشعاع عظيم لنور القرآن، إذ ألّف الأستاذ النورسي هناك معظم "رسائل النور". وتسربت هذه الرسائل عن طريق الاستنساخ اليدوي وانتشرت من أقصى تركيا إلى أقصاها(*). وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950 فأصبحت في أكثر من "130" رسالة، جُمعت تحت عنوان "كليات رسائل النور" التي تضم أربع مجموعات أساسية هي: "الكلمات، المكتوبات، اللمعات، الشعاعات... وغيرها من المجموعات التي لم يتيسر لها أن ترى طريقها إلى المطابع إلاّ بعد سنة 1954. وكان الأستاذ النورسي يشرف بنفسه على الطبع حتى كمل طبع الرسائل جميعها([12])، لتبلغ ثمان مجلدات بدأت –كما سبق- بالكلمات والمكتوبات واللمعات وإشارات الإعجاز والشعاعات والمثنوي العربي والملاحق، وانتهت بصقيل الإسلام.

هذا وقد مرّت حياة النورسي بثلاث مراحل يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

 ففي المرحلة الأولى (الفلسفة الإنسانية) مرحلة "سعيد القديم"، كان إلى جانب اهتمامه النشط بالقضايا الإسلامية ذات الطابع المحافظ، جنديًّا وقائدًا عسكريًّا فعّالا في الجيش العثماني. ووصف النورسي فيما بعد وضعه الفكري والثقافي في تلك المرحلة فقال: "أن سعيدًا القديم والمفكرين، قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي يقبلون شيئًا منها، ويبارزونها بأسلحتها، ويعدّون قسمًا من دساتيرها كأنها العلوم الحديثة فيسلّمون بها. ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل. إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور. وكأنهم بهذا يقوون الإسلام. ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليل، ولأن فيه شيئًا من التهوين لشأن الإسلام. فقد تركتُ ذلك المسلك. وأظهرت فعلاً: أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبدًا أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها.. ففي المسلك السابق؛ تُظن الفلسفة عميقة، بينما الأحكام الإسلامية ظاهرية سطحية، لذا يُتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الإسلام. ولكن هيهات! أنّى لدساتير الفلسفة من بلوغ تلك الأحكام([13]).

أما المرحلة الثانية (رسائل النور) مرحلة "سعيد الجديد(*)" فقد بدأت في السنوات التي أعقبت رجوعه إلى إستانبول من الأسر في روسيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وفي هذه المرحلة ضعف عنده جانب الفلسفة الإنسانية، وظهرت لديه الحاجة إلى التغلب على الغرور الشخصي والحاجة إلى اتخاذ القرآن المرشد الوحيد له، أي دخل في تجربة يقظة معنوية وروحية. وكانت النتيجة أنه انسحب من العمل السياسي والاجتماعي، ونذر بقية حياته لكتابة "رسائل النور". فملكت كتابة الرسائل بقية عمره، وتتألف الرسائل من مجلدات عديدة، بلغت ثمان مجلدات (الكلمات والمكتوبات واللمعات وإشارات الإعجاز والشعاعات والمثنوي العربي والملاحق، وبصقيل الإسلام)، أدرج فيها تعليماته الموجهة إلى طلابه الذين تضاعف عددهم.

وأما المرحلة الثالثة (الاهتمام الاجتماعي والتجديد الإيماني) مرحلة "سعيد الثالث"، وكانت في أعوام الخمسينات وقد أمّن العهد السياسي الجديد الذي دخلت فيه تركيا إمكانية انتشار رسائل النور، وسهّل الانسجام بين طلاب رسائل النور وبين قرائها. أما التغَيُّر الرئيسي الملاحظ على سعيد النورسي في هذه المرحلة فهو استعادة اهتمامه بالحياة السياسية والاجتماعية أكثر من ذي قبل. ولا يعني هذا أن النورسي شكّل حزبا سياسيًّا أو وَضَع طريقة صوفية نمطية. بل أنشأ تجديدًا إيمانيًّا، ولهذا عومل على أنّه حركة إيمانية تتضمن منظمات نشر رسائل النور وجماعات من المسترشدين بها. وهكذا كان لسعيد الثالث دور كبير في النهضة الدينية التي شهدتها أعوام الخمسينات . وكانت أفكاره تجذب الناس من مختلف المشارب وتؤثر فيهم، وتعاملت هذه الأفكار مع موضوعات وقضايا متنوّعة تجاوزت الاقتصار على الشؤون التركية فقط([14]).

وظل الإمام النورسي طيلة حياته يغتنم كل لحظة، لا يصرف وقته سدى قط، فلا يراه أحد إلا قائنا يصلي، أو داعيا متضرعا، أو مسبحا ذاكراـ أو متأملا في ملكوت السموات والأرض، فهو حتما منشغل بشغل يهمه، وكان يدعو إلى اغتنام العمر القصير والدنيا القصير للظفر بحياة أبدية خالدة. وكان يغضب كثيرًا من الغيبة والكذب، ولا يسمح –بأي حال- لأحد أن يغتاب أحدا عنده([15]).

وقد لبّى نداء ربه الكريم في الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1379 الموافق 23 آذار/ مارس 1960م([16]).

وقبيل وفاته قال لتلاميذه: "أبنائي، لا تخافوا ابدًا"، فقد قصمت رسائل النور ظهر الملحدين والشيوعيين، فرسائل النور غالبة دائماً باذن الله. كرر هذا القول عدة مرات"([17]). ثم جاء قاضي التركات، وبدأ يُثبت ما ورثه الأستاذ فكان: (ساعة، وسجادة ولفاف الرأس، وجُبَّة). فأعطى كلها لأخيه عبدالمجيد([18]). وبعدما تم الغسل نُقل نعشه الطاهر إلى (أولو جامع) وختم محبوه على روحه القرآن الكريم. ظلت الجنازة في تلك الليلة في الجامع، وما أن تنفس الصبح حتى أصبح الازدحام في أورفة شديدًا جدًّا حيث أتى الناس من كل انحاء تركيا. وقرأ الجميع الختمة القرآنية حتى الصباح واهدوا ثوابها إلى روح الأستاذ. ولشدة الازدحام رأى البعض أنه لن يتيسر الدفن في هذا اليوم... فتم استدعاء الوالي، وبدأ يرجو من الناس ويلح عليهم بأن يدفن الأستاذ اليوم بعد صلاة العصر بدلا من يوم الجمعة؛ لأن الازدحام أصبح لا يطاق في المدينة. وفي الحال أُعلن عن أن صلاة الجنازة ستقام يوم الخميس بعد صلاة العصر. وحضر الوالي بنفسه ورئيس البلدية وأقاموا صلاة الجنازة. ولقد اندهش الجميع حيئذ من ظاهرة عجيبة وهي أنه: عندما كان الأستاذ يُغسل كانت الأمطار تتساقط رذاذًا وشاهد الناس عندها طيورًا ذات أشكال غريبة وألوان زاهية. وبأعداد هائلة جدًّا([19]). رحم الله الإمام النورسي رحمة واسعة، وأسكنه فردايس الجنان.

 


المحور الثاني

النورسي.. وإحياء حركة التعليم

"خلفية تاريخية"

لقد كان الانقلاب الذي عاشته تركيا بعد سقوط الخلافة انقلابا مروعًا، طال الحياة في كل ميادينها وأثر تأثيرًا مباشرًا على قضية التربية والتعليم باعتبارها وسيلة من وسائل تكوين الشخصية، وعاشت تركيا فترة من التمزق والتشرذم والتخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وسيطر الجهل وعمت الفوضى والخواء الروحي، وفرغ الإنسان المسلم من محتواه أو كاد، بعد أن بسطت العلمانية نفوذها وسيطرتها على المرافق والمؤسسات العامة، وصبغت البلاد بصبغة قطعت أو حاولت أن تقطع كل صلة بينها وبين الإسلام ([20])، فالعلماء قد قتلوا وشردوا ومن بقى منهم فرَّ بدينه ودمه إلى البلدان المجاورة. وفى وسط هذا الغبار المثار الذي سود وجه الحياة في تركيا -بلد الخلافة وعاصمة الإسلام- لم يكن التعليم ذا معنى يذكر. وبالتالي فقد همشت التعاليم الإسلامية، وألغيت الحروف العربية، وألغى الآذان من فوق المآذن، وأضحت مصادر التعليم ومنابعه مجففة بقرار الساسة الجدد الذين التوت أعناقهم نحو الغرب، وأرادوا أن يستبدلوا شمس الإسلام بضباب أوروبا وجليدها البارد، وخيمت الماسونية بظلامها على الحياة في تركيا من خلال الجمعيات التي تعمل لها، كجمعية الاتحاد والترقي وجمعية تركيا الفتاة، ولم يكن وسط هذا الظلام من ضوء يذكر غير ضوء القلب المؤمن المتحدى بإيمانه رياح الخماسين التي هبت على الحياة، فعكرت صفوها ونشرت فيها جراثيم الجهل، ولم يكن هنالك من شعاع غير مواقف الرجل العظيم بصلابة إيمانه وقوة يقينه ترد التائهين الحائرين وتبعث في النفوس أمل الخلاص في يوم يراه الظالمون بعيدا ويراه المؤمنون قريبا. وبعد تأسيس الاتحاد المحمدي في سنة 1909م ردًّا على دعاة القومية الطورانية والوطنية الضيقة، انضم النورسي إلى تشكيلات خاصة وكان (رحمه الله) من أنشط أعضاء الاتحاد الذين أهابوا بالمسلمين أن يدافعوا عن الخلافة، وبدأ يلقى دروسه ومحاضراته بين القبائل والعشائر مما كان له الأثر الفعال في إيقاظ الروح الإسلامية التي حاولت قوى خبيثة أن تميتها فى تركيا وأن تحي القومية الطورانية بديلاً عنها، ولم يكن لتعاليم الدين من وجود فعال، اللهم إلا من خلال ما تركه النورسي في رسائله وبين طلابه ومريديه، فراحت هذه الرسائل تنتشر كما ينتشر الضوء والسنا في الليل الطويل المعتكر ([21]).

لقد تألقت رسائل النورسي وكأنها نسيم يحمل بشائر الشفاء لأمة طال مرضها وطال ليلها، وكانت مواقفه وكلماته بمثابة إكسير الحياة للهمم التي أصابها اليأس وحطمها القنوط، فكادت تستسلم، فلما تعرفت على مواقف الرجل وقرأت كلماته دبت فيها الحياة من جديد وبعثت فيها كل عناصر الاستعصاء على المسخ والتشويه والذوبان، واستيقظت روح المقاومة ضد الهزيمة النفسية والفكرية التي يريد العلمانيون أن يفرضوها على أبناء الأمة، لذلك يوجه اتباعه بضرورة التصدي لهؤلاء عن طريق القراءة والتسلح بالعلم من خلال رسائله التي تفضح خططهم وتكشف خباياهم وتهتك ستر مؤامراتهم.

ولم تكن كلماته فقط هي التي تحمل إلى أتباعه المعنى العظيم لإيمان رجل عظيم بفكرته، وإنما كانت مواقفه أيضا تلك التي تتضمن أرقى درجات الصلابة في مواجهة الأعداء الذين يريدون إفساد الحياة والأحياء وذلك بقطع صلتهم بالإيمان الذي يمنح الحياة قيمتها ومعناها. ففي مواقف التحدي وما أكثرها في حياة الرجل يقول النورسي موجها كلامه للقضاة الذين يحاكموه: "ألا فلتعلموا جيدا أنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر وفصل في كل يوم واحد منها عن جسدي فلن أحنى هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية أمام الزنادقة."([22]).

ولقد استطاع الرجل العظيم أن يؤثر تأثيرًا إيجابيًّا في حياة المعلمين والمربين والموجهين باعتبارهم القنوات التي تحمل العلم إلى عقول الناشئة، وطالبهم بضرورة التحقيق والتوثيق مع القدرة على الموازنة ومعرفة الأحجام والكتل والنسب بين الأشياء حتى يتمكنوا من  الإثبات والإقناع. ولكي تكون حجتهم أوضح ودليلهم أسند وأوثق لابد لهم أن يسلكوا مسلك القرآن في استعمال التجربة في الماديات المحسوسة واستعمال النظر والبرهان في العقليات، وذلك يقتضي صدق الرواية وسلامة التوثيق، لذلك كان يقول لهم: "على الوعاظ والمرشدين المحترمين أن يكونوا محققين كي يتمكنوا من الإثبات والإقناع، وأن يكونوا أيضا حكماء مدققين كي لا يفسدوا توازن الشريعة، وأن يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر، وعليهم أن يزنوا الأمور بميزان الشريعة"([23]).

وهكذا يزيح هذا الرجل العظيم بكلماته معوقات التعليم في زمنه، فليس من المقبول أن يعيش المرشد والمربى والواعظ خارج إطار الزمان والمكان، فهو في واد والناس والزمان والمكان  في واد آخر، كما أنه ليس من المعقول ولا من المقبول أن يتعلق المربى والمرشد والواعظ بأسانيد واهية وقصص لا برهان لها ولا دليل عليها، وتلك هي أهم أسباب رفض الفكرة وردها حين لا يملك المتحدث عنها دليلا صادقا وحجة ثابتة، كما أن المبالغة في حجم الفكرة أو الموضوع يفسد قيمتها ويجعلها موضعا للتشكك والظن، ويخل كذلك بميزان العدالة في الأحجام والأوزان والنسب بين الحقائق الدينية المتعددة.

ومن هنا تأتى ضرورة معرفة الأولويات وأهميتها بالنسبة للداعية والمربى والواعظ، فبغير معرفة الأولويات تختلط  الأشياء وتتداخل، وبالتالي تصعب رؤية الحقائق بشكل واضح، وهذا ما يجعل الآخرون يترددون بدورهم في قبول هذه الحقائق والإذعان لسلطانها. وبناءً على ذلك كانت توجيهات الإمام النورسي للأئمة والمرشدين والمربيين أن ينأوا بأنفسهم وبمريديهم وطلابهم عن تناول الخرافات والأساطير، وأن يعتمدوا الحقائق وحدها في بناء الشخصية المسلمة وتكوينها، وأن تستند أقوالهم إلى الحجة القاطعة والدليل الساطع، وأن ينأوا عن المبالغة والتهويل، وأن يعيشوا عصرهم وأن تكون الشريعة هي المعيار الثابت لقياس كل الحقائق وكل الأشياء، ولهذا كان للرجل دوره العظيم في إزالة المعوقات وتوجيه المعلمين من خلال مواقفه ولقاءاته بهم ورسائله إليهم([24]).

وظل الرجل يجاهد في كل مكان من أجل الحفاظ على الإسلام في تركيا.. ولكونه مرشدا دينيا يتمتع بشعبية كبيرة، فقد أصبح مثار شكوك الحكومة "التجديدية" لمصطفى كمال أتاتورك، مما كان سببا في قضاء بقية حياته في السجون أو النفي في أرجاء نائية من تركيا.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية دخلت تركيا عهد جمهورية ذات برلمان مكون من أحزاب متعددة، وكان من الطبيعي أن تأخذ الموضوعات الدينية قسما أكبر من ذي قبل في المناظرات والمناقشات بين الجماهير وأفراد الشعب. وكان الفوز الذي حققه "الحزب الديمقراطي" في انتخابات عام 1950م مفتاح طريق التغيير في السياسة المتعلقة بالدين، فمثلا سمح للأذان الشرعي السابق، وهُجِرَ الأذان باللغة التركية، كما سمح بحرية أوسع لتدريس الدين. على أية حال كانت هناك أيضًا ميول ثقافية وفكرية أوسع لا تتعلق بالسياسة الحزبية آنذاك. وقد كان النورسي من أهم المفكرين والقادة الروحيين والتربويين الأتراك الذين نذروا أنفسهم لبيان المبادئ الإسلامية في ظل ظروف العصر الحديث وتجاه "ما بعد الحداثة" التي بدأت معالمها بالظهور([25]).

برنامج النورسي التربوي وأسس دعوته الإصلاحية:

لخَّص بديع الزمان أفكاره في تسع مواد في مقالة نشرها عام 1909م في "الجريدة الدينية" بعنوان "ثمرة الجبل وإن كانت مرة إلا أنها دواء". والعنوان الفرعي الذي وضعه لمقالته هذه يدلّ على أنّه أدرج بشكل واعٍ أهدافًا معينة في برنامج نضاله، ولأجل هذا يستحق الذكر، والعنوان الفرعي هو "فهرست لمقاصد بديع الزمان وبرنامج أفكاره"
ويمكن تلخيص هذه المواد التسعة على النحو الآتي:

المادة الأولى: تأمين اليقظة التي تدفع العالم الإسلامي إلى الرقي.

المادة الثانية: إزالة الخلاف بين المراكز التربوية التي تؤمّن المعارف الإسلامية. وهذه المراكز هي: (المدارس الدينية، المدارس الحكومية، التكايا).

المادة الثالثة: تأسيس الحرية العلمية في الأوساط العلمية.

المادة الرابعة: تأسيس شُعَب اختصاص في المدارس الدينية.

المادة الخامسة: الاهتمام بتنشئة الخطباء والوعاظ الذين يعدون مرشدين عامين.

المادة السادسة: إيقاظ الاتجاه نحو الرقي لدى العثمانيين. والقضاء على الأعداء الثلاثة: (الجهل والفقر والاختلاف).

المادة السابعة: إصلاح مقام الخلافة.

المادة الثامنة: يجب نشر وتقوية الوحدة الإسلامية بين الجماهير المسلمة؛ حتى لا ترجع الدولة العثمانية إلى عهود أمراء الولايات.

المادة التاسعة: الاستفادة من القوة الكبيرة التي يملكها الأكراد والتي ضاعت نتيجة الخلاف الكردي وذلك بتأمين الوحدة الملية

وقد سعى قبل مجيئه إلى إستانبول بسنوات عدة إلى تحقيق بعض هذه الأفكار بين العشائر؛ بل إنه حضر إلى إستانبول بقصد تحقيقها([26]).

النورسي ومواجهة الأعداء الثلاثة (الجهل والفقر والاختلاف):

وقد ذكر "سعيد القديم" هذه الأعداء الثلاثة في جميع مقالاته وكتاباته، وعبّر عن أفكاره هذه بأساليب مختلفة إذ يقول مرة: "إن كل مؤمن مكلف بإعلاء كلمة الله، والوسيلة الكبرى لهذا في هذا الزمن هو التقدم المادي. ذلك لأن الأجانب يسحقوننا تحت سيطرتهم واستبدادهم المعنوي بوساطة أسلحة العلوم والصناعات، وسنجاهد نحن بأسلحة التربية والعلم والصناعة ضد الجهل والبؤس والفرقة التي هي أعدى أعداء إعلاء كلمة الله".

والجهل في نظر النورسي هو رأس الشرور، لذلك  يُحَوِّلُ بديع الزمان الأنظار إلى هذه الأعداء الثلاثة على الدوام، إلا أنه في بعض شروحه يعدها كلها نابعة من الجهل، الذي عده عدونا ويسعى لإبادتنا.

وهكذا فإن جميع المفاسد الاجتماعية تنبع من هذه الأعداء الثلاثة وبالتالي من الجهل: حيث يقول النورسي:
"
ثم إن أعداءنا ليسوا هم -أي الأجانب- بل إن عدونا هو الجهل وما تولد منه من منع إعلاء كلمة الله وما نتج عنه من مخالفة الشريعة. ثم البؤس وثمرته سوء الأخلاق وسوء التصرفات، والخلاف وما يتولّد عنه من الحقد والنفاق. وغاية اتحادنا هي الهجوم على هذه الأعداء الخالين من الإنصاف."  كما أنه يرى الجهل أساس كل سوء، يرى أن الخلاص يكون بالعلم، يستشف هذا المعنى من قوله: "كنت أرى الأحوال البائسة للعشائر في الولايات الشرقية، فأدركت أن جزءاً من سعادتنا الدنيوية سيتحقق بالعلوم الجديدة للمدنية"([27]).

ويُعَدُ النورسي من علماء زمانه القلائل الذين أعطوا أهمية كبيرة للعلم، إذ من الصعب أن نجد رجل علم في أوائل هذا العصر يملك كل هذه البصيرة النافذة عن مستقبل العلم. يشهد له قوله: "إن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصب إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمام الحكم والقوة" ([28]).

النورسي ودولة العلم:

ويؤكّد النورسي على أهمية العلم بقوله: "الحكومات التي تستند إلى القوة ستشيخ -مثلها في ذلك مثل قوتها- بسرعة، ولكن لما كان شأن العلم ومجده في تزايد مستمر، فإن الحكومات التي تستند إلى العلم ستكتب لها حياة أبدية." وهو بذلك يشير إلى وجوب استناد دولتنا إلى العلم([29])، مؤكدا أن الاسلام باعتباره مرجعيتنا يحمي اهل العلم، ويستشهد العقل والعلم ويوقظهما في النفوس بمثل هذه الآيات الكريمة: (أفلا يتدبرون.. أفلا يتفكرون.. أفلا يعقلون). لذا كان الاسلام دوماً قلعة الفقراء وحصن العلماء وملجأهم([30]).

النورسي.. وإصلاح المدارس الدينية ونشرها:

يقول الدكتور إبراهيم جانان: يرى الأستاذ النورسي بأنّ إزالة الجهل تتم بنشر المدارس الدينية، غير أنه لم يكن راضياً عن هذه المدارس لا من حيث عددها ولا من حيث كفاءتها ومستواها. أجل كان من الضروري زيادة عددها، ولكن قبل هذا يجب إصلاحها، بل يجب تغييرها تغييرا جذريا شبيها بالانقلاب وثورة فيها، فهذه المدارس لم تكن تستطيع تنشئة رجال يستطيعون مجابهة احتياجات العصر وذلك لوجود ثلاثة نواقص فيها هي: النظام، والرقي، والتخرج.

ويقصد بالنواقص المتعلّقة بالنظام: أي الخلل المهم في بنيتها الداخلية. فالمدارس الدينية كانت تُخرّج نمطاً واحداً من الإنسان، إذ لم تكن تملك شُعَباً متخصصة، بينما يتمنى الأستاذ أن تكون لهذه المدارس شُعَباً متخصصة مثلها في ذلك مثل دار الفنون "الجامعة"، أي تتفرّع إلى شُعَب مترابطة فيما بينها، وفي ذلك يقول الأستاذ: "يجب أن يطبق هنا تقسيم الأعمال بتمامه" وأيضا تنظيم هذه المدارس من جديد بحيث يوضع لها أولا قسم فيه دروس أساسية، ثم ينقسم إلى أقسام متخصصة أي تكون جامعة لها كلياتها المختلفة.

ويقصد بالرقي، الرقي العلمي، وهو يرى أن لهذا النقص أسبابا عديدة، منها:  حلت دروس الآلة محل الدروس الأصلية. ويقصد بدروس الآلة اللغة وما يتعلق بها من علوم. فالطلاب لم يكونوا يستطيعون تجاوز هذه العلوم ويقضون أعمارهم في فك رموز العبارات .كما أن البرامج الرسمية لهذه المدارس الدينية كانت حافلة بالكتب التي تتناول المسائل نفسها ولم يكن بمقدور الطلاب أن يتجاوزوا هذه الكتب التي كانت تستغرق أعمارهم. فالمتون الأصلية وشروح هذه المتون وهوامش هذه الشروح، وأحياناً هوامش الهوامش... الخ. كانت سجناً لأفكار الطلاب وهدراً لأوقاتهم، وما كانت تسمح لهم بالخروج عن قبضتها. كما أن عدم وجود الاختصاصات لم يكن أمام الطلاب أية فرصة للإبداع حسب ميولهم الفطرية، وحسب تعبيره فإن الميل عند الجميع كان نحو البروز وحب السيطرة والنزوع إلى التحكم، ولم يكن هناك من يهتم بتطوير نفسه علميًّا، لذا "فقد سارت هذه المدارس الدينية نحو الاندثار" ، وعامل آخر كان يعرقل الرقي العلمي وهو عدم وجود العلوم الوضعية في هذه المدارس الدينية. ويقترح بديع الزمان إدخال هذه العلوم -أو العلوم المدنية بتعبيره- إلى هذه المدارس الدينية وإدخال الدروس الدينية إلى المدارس الاعتيادية. فعدم وجود العلوم الوضعية في المدارس الدينية يقود طلاب هذه المدارس إلى التعصب وعدم وجود الدروس الدينية في المدارس الاعتيادية يقود الطلاب إلى الشك وإلى الاحتيال.

أما مسألة التخرج فإنها تتعلق بساحة عمل خريجي هذه المدارس الدينية. لقد أدت النواقص الموجودة في المدارس الدينية إلى عدم توجه الطلاب الأذكياء وأصحاب الكفاءات إلى هذه المدارس "فالأذكياء ذهبوا إلى المدارس الاعتيادية، والأغنياء استنكفوا من طراز عيش المدارس الدينية([31]). قال بديع الزمان منبهاً إلى الآثار السلبية المترتّبة عن إهمال موضوع التخرج في هذه المدارس الدينية، فذكر عند تعديده للشروط التي يجب توفرها في "مدرسة الزهراء" (-التي كانت المثل الأعلى للمدارس الدينية عنده- والتي بذل جهوده لتأسيسها طوال 55 عاماً)، بأن الملتحقين بها يجب أن يعاملوا على قدم المساواة مع طلاب الدراسات العليا الملتحقين بالمؤسسات التعليمية الأخرى، ويجب أن تُعد امتحاناتهم على نفس الدرجة من الاعتبار والأهمية لامتحانات المؤسسات التعليمية الأخرى وإلا كانت امتحاناتها عقيمة. ([32]).

وهكذا ناضل بديع الزمان من أجل إصلاح المدارس الدينية وزيادة عددها، وشجع في الوقت نفسه على تعليم الصغار. وعندما سُنَّ قانون توحيد التدريس بعد إعلان الجمهورية ومَنْعِ الدروس الدينية تماماً في المدارس، انتشر في طول البلاد وعرضها شعار لا نعرف مصدره مفاده: "إنّ هذه المدارس مدارس كفار لا ترسلوا أبناءكم إليها وعندما بدأ مفعول هذا الشعار في بعض العهود يسري لدى الأوساط الدينية، كان بديع الزمان يقول: إن جميع العلوم الوضعية تتحدث بألسنتها الخاصة بها عن الله. لا تستمعوا أنتم إلى المعلمين بل استمعوا إليها، أي أنه بدلاً من التوصية بمنع إرسال الصغار إلى المدارس كان على العكس من ذلك يشجع على إرسالهم إليها." ([33]).

 


المحور الثالث

فلسفة الإصلاح التربوي في فكر الإمام النورسي

نتحدث في هذا المحور عن فلسفة الإصلاح التربوي عند الإمام النوسي في ضوء رسائل النور، حيث يتميز منهجه التربوي بشمولية التناول، والمنهجية، والمعاصرة؛ وهو قائم على منهج متسق وموحد ضمن ضوابط أصولية خالصة، وفهم عميق لروح الأمة وفطرة الإنسان، والواقعية التي تنظر إلى الإنسان كما هو، ولكنها تدفعه إلى أن يسير بيسر وحكمة وتبصر.

ويمكن استخلاص فلسفة الإصلاح التربوي عند النورسي على النحو التالي:

التعويل على العلم كمنطلق للإقلاع الحضاري للأمة الإسلامية:

يرى النورسي أن العلم هو أمضى الأسلحة، وسيتعاظم دوره في المستقبل، ويؤكد أن عهد الشجاعة الفطرية انتهى وفات أوانه، إذ حَلَّتْ مكانه الشجاعة العلمية. ولهذا يخاطب الجيل الجديد قائلا: "يجب أن تصنعوا أسلحتكم من العلم، ومن الصناعة، ومن التساند، ومن جوهر الحكمة القرآنية". فالجهاد بدلا من أن يكون في جبهات القتال سيكون في ساحات العلم والصناعة. ويقول: "بما أن العقل والعلم هما اللذان سيحكمان في المستقبل، لذا لابد أن يحكم القرآن الذي تستند جميع أحكامه على البراهين العقلية، والذي يستمد جميع أحكامه من العقل". وقال أيضا: "إن المستقبل سيكون فقط للإسلام، والحقائق القرآنية والإيمانية ستكون هي الحاكمة." واستطرد: "إنني أعلن دون أي تردد وبكل ما أملك من يقين وعقيدة... سينتشر الحق وسيترعرع. وأنا أعتقد أن الحقائق الإسلامية هي التي ستحكم جميع القارات حكماً مطلقاً في المستقبل." ([34])؛ لأنها مستمدة من كتاب الله الخالد.

الثقة المتفائلة بالإنسان:

فالإنسان عند النورسي ليس هيكلاً ماديًّا مجردًا، أو عقلاً منطقيًّا باردًا، إنه كائن حساس فريد ومتميز، واسع الدوائر الوجودية، ذو خصائص عقلية وروحية ووجدانية وأخلاقية شاملة، خليفة في الأرض، مُبتلى بتوتر عميق بين محدودية إمكاناته ولا نهائية آماله في الكمال والخلود([35]). كما يرى النورسي أن "الإنسان في الوقت نفسه نوع من أنواع الخدم العاملين في قصر الكون، هذا الإنسان شبيه بالملائكة من جهة، وشبيه بالحيوان من جهة أخرى، إذ يشبه الملائكة في العبادة الكلية، وشمول الإشراف، وإحاطة المعرفة، وكونه داعيًا إلى الربوبية الجليلة، بل الانسان هو أكثر جامعية من الملائكة؛ لأنه يحمل نفسًا شريرة شهوية - بخلاف الملائكة-، وأمامه نجدان، وله أن يختار، إما رقيًّا عظيمًا، أو تدنيًا مريعًا. ووجه شبه الإنسان بالحيوان هو أنه يبحث في أعماله عن حظٍ لنفسه، وحصةٍ لذاته، لذا فالإنسان له مرتبان: الأول: جزئي حيواني معجل، والثاني:كلي ملائكي مؤجل"([36]).

ويطالب النورسي بمراعاة طبيعة الإنسان هذه وأخذها في الاعتبار عند رسم المناهج التربوية التي ستقدم له، بحيث تخفف من حدة توتره العميق إزاء إمكاناته المحدودة وآماله العريضة، ويجب أن تُستثمر قدراته ومداركه المتسعة لتعميق الجذور الايمانية فيه، وأيضا توقظ في فطرته نعمة الإذعان الايماني، وتغذي في وجدانه وفي سلوكه الجوانب التي تجعله أقرب إلى الملائكية منه إلى الحيوانية، وتنير له طريق الخير، وتُظْلِم في وجهه أبواب الشر وتوصدها.

تعميق التربية العاطفية والأخلاقية وتأطيرها:

أدرك النورسي أن العواطف لا تُغتال ولا تُقتل ولا تُصادر؛ بل تحدّد لها الضفاف وتوجّه للبناء وتؤطر بإطار من الحق والخير والعدل. فإذا كانت اللذة العاطفية السائبة ممتهنة بالابتذال الحسي ومتنغصة بألم ترقب الزوال وتوقع الفراق وتوجّس الفقد وغصص الفوات ووخز أشواك الغيرة والحسد وحسرات عدم تبادل العاطفة بمثلها صفاءً ودوامًا، فإن اللذة العاطفية المنضبطة بالإيمان لذة نقية شفافة دائمة.

كما تقوم فلسفته التربوية على تعميق مفردات أخلاقية عديدة في نفوس الطلاب، كالصدق والأمل والصبر والشجاعة والتضحية، وجعلها وقوداً لازدهار الإنسان الأخلاقي، كما رسم خطوطاً كثيرة لوصول الإنسان إلى رضا ربه كخط الشكر، والتذلل، والتوكل، والحب، والإخلاص.. وحلّ الإشكالية المؤذية بين ميل الإنسان إلى الانتماء لذاته أو للمجتمع، وأقام طلابه على معادلة مريحة متوازنة بينهما، وقد قوى اللحمة الاجتماعية، بدعوته لطلابه للتسامح والحب، والتعاون، وعدم الاسراف والتورط في المطالب الكمالية التي يختلقها الرأسماليون، كما وضع أسسًا موضوعية جادة للحوار، ورسم قواعد لمنع الاختلاف أو تجاوزه او تخفيفه. وباختصار فقد سعى إلى بناء مجتمع يقوم على الحق بدلاً من القوة، وعلى ابتغاء رضا الله بدلاً من التزاحم على طلب المنافع، ويقوم بناءه على البر والتقوى لا على الصراع والجدل، وتشد لبناته الأخوة الدينية الجامعة، ولا تشتته العنصريات وتهذب رغبات الإنسان فيه ولا تطلقها بعشوائية وفوضوية([37]).

التركيز على التربية الجمالية والبدنية؛ لتهذيب النفس والبدن:

إن إحساس الإنسان بالجمال فطري أصيل، والجمال في الكون أصيل كذلك وكلي وشامل، وغائي.. وإن هناك تفاضلاً في درجات الحسن، ويميل الإنسان إلى الأحسن والأجمل.. أما اللذات الجمالية فهي تتسم بالتنوع والشمول، فهناك لذات حسية، سمعية بصرية، شمية ذوقية، وهناك لذات جمالية فكرية وروحية وعاطفية تتذوقها العقول والارواح والقلوب.. والاستمتاع بالجمال المشروع فيه فوائد جمة إذ ترقّ أحاسيس الإنسان وتهتذب مشاعره، وتطهر أفكاره وتصفو نفسه، وتسمو بعد ذلك نقية طاهرة إلى خالقها.. ويحث النورسي الفرد المسلم على الانضباط بالضوابط الشرعية في التمتع بالجمال لتتكامل لذاته، وتنفتح أمامه آفاق ملونة رحبة للحسن، ولتأمن لذاته من ألم التكدير والم خوف الزوال فالمشاعر التي يثيرها الأدب الغربي فهي إما حزن كثيف معتم لا تخترقه أضواء الأمل في المصير الأخروي أو اللقاء المتجدد مع الناس والأشياء أو السعادة في عالم آخر.. أما الفرح الذي تخلفه فهو يتسم بعدم البراءة وبدفع إلى مزيد من التجاوز على الآخرين وعلى الحق، وتكدره توقعات الفراق وآلام الفوات ومشاعر الندم.. وقد وضع النورسي أدب القرآن قبالة الأدب الغربي فبدا الأول عملاقاً رصيناً متوازناً إنسانيًّا أخلاقيًّا شاملاً، فهو أدب توحيدي يخلق الطمأنينة، ولا ينصب علامات الاستفهام على طريق القارئ، فلا حيرة ولا شك ولا اغتراب.. فإنسان هذا الأدب قد تكشفت له دلالات القدرة والحكمة والعناية والرحمة واليقين في هذا العالم وانشد بكل وعي واختيار إلى منظومة الحقائق الإسلامية المتناسقة والصادقة والشاملة وامتلأت نفسه رضى وأنسًا وودًّا وسكينة. إنه أدب الحقيقة بمعناها الشامل لوحي الله واجتهاد الإنسان.. ومنظوره للواقع يتسم بالشمول إذ يستوعب المحسوس المجرب والمخبوء المغيب في الكون والحياة والإنسان، وهو يدعو الإنسان إلى تعامل مع هذا الواقع الكلي بمعادلة اليقين..

ولم يغفل النورسي التربية البدنية، حيث أكد على نقاط مهمة في التربية الجسدية منها: ضرورة تحديد كمية الطعام الذي يتناوله الشخص والنهي عن الإسراف، والربط بين السلوك الأخلاقي المنحرف والأمراض العضوية، والتركيز على أهمية العلاج المادي للأمراض، والإرشاد إلى العبادة وبيان أهميتها لسلامة الجسد، والإشارة إلى أهمية الطب الروحي والنفسي في الشفاء من الأمراض([38]).

اعتماده المنهج الوسطي:

عبّر النورسي عن الطريق الوسط من خلال وضعين متعاكسين ومتضادين، وبيّن أنَّ الطريق الإسلامي الصحيح هو المنهج الوسط بينهما، الذي يعمل على استحضار هذه المعاني حتى في الموضوعات المثيرة للنزاع([39]). ويرى أن القوة العقلية يجب أن تُرشَّد، بالمنهج التربوي السليم؛ لتسير في الحد الوسط، وهو الحكمة والاستقامة، التي هي سهلة نافعة، تهوى بالإفراط والتفريط في مكان بعيد، فتعاني المهالك في طرقها الطويلة. وهكذا وقياسًا على ما ذكر؛ فإن الوسطية والاستقامة هي أنفع طريق وأيسرها وأقصرها من بين جميع الطرق المسلوكة في حياة الإنسان الشخصية والاجتماعية([40])، وهكذا كانت موازنته بين العلوم الدينية والمدينة، وتوجيه خطابه إلى العقل والقلب والروح معا، وبُعده عن الإفراط والتفريط، وتركيز فلسفته التربوية على هذه المبادئ.

مراعاة الفروق الفردية بين البشر:

يركز النورسي على قضية الاختلافات الفطرية، والمكتسبة بين البشر في التعليم، فيركز جدًّا على الفروق الفردية بين الأشخاص؛ فما ينفع لشخص ما قد لا ينفع لآخر، ويضرب لذلك مثلا فيقول: "الأدوية تتعدد حسب تعدد الأدواء، ويكون تعددها حقًّا. وهكذا الحق يتعدد. والحاجات والأغذية تتنوع، وتنوعها حق.. وهكذا الحق يتنوع. والاستعدادات ووسائل التربية تتشعب، وتشعبها حق.. وهكذا الحق يتشعب. فالمادة الواحدة قد تكون داءً ودواءً حسب مزاجين اثنين.. إذ تعطى نسبية مركبة وفق أمزجة المكلفين، وهكذا تتحقق وتتركب"([41]). وهكذا يسير النورسي بالتربية نحو تفريد التعليم.. بحيث يعطى لكل شخص ما يتوافق ومواهبه وإمكاناته واستعداداته.

تجريد العقل من المعلومات غير الحيوية وغير الحقيقية وإفساح المجال للحقائق الإيمانية:

لقد أدرك النورسي أن الإنسان كائن ميتافيزيقي ولا يشبع حاجاته العقلية والروحية والعاطفية إلا التوحيد.. فأية نظرية مادية أو عقلية أو علمانية لم ولا ولن تقدر على إشباع هذه الحاجة العميقة. لقد أدرك النورسي أن الفرد لابد أن يعبد إلها، وذلك حق أثبته الواقع الفكري.. كما جاهد رحمه الله في العمل على تجريد الفكر من المعلومات غير الحيوية وغير العملية، وغير الحقيقية، وافساح المجال لمقابلاتها الإيمانية، وجعل نفسه نموذجًا لذلك التجريد.. كما وفق في التوفيق العقلي بين ما تدركه الحواس وما لا تدركه، وذلك بغرس الإيمان بالغيب في الوعي البشري دون تصادم مع واقعات الحس ومقررات العقل المنطقي السليم ونتائج العلوم التجريبية اليقينية القطعية، فوسع من أفق الواقع المكاني والزماني في وعي الإنسان.. وقد أزاح أمامه بعون القرآن كل شبهات الماديين وأوهامهم وظنونهم وأهوائهم.. ومن فضل ما وضعه من شروط للتوصل إلى الحقيقة: الشروط الوجدانية والعقلية والروحية والأخلاقية كتجنب الغفلة، والمعصية، والغرور، والتعصب، والوهم، والنفي اللامسؤول، والافتراض أو التنظير غير العلمي أو غير المتماسك.. كما دعا إلى تنقية كتب التراث من التفسيرات والآراء التي دحضها العلم بيقينياته([42]).

 

 

التربية المتجردة المبنية على التسامح والحوار والبرهان والمستمرة مدى الحياة:

وهكذا يسبق النورسي الآخرين بإقراره لفكرة التعليم المتواصل مدى الحياة، فقد التزم بها في فعله التربوي ، فبدأ بنفسه باستكمال نواقصها ثم الشروع في عمله، والاستعلاء على المديح والنقد، والتواضع ونقد الظواهر غير الصحيحة بالبرهان والحوار، واتخاذ التسامح شعارًا له، وعدم أخذه بأجر على تعليمه، ومخاطبته الناس على قدر عقولهم، وعدم انقطاعه عن التربية حتى في السجن الذي سماه المدرسة اليوسفية، وعدله في تعليمه مع كل الطلاب حتى ولو كانوا أبناء أعدائه.

التأكيد على مبدأ الصحبة والقدوة الشاخصة في التربية:

لقد أدرك النورسي بعلم اليقين حقيقة حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (المرء على دين خليله فلينظر أحدُكم من يخالل) أن الصحبة لها دور مهم في التعليم والتعلم، ومن خلالها ينتقل أثر التعليم من الأستاذ للطالب، كما أنها ترسخ القدوة الماثلة. ذلك أن فقه الوقت يدعونا إلى اكتساب الإيمان وتربيته في القلوب قبل النظر في أمور الحياة الاجتماعية، ولا شك التربية بالصحبة الطيبة أو الصحبة في التربية لها دور مهم في تحقيق ما سبق..

التعلم من الطبيعة:

 يدعو الإمام النورسي إلى التعلم من الطبيعة واستنباط الحكمة من كتاب الكون (كتاب الله المنظور)، وهو بذلك ينمي في العقل السياحة الفكرية الخيالية في بديع صنع الله، ومن ثم ترسيخ قدرة الله وعظمته ووحدانيته في نفوس المتعلم.. يقول النورسي: "هذا الكتاب الكبير للكون الذي يُكتب في صحيفة واحدة منه -وهي سطح الأرض- ويُكتب في ملزمة واحدة منه -وهي الربيع- ثلثمائة ألف نوع من الكتب المختلفة، وهي طوائف الحيوانات وأجناس النباتات كل منها بمثابة كتاب.. يُكتب كل ذلك معا ومتداخلة بعضها ببعض دون اختلاط، ولاخطأ، ولانسيان، وفي منتهى الانتظام والكمال بل يُكتب في كل كلمة منه - كالشجرة- قصيدة كاملة رائعة، وفي كل نقطة منه -كالبذرة- فهرس كتاب كامل. وإن هذا مشاهد وماثل أمامنا، ويُرينا بالتأكيد وراءه قلمًا سيَّالاً يسطر. فلكم أن تقدروا مدى دلالة كتاب الكون الكبير العظيم الذي في كل كلمة منه معان جمة وحكم شتى، ومدى دلالة هذا الكتاب الأكبر المجسم -وهو العالم- إلى بارئه سبحانه وإلى كاتبه جل وعلا، وهكذا فإن كل علم من العلوم العديدة جدًّا، يدل على خالق الكون ذي الجلال، ويعرّفه لنا سبحانه بأسمائه الحسنى، ويعلّمه إيانا بصفاته الجليلة وكمالاته العظيمة. وذلك بما يملك من مقاييس واسعة، ومرايا خاصة، وعيون حادة باصرة، ونظرات ذات عبرة" ([43]).

ولا شك أن النورسي رحمه الله وهو يدعو إلى التعليم الخِبري Executive function  والنمو الروحي والمهارات العملية للحياة، قد سبق التربويين العالميين إلى ذلك، فالنظريات التربوية الحديثة التي يتغني بها الغرب والشرق تؤكد على التعليم المباشر من الحياة..

 يقول "دونالد ويلترز Donald wiltres": يصبح كل متعلم وفقًا لهذه الطريقة التي ترتبط بالحياة بصورة مباشرة، ناضجًا فاعلا متسقًا وسعيدًا، ذلك أن الذين يتعلمون طبقًا لذلك يكونون أفضل الأشخاص فيما بعد؛ لأن التعليم يبقى إلى الأبد، ويصبح الآباء الذين يتعلم أبناؤهم طبقًا لذلك ينظرون دائمًا للتميز الأكاديمي، وأيضًا يريدون من أبنائهم أن يمارسوا خبرة التعليم عمليًّا ويستفيدوا بها([44]).

ويؤكد "دونالد ويلترز أيضا على أن التربية يجب أن تكون تجريبية، ويجب ألا تقتصر على الجانب التنظيري فقط. ويُرجع الضعف الرئيسي للتربية الحديثة بأنها كانت تركز وبطريقة أساسية وأولية على الجانب النظري  Theoretical، بعيدة عن التأثيرات العملية Practical effects للنظرية نفسها([45]). ومع أهميته ما سبق إلا أنه في نفس الوقت لا يقلل من أنماط التعلم الأخرى، حيث يؤكد على أهمية كل نمط من أنماط التعلم بداية من الحفظ إلى المهارات الفنية والعملية، مرورًا بالتمكن مما هو أكاديمي، لكنهم في الوقت نفسه يبدون اهتمامًا كبيرًا بضرورة تنمية ما يسمونه بالوظائف العملية Practical direct life experience للتعلم ، كما يرى أن المفتاح الأساس للتعلم يكمن في بناء القدرة على اتخاذ قرارات مفيدة في العالم الحقيقي الواقعي من الخبرة العملية([46]).

ضرب الأمثال واستخدام الوسائل التوضيحية المتاحة:

 يركز النورسي في فلسفته التربوية على ضرب الأمثال، مستلهما ما جاء في القرآن الكريم؛ لتقريب الصورة إلى عقول المتعلمين ونفوسهم. ويؤكد على أهمية ضرب الأمثال في العملية التعليمية بقوله: "فبمنظار ضرب الأمثال قد أُظهرَتْ الحقائق البعيدة جدًّا أنها قريبة جدًّا، وبوحدة الموضوع في ضرب الأمثال قد جُمِّعَتْ أكثر المسائل تشتتًا وتفرقًا، وبسلّم ضرب الأمثال قد تُوصِل إلى أسمى الحقائق وأعلاها بسهولة ويُسر، ومن نافذة ضرب الأمثال قد حُصّل اليقين الإيماني بحقائق الغيب وأسس الإسلام مما يقرب من الشهود. فاضطر الخيال إلى الاستسلام وأُرغم الوهم والعقل إلى الرضوخ، بل النفس والهوى. كما اضطر الشيطان إلى إلقاء السلاح"([47]).

وهكذا فإن نظرية ضرب الأمثال التي دعا إلىها الإمام النورسي والتي استلهمها من القرآن الكريم، تسهم في استدعاء المشهد عند المتعلم، وتسهم في القضاء على الهوة بين النظرية والتطبيق، وترسخ الأبعاد المعرفية لدى المتلقي؛ لتظل وثيقة حاضرة في نفس المتلقي؛ فمن المعلوم عند علماء التربية والإعلام وغيرهم أن الصورة في التعلم، تكون أبقى أثرًا في الذاكرة من الكلام والنصوص، وأشد وقعًا وتأثيرًا على المشاعر والوجدان، وأسعف وأسرع في الاستدعاء.. والصورة في الصحافة أيضا تساوي ألف كلمة.. وهكذا فإن إعمال العديد من الحواس لدى المتلقي يجعله في حالة ترقب، مما يجعل التعلم أكثر تشويقا ومناسبًا لمختلف المستويات الثقافية والاجتماعية. وهكذا فمن الحكمة أن نستخدم كل ما يعين على الفهم، وما يزيد في البيان، فلا نكتفي بحاسة واحدة هي حاسة السمع، فليشترك البصر، وإعمال الفكر، وغيرها في الاستعداد الكامل للتلقي والتفاعل، ولكي يتأكد موضوع الوضوح والتأثير في الخطاب التربوي.. والله (عز وجل) لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)، فلابد إذن أن يفهموه، بشتى الوسائل التي من شأنها تحقيق هذا الهدف.. وتأكيدًا على هذه المعاني فقد لفت الله تعالى أنظارنا إلى التأمل والتدبر بشتى حواسنا في كتاب الله المنظور "الكون" بما يحويه من مشاهد، ودلائل القدرة الإلهية، وآيات كونية تدل على قدرته وعظمته لتظل حاضرة في كينونة المسلم. ومن أجل ذلك استخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) الوسائل التوضيحية المتاحة في عصره وهو يُعَلِّم أصحابَهُ: فتارة يراه الصحابة وهو يمسك عودًا ويخط خطًا مستقيما على الأرض، ثم يخط خطوطًا متعرجةً، ويقول لأصحابه: أتدرون ما هذه الخطوط، فيقولون: الله ورسوله أعلم. فيقول: الخط الأول هو طريق الله تعالى، أما الخطوط المتعرجة فهي طرق الشيطان. وتارة ثانية يشير بإصبعيه السبابة والوسطى وهو يقول: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار -بإصبعيه- السبابة والوسطى، وفرَّج بينهما شيئا) في إشارة واضحة منه (صلى الله عليه وسلم) أن من يكفل اليتيم سيكون قريبا منه في الجنة.  وتارة ثالثة يراه الصحابة الكرام، وقد أخذ (صلى الله عليه وسلم) ذهبًا بيمينه، وحريرًا بشماله، وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها). وتارة رابعة يُعلم أصحابه المنهج العلمي في كيفية الرفق بالحيوان -وهذه دعوة محسوسة- عندما كان يأكل تمرًا بيمينه، ويضع النوى في يساره ويعلف به ناضحه -أي الكبش- ويمسح على رأسه رحمة به، ويُعلم أصحابه ذلك. وتارة خامسة ينـزل (صلى الله عليه وسلم) من على المنبر؛ ليحمل الحسن والحسين رحمة بهما، وليعلم المسلمين فضيلة الرفق..

كما ركز الإمام النورسي على كل وسائل التربية المتاحة لتوصيل المضامين المعرفية ومنها التربية بتفريغ الطاقة وبالعقوبة وبالوعظ وبالقصة بأنواعها وبالقدوة الشاخصة.

التركيز على التربية النسوية ومراعاة خصوصيتها:

 اعتبر النورسي (رحمه الله) النساء مخلوقات طيبة مباركة، ونعى على التربية الغريبة أو المتغربة التي لم تر في المرأة سوى هيكلها المادي وجمالها الحسي، متجاهلة الاهتمام بتجميل روحها وهندسة خلقها وترقية شعورها وتأصيل إبداعها الفكري والأدبي والعلمي والفني. وحذر من الجهات الخفية التي تخطط لدفع المرأة إلى مساقط الرذيلة([48]).

ويحذر المرأة من مغبة السقوط، فيقول: "فما دام كلُّ جميل يحب جماله، ويحاول جهده المحافظة عليه، ولا يريد أن يُمَسّ بسوء.. وما دام الجمال نعمة مهداة، والنعمة إن حمدت الله عليها زادت وإن قوبلت بالنكران تغيّرت.. فلا شك أن المرأة المالكة لرشدها ستهرب بشدة وبكل ما لديها من قوة من أن تجعل جمالها وسيلة لكسب الخطايا والذنوب وسوق الآخرين عليها.. وستفر حتمًا من أن تجعل جمالها يتحول إلى قبح دميم وجمال منحوس مسموم.. وستنهزم بلاشك من أن تجعل بالنكران تلك النعمة المهداة مدار عذاب وعقاب. لذا ينبغى للمرأة الحسناء استعمال جمالها على الوجه المشروع؛ ليظل ذلك الجمال الفانى خالدًا دائمًا بدلاً من جمال لا يدوم سوى بضع سنين، فتكون عندئذ قد أدت شكر تلك النعمة. والاّ ستتجرع الآلام والعذاب في وقت شيخوختها، وستبكى وتندب على نفسها يائسة نادمة لشدة ما ترى من استثقال الآخرين لها وإعراضهم عنها. أما إذا زُين ذلك الجمال بزينة آداب القرآن الكريم وروعي الرعاية اللائقة ضمن نطاق التربية الاسلامية، فسيظل ذلك الجمال الفانى باقيًا –معنىً- وستمنح المرأة جمالاً هو أجمل وأبهى وأحلى من جمال الحور العين في الجنة الخالدة كما هو ثابت في الحديث الشريف. فلئن كانت لتلك المرأة مسكة من عقل، فلن تدع هذه النتيجة الباهرة الخالدة قطعاً أن تضيع منها"([49]).. كما أكد على تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة..

كما قدم النورسي الكثير من المبادئ والأسس التربوية الإصلاحية الأخرى، ومنها: تجريد الخطاب التربوي من المقاصد الدنيوية ليغدو أكثر فعالية، وتقوية البصيرة الأخلاقية، وخلق الحس النقدي لدى الطالب، ودعوته إلى الحضور الفكري الفاعل أثناء التلقي، ووضع نموذج النبي (صلى الله عليه وسلم) أمام المتعلمين ليكون نبراسا للاقتداء به عليه الصلاة والسلام.. وغيرها من الأصول التربوية التي لا يتسع المقام هنا لذكرها.. وبالله تعالى التوفيق..

***


الخاتمة

وهذه دراسة عن فلسفة الإصلاح التربوي عند الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، حاولت فيها قدر جهدي أن أضع تصورا متكاملا لهذه القضية.. فإن وفَّت الدراسة بالمطلوب فبها ونعمت وإني لفرح مسرور، والفضل في ذلك يرجع إلى توفيق الله تعالى، وإن كان من قصور أو تقصير فهو مني، وكما أن كثيرا ما تكون أدوات التوصيل معيبة وغير جيدة، فكذلك نحن البشر عندما نتعرض لبعض القضايا.

وفي النهاية تبقى رؤية النورسي كنموذج ومثال لمتطلبات التجديد في القرن الواحد والعشرين، وهى رؤية تجمع بين الوعي والإدراك لحقائق الوحي الشريف المعصوم، وبين متطلبات الحياة المدنية من منجزات العلم الحديث فلا تقع في الشراك الخادعة ولا ينطوي عليها البريق المزيف، وإنما تأخذ من مدنية الغرب أشياءها وتستفيد بما أنجزته دون أن تفقد هويتها وأصالتها، ودون أن تتأثر بموجات المسخ والتشويه التي عادة ما تصحب الاستفادة من مبتكرات العلم ومنجزات الحضارة. وهكذا يلتمس النورسي من أنوار التوحيد خيوطاً مضيئة، تكشف طريق الحق وتيسر سبل الهداية للسالكين، وترسم أمام المربين ملامح منهج فريد في التربية والتعليم، يمزج بين جمال الصنعة ودقة الصانع، ويضع القسمات المشرقة لنوع من التربية لا يترك مجالاً من المجالات إلا ويوظف كل ما فيه لخدمة خط التوحيد كأساس ومنطلق للتربية والتعليم وصياغة الإنسان. وتلك نقلة فكرية وحضارية في آن معاً، تربط في تناسق فريد من المنظومة الكونية والمنظومة الإنسانية وبين مفرداتها لتبدو الذات أو الأنا ضئيلة ضعيفة عاجزة تسلم لخالقها وصانعها ومبدعها، فتسلم بالركون إليه والاستسلام في كنفه من سلبيات التمركز حول الذات، والتمركز حول الهوية، وبذلك تسلم في عقلها ووجدانها من الشذوذ في الفكر والعلة في السلوك. فهل تكون هذه المبادئ نبراساً لنا في قضية تعليم وتكوين الناشئة، ونحن نواجه تكتلات بين أجناس شتى، لغاتها ليست واحدة ومذاهبها ليست واحدة وأجناسها ليست واحدة. وهل تكون أمتنا آخر أمم الأرض سماعاً للنصح، واستجابة لنداء المصالح، وتلبية لأمر الله بوحدة المسلمين، ونبذ أسباب التفرقة والعنصرية؟ ذلك ما يرفضه منطق العقل ويأباه، خاصة ونحن نواجه تحديات تستهدف الدين والهوية والمستقبل والمصير. وهكذا يعيش العظماء ويحيون رغم الممات، ويخلدون رغم تحلل الأجساد. وإذا كان الأموات الذين لا يسمعون في مجتمعات المسلمين يحاولون قتل الأحياء والقضاء على فكرهم الفوار بالحيوية والحركة، إلا أن الأفكار المستمدة من كلمات الله تستعصي على الفناء وسيبقى سعيد النورسي تسعد بكلماته الأجيال، وتستضيء بفكره الأمة، فتستمد منه طهارة النفس من الإثم، وطهارة العقل من الخرافة، وطهارة القلب مما سوى الله ([50]).

وإنى لأرجو الله تعالى أن يتقبل منى هذه الدراسة وأن يدخلها برحمته في الكلم الطيب والعمل الصالح، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصل اللهم علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىّ وعلى والدىّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين) (النمل : 19).              وبالله تعالى التوفيق،،

أحمد علي سليمان

ahmedsoliman999@hotmail.com

ahmedsoliman999@gmail.com


المصادر والمراجع

المراجع العربية:

-  د. إبراهيم أبو محمد: من قضايا التحديات في القرن الواحد والعشرين (التعليم في ضوء فكر النورسي) القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2000م.

- د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية)، السنة الأولى، يوليو 2010م، العدد الثاني، تصدرها مؤسسة إستنابول للثقافة والعلوم، إستنابول – تركيا.

- إحسان قاسم الصالحي: بديع الزمان سعيد النورسي: كليات رسائل النور (9) سيرة ذاتية، الطبعة الثانية، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 1998م.

- أحمد بهجت: سعيد النورسي.. الرجل والدور، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي.

-  د. أحمد عبد الرحيم السايح: الإمام بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في ترسيخ الإيمان، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي.

-  أحمد علي سليمان: التعليم للحياة في الفكر التربوي، القاهرة: طبعة خاصة بالمؤلف، 1433هـ- 2012م.

- د. أديب إبراهيم الدباغ: هوامش على فكر بديع الزمان سعيد النورسي وسيرته الذاتية، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، المنعقد خلال الفترة من 27-29سبتمبر 1992م باستانبول، نشر: دار سوزلر، القاهرة، 1993م.

-  د. جون أوبرت وول: حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين، مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية)، السنة الأولى، يوليو 2010م، العدد الثاني، تصدرها مؤسسة إستنابول للثقافة والعلوم، إستنابول تركيا.

- ذكريات عن سعيد النورسي: ترجمة: أسيد إحسان قاسم، القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 1997م.

- الشعاعات

- عبد الله الطنطاوى. : منهج الإصلاح والتغيير عند بديع الزمان النورسى ، دار العلم دمشق.

- الكلمات  

- الكلمات

- اللمعات

- محمد رشدي عبيد: ملامح تربوية في رسائل النور، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي.

- المكتوبات

- المناظرات

- النور للدراسات الحضارية والفكرية www.nurmajalla.com/bediuzzaman.php

المراجع الأجنبية:

-        J. Donald Walters. Education for life: Preparing children to meet the challenges. Nevada, USA: Crystal Clarity, publishers, 1997

-         Renata Nummela Caine. Brain / Mind Learning Principles in action: Developing executive functions of the Human brain. Thousands Oaks, CA: Corwin Press. 2009

روجع نهائي 31-3-2013م



([1]) أحمد علي سليمان: التعليم للحياة في الفكر التربوي، القاهرة: طبعة خاصة بالمؤلف، 1433هـ- 2012م، ص 7-10.

([2]) أديب إبراهيم الدباغ: هوامش على فكر بديع الزمان سعيد النورسي وسيرته الذاتية، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، المنعقد خلال الفترة من 27-29سبتمبر 1992م باستانبول، نشر: دار سوزلر، القاهرة، 1993م، ص 12.

([3]) د. أحمد عبد الرحيم السايح: الإمام بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في ترسيخ الإيمان، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، (مرجع سابق)، ص 58-59.

([4]) د. إبراهيم أبو محمد: من قضايا التحديات في القرن الواحد والعشرين (التعليم في ضوء فكر النورسي) القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2000، ص 7-8.

([5]) بديع الزمان سعيد النورسي: كليات رسائل النور (9) سيرة ذاتية، الطبعة الثانية، إعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 1998م، ص 35.

([6]) أحمد بهجت: سعيد النورسي.. الرجل والدور، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، (مرجع سابق)، ص 41. سيرة ذاتية، ص 35.

([7]) سيرة ذاتية، ص 35.

([8]) المرجع السابق، ص 45.

 ([9]) د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، مجلة النور: العدد الثاني  ص 27-28.

(*) وليم جلادستون (1809 - 1898 م) تقلد مناصب وزارية متعددة، تعمق في دراسة الدين فكان مؤلفه الأول (الدولة وعلاقتها بالكنيسة). عيّن رئيساً للوزراء أربع مرات. ألغى الكنيسة الايرلندية.(باختصار عن: الموسوعة العربية الميسرة).

([10]) سيرة ذاتية، (مرجع سابق) ص 66.

([11]) وله مقولته المشهورة في ذلك إذ يقول: "ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الكونية الحديثة، وبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، وبافتراقهما تتولد الحيل والشبهات في هذا، والتعصب الذميم في ذاك"..

(*) وسبحان الله ما كان الأستاذ النورسي يُساق من منفى إلى آخر، ويُزج في السجون والمعتقلات في عديد من ولايات تركيا طوال ربع قرن من الزمن، إلاّ ويقيض الله من يستنسخ هذه الرسائل وينشر هذا الفيض الايماني حتى أيقظت روح الايمان الراكدة لدى أهل الإيمان وأرستها على دعائم علمية ومنطقية في غاية البلاغة بحيث يفهمه العوام ويتزود منه الخواص..

([13]) سيرة ذاتية، ص 1511-152. والمكتوبات ، ص 569.

(*) الواقعة التي حوّلت سعيد القديم إلى سعيد الجديد: تلك الواقعة الخيالية التمثيلية التي تتمثل فيها حقيقةُ حياةِ الدنيا، التي رآها سعيد القديم فحوّلته إلى سعيد الجديد وهي: رأيتُ نفسي كأني أسافر في طريقٍ طويل، أي اُرسَل إلى مكانٍ بعيد، وكان سيدي قد خصّص لي مقدارَ ستين ليرة ذهبية يمنحني منها كلَّ يومٍ شيئاً، حتى دخلتُ إلى فندقٍ فيه ملهى فطفقتُ أبذّر ما أملك - وهي عشرُ ليرات - في ليلةٍ واحدة على مائدة القمار والسهر في سبيل الشهرة والإعجاب. فاصبحتُ وأنا صفر اليدين لم أتجّر بشئ، ولم آخذ شيئاً مما سأحتاج إليه في المكان الذي أقصده، فلم أوفّر لنفسي سوى الآلام والخطايا التي ترسبتْ من لذات غير مشروعة، وسوى الجروح والغصّات والآهات التي ترشحت من تلك السفاهات والسفالات.. وبينما أنا في هذه الحالة الكئيبة الحزينة البائسة إذ تمثّل أمامي رجلٌ. فقال: أنفقَت جميع رأسمالك سدىً، وصرتَ مستحقاً للعقاب، وستذهب إلى البلد الذي تريدُه خاويَ اليدين. فان كنتَ فطناً وذا بصيرة فبابُ التوبة مفتوحٌ لم يغلق بعدُ. فبإمكانك ان تدّخر نصف ما تحصل عليه، مما بقي لك من الليرات الخمس عشرة لتشتري بعضاً مما تحتاج إليه في ذلك المكان.. فاستشرتُ نفسي فإذا هي غير راضية بذلك، فقال الرجل: فادّخر إذن ثُلُثَه. ولكن وجدتُ نفسي غير راضية بهذا ايضاً. فقال: فادّخر ربُعَهَ، فرأيتُ نفسي لا تريد أن تَدَع العادةَ التي اُبتلَيت بها. فأدار الرجلُ رأسه وأدبر في حدّةٍ وغيظٍ ومضى في طريقه. ثم رأيتُ كأن الأمور قد تغيّرت. فرأيت نفسي في قطار ينطلق منحدراً بسرعة فائقة في داخل نفق تحت الأرض، فاضطربت من دهشتي، ولكن لا مناص لي حيث لا يمكنني الذهابُ يميناً ولا شمالاً. ومن الغريب أنه كانت تبدو على طرفَي القطار أزهارٌ جميلة جذابة وثمارٌ لذيذة متنوعة فمددتُ يدي - كالأغبياء - نحوَها اُحاول قطفَ أزهارها واحصل على ثمراتها، الاّ انها كانت بعيدةَ المنال، الأشواكُ فيها انغرزتْ في يدي بمجرد ملامستها فأدْمَتها وجرحَتها والقطارُ كان ماضياً بسرعة فائقة فآذيتُ نفسي من دون فائدة تعود عليّ. فقال أحد موظفي القطار: اعطني خمسة قروش لأنتقيَ لك الكميةَ المناسبة التي تريدُها من تلك الأزهار والأثمار، فانك تخسر بجروحك هذه أضعاف أضعاف ما تحصل عليه بخمسة قروش فضلاً عن ان هناك عقاباً على صنيعك هذا، حيث إنك تقطفها من غير إذن. فاشتدّ عليّ الكربُ في تلك الحالة فنظرت اتطلّع من النافذة إلى الأمام لأتعرّف نهايةَ النفق، فرأيت أن هناك نوافذَ كثيرةً وثغوراً عدة قد أحلّت محلَّ نهاية النفق وأن مسافري القطار يُقذَفون خارجاً من القطار إلى تلك الثغور والحفر، ورأيت أن ثغراً يقابلني أنا بالذات اُقيمَ على طرفيه حجرٌ اشبهُ ما يكونُ بشواهدِ القبر، فنظرت إليها بكل دقة وإمعان فرأيتُ أنه قد كُتب عليهما بحروفٍ كبيرة اسم سعيد فصرختُ من فرقي وحيرتي: يا ويلاه!! وآنذاك سمعتُ صوت ذلك الرجل الذي أطال عليّ النصح في باب الملهى وهو يقول: - هل استرجعتَ عقلك يا بني وأفقتَ من سكرتك؟ فقلت: - نعم ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن خارتْ قواي ولم يبقَ لي حولٌ ولا قوة. فقال: - تُب وتوكّل. فقلت:- قد فعلت. ثم أفقتُ وقد اختفى سعيدٌ القديم ورأيتُ نفسي سعيداً جديداً. راجع: سيرة ذاتية، ص 173-175. وانظر: الكلمات، ص 367-369.

 ([14]) د. جون أوبرت وول: حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين، مجلة النور للدراسات الحضارية والفكرية)، السنة الأولى، يوليو 2010م، العدد الثاني، تصدرها مؤسسة إستنابول للثقافة والعلوم، إستنابول - تركيا:  ص 9-10.

([15]) ذكريات عن سعيد النورسي: ترجمة: أسيد إحسان قاسم، القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 1997م، ص 11 -12.

([17]) سيرة ذاتية - ص: 478 - 479

([18]) سيرة ذاتية - ص: 485

([19]) سيرة ذاتية - ص: 485

([20]) الشعاعات، ص 294

([21]) د. إبراهيم أبو محمد: التعليم في ضوء فكر النورسي، (مرجع سابق)، ص 22-26

([22]) الكلمات ص 856

([23]) عبد الله الطنطاوى : منهج الإصلاح والتغيير عند بديع الزمان النورسى، دار العلم دمشق، ص 63.

([24]) الدكتور إبراهيم أبو محمد، (مرجع سابق)، ص 22-26

 ([25]) د. جون أوبرت وول: حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين، (مرجع سابق)،  ص 9-10.

 ([26]) د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، (مرجع سابق)،  ص 28-29.

 ([27]) المرجع السابق  ص 29-31.

 ([28]) الكلمات، ص 292.

 ([29])  د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، (مرجع سابق)،  ص 31.

 ([30]) المكتوبات، المكتوب السادس والعشرون، ص418.

 ([31]) المناظرات، ص 127.

 ([32]) المناظرات، ص 128.

 ([33]) د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، (مرجع سابق)،  ص 32-34.

 ([34])د. إبراهيم جانان: القضايا الأساسية للعالم الإسلامي وطرق حلها في نظر بديع الزمان، (مرجع سابق)،  ص 31.

([35]) محمد رشدي عبيد: ملامح تربوية في رسائل النور، بحث منشور ضمن كتاب: (بديع الزمان سعيد النورسي في مؤتمر عالمي حول تجديد الفكر الإسلامي، (مرجع سابق)، ص 84.

([36])  الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص: 410.

([37]) محمد رشدي عبيد: ملامح تربوية في رسائل النور، (مرجع سابق)، ص 87-88.

([38]) المرجع السابق، ص 88 -92.

 ([39])  د. جون أوبرت وول: حركة التجديد والإصلاح في أواسط القرن العشرين، (مرجع سابق)،   ص 17-18.

 ([40]) الشعاعات، الشعاع الخامس عشر، ص: 650.

([41]) اللمعات - ص: 864

([42]) محمد رشدي عبيد: ملامح تربوية في رسائل النور، (مرجع سابق)، ص 85-87.

([43]) الشعاعات، الشعاع الحادي عشر، ص: 260

 ([44])J. Donald Walters. Education for life: Preparing children to meet the challenges. Nevada, USA: Crystal Clarity, publishers, 1997,  pp. 7,8     

 ([45])J.Donald Walters, op.cit, p. 10

([46])  Renata Nummela Caine. Brain / Mind Learning Principles in action: Developing executive functions of the Human brain. Thousands Oaks, CA: Corwin Press. 2009, p. 9

([47]) سيرة ذاتية، ص: 243، والمكتوبات، المكتوب الثامن والعشرون، ص:487.

([48]) محمد رشدي عبيد: ملامح تربوية في رسائل النور، (مرجع سابق)، ص 94.

([49]) المعات: اللمعة الرابعة والعشرون، ص: 306

.

([50]) الدكتور إبراهيم أبو محمد (مرجع سابق).

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft