بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





منهج الإسلام في حماية البيئة والمحافظة عليها "الماء نموذجا" بقلم أحمد على سليمان



   عدد الزيارات


المملكة العربية السعودية

وزارة التعليم العالي - جامعة الدمام

كلية الآداب - قسم الدراسات الإسلامية

مؤتمر الإسلام والسلام

24-25 / 5/ 1433هـ

 

 

منهج الإسلام في حماية البيئة والمحافظة عليها

"الماء نموذجا"

 

بقلم

أحمد على سليمان

المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية

كاتب وإعلامي مصري- عضو اتحاد المؤرخين العرب

 

 

1432هـ / 2011م


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

جاء الإسلام الحنيف لينظم أمور الناس (الدينية والدنيوية)، ويؤسس للسلام بين الإنسان وبين كافة مفردات الطبيعة والكون، ويضبط حركة الإنسان وسلوكه على هذه الحياة، وينظم العلاقات الإنسانية على أسس سليمة رشيدة بانية، وإعداد الناس للقاء ربهم يوم القيامة.

وبالرغم من ذلك تَنَكّر البعضُ للإسلام، وأوصد البعض الآخر أبواب عقله وقلبه ونوافذ آذانه أمام تعاليم الحق سبحانه المُنَظِمة لهذه الحياة. وقد نتج عن ذلك ظهور الكثير من المشكلات الاجتماعية العالمية وتفشيها في العالم.. ولعل من أهم هذه المشكلات، وأكثرها ضراوة مشكلة التلوث البيئي التي يعانى منها المجتمع المعاصر بشرقه وغربه، والتي انتشرت آثارها السئية، في كل أنحاء المعمورة، وتمثلت في ظهور عديد من الأمراض المزمنة والأمراض السرطانية وغيرها مما عجز الأطباء أن يجدوا لها علاجا حتى الآن، ناهيك عن بروز مشكلات عالمية خطيرة مثل: التغير المناخي، والتصحر، والاحتباس الحراري، وارتفاع درجة حرارة الأرض، وما قد ينجم عنها من الإخلال بالتوازن الطبيعي في الكون، وإذابة الجليد في القطب الشمالي، مما يهدد بغرق كثير من المدن وتلاشيها في كثير من دول العالم... وغيرها من المخاطر البيئية التي نتجت عن طمع الإنسان وأنانيته وعدم قدرته على ضبط غرائزه، ومحاولته الدائمة للسيطرة على الموارد البشرية واستغلالها لصالحه فرداً كان أو مجتمعاً دون مراعاة لحقوق الآخرين ودون وعي لمحدودية الموارد أحيانا.

ولما كان الإسلام هو الدستور الذي ارتضاه الله (عز وجل) دستورًا نهائيًّا للبشرية عامة، فقد اهتم بموضوع البيئة، وأكد على المحافظة على كل مكوناتها؛ ذلك أن نهائية هذه الرسالة وعموميتها صفتان ضمنتا للإسلام شموليته لكل مناحي الحياة مادية ومعنوية، وشموليته لكل ما يؤدي به إلى السعادة الأخروية.

 ولا شك أن البيئة بكل جوانبها تقع ضمن هذه الشمولية إن لم نقل إنها المرتكز فيها، وذلك لأن البيئة هي مسرح تحقيق الخلافة التي خلق الله الإنسان من أجلها، فما لم تتحقق شروط السلامة الكاملة للبيئة لا تتحقق الخلافة التي دعي الإنسان لتحقيقها. والمتمعن في آيات القرآن الكريم يجد أن موضوع البيئة يتردد صداه فيما يقترب من مائتي آية في سور كثيرة، تتناول عناصر البيئة المختلفة من أرض وما تضمه من مكونات حية وغير حية، وما يحيط بها من غلاف غازي وغيره، وبحار وما تحتويه من عوالم يصعب إدراك عظمتها، وكلها تــــدل على قدرة الله وعظيم صنعـه. كما أن اهتمام الإسلام بالبيئة من حيث ذكر مكوناتها ودقة صنعها وتنوعها وبيان سحرها وروعتها يرتقي إلى أعلى الدرجات حتى يصل إلى أن يستخدمها القرآن كأحد الوسائل الموصلة إلى متانة البناء العقدي للإنسان المسلم، وذلك حين طالب الإنسان بالنظر فيها والتفكر في صنعها والوصول من خلال ذلك إلى إدراك عظمة الخالق سبحانه وتعالى، ومن ثم الإيمان به، والتسليم بقدرته وتفرده في صنع هذا الكون ([1]) (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (يونس:  101)، وقوله: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ. وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (ق: 6-11)، وقوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا. وَعِنَبًا وَقَضْبًا. وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس: 24-32).

ولقد قاسمت السنة النبوية القرآن الكريم اهتمامه بموضوع البيئة شرحا وتفصيلا وتقنينا وتأصيلا، وتردد صداها في كثير من الأحاديث التي حثت المسلمين على احترام الكائن الحي، وما يحيط به من نبات وأشجار وجبال ومصادر مياه متنوعة، وركزت السنة القولية والفعلية على مجموعة من القضايا التي تحقق السلام بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان والبيئة التي تحيط به بمفوهمها الشامل، حيث ركزت على المسؤولية الجماعية والمشتركة في حماية البيئة المحافظة على توازنها وعدم العبث بالموارد الطبيعية وحفظ حق الأجيال في استغلالها واعتبار أن الحياة مسؤولية عامة إذا أخل بها نفر سار ضرره على الباقين. كما حثت على الغرس والزراعة واستغلال الأرض التي سخرها الله للإنسان والكائنات الحية، والاهتمام بموارد المياه وعدم احتكارها، والمحافظة على الحيوان ومراعاة حقوقه والرفق به، والعناية بالنظافة العامة والخاصة، والعمل على الوقاية من الأمراض قبل وقوعها، (من خلال ما يعرف بالطب الوقائي في الإسلام)، والسعي للعلاج منها عندما تحل بالإنسان... وجعل ذلك كله من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية.

* * *

ولما كانت عناصر البيئة متنوعة ومتعددة بحيث يصعب بحث واحد بهذا الحجم أن يحيط بها، فقد رأيت الكتابة عن منهج الإسلام في حماية البيئة والمحافظة عليها من خلال دراسة أحد مكوناتها المهمة وهو الماء، باعتباره معجزة إلهية عجز البشر حتى هذه اللحظة عن الوصول إلى صنعها على الرغم من أنها أساس الحياة في كل شئ، وسوف نتناول في هذه الورقة مجموعة من القضايا المهمة التي تتصل بموضوع البحث وهي:

- عناية الإسلام بالماء، والتأكيد على سبق القرآن في تقديم العلاج الناجع  لكافة المشكلات الحياتية التي عاني ويعاني منها البشر، وعلى رأسها مشكلات المياه، وبما يؤكد عالمية الإسلام، وشموليته لكل جوانب الحياه في عصورها المختلفة.

- أهم الخصائص والميزات الإعجازية التي ركبها الله عز وجل في الماء، ولماذا ركّب الله عز وجل الماء في حالاته الصلبة والسائلة والغازية.

- بيان سبق القرآن إلى إقرار واكتشاف الدورة المائية (الدورة الهيدرولوجية hydrologic cycle) قبل الغرب بمئات السنين. ولعل هذا ما لفت انتباه العالم الفرنسي موريس بوكاي مؤلف كتاب "الكتاب المقدس والقرآن والعلم" حيث عقد في كتابه فصلاً بعنوان: "الدورة المائية في القرآن الكريم" ختمه بهذه العبارة: "وإذا قارنا بين المعطيات الهيدرولوجية الحديثة وتلك التي تستقى من عديد من الآيات القرآنية نلاحظ وجود توافق شديد ملحوظ بينهما". لعل هذا المفهوم العلمي الواضح للدورة الهيدرولوجية في القرآن الكريم هو الذي هيأ ظهور فكرة الدورة الهيدرولوجية في وقت مبكر على يد المهندسين المائيين المسلمين ([2]).

- دور الإسلام في محاربة الإسراف في الماء والنهى عن تلويثه بأي صورة من الصور، وتحذيره من الإسراف في زراعة نباتات الزينة التي تسقى بالماء الصالح للبشر، في حالة احتياج الأمة إلى الماء والغذاء.

- علاقة الماء بالعبادة ودورهما في ترسيخ السلام الروحي والنفسي للإنسان، ودراسة الإعجاز الإلهي في خلق الماء.

- كيف استطاعت الحضارة الإسلامية في تاريخها الزاهر استثمار المياه، ومواجهة مشكلات المياه قبل حدوثها، وتفرد العلماء المسلمين وسبقهم في اكتشاف ومعرفة أماكن المياه الجوفية، بما يفوق الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بُعد حاليًا والتي تعطي مؤشرات فقط عن وجود شقوق معينة قد تحوي مياه جوفية وقد لا تحوي.

كما ستقدم الدراسة رؤي منهجية جديدة لمواجهة مشكلات المياه  وتحدياتها من منظور إسلامي حضاري واجتماعي، يؤكد على عالمية الإسلام وصالحيته لقيادة الحياة (بمسلميها وغير مسلميها) إلى مراشدها، وبما يحقق السلام بمعناه الشامل..

وبالله تعالى التوفيق

أحمد علي سليمان

الباحث والمحاضر في الفكر الإسلامي - المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية   


تمهيد:

لعل من أهم المشكلات الاجتماعية العالمية وأكثرها ضراوة مشكلة التلوث البيئي التي يعانى منها المجتمع المعاصر بشرقه وغربه، والتي انتشرت آثارها السئية، في كل أنحاء المعمورة، والتي تصل بتأثيرها البالغ إلى درجة تتعلق بأمننا القومي بل والإنساني، والتي يجب أن توليها حكومات وأجهزة ومنظمات العالم، وشتى المؤسسات والأفراد اهتماما كبيرا وعناية خاصة؛ لأنها تتعلق بمستقبل الأجيال القادمة؛ ذلك أن المياه تواجهها تحديات جسام على كافة الأصعدة (الطبيعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية.. وغيرها)، الأمر الذي يجعل دراسة أبعاد هذه المشكلة دراسة علمية منهجية معمقة من الأهمية بمكان؛ للفت النظر إليها وتسليط الأضواء عليها، وشحذ همم الباحثين لدراستها بجدية، لوضع تصورات منطقية وأطر نظرية وتطبيقية لحلول قابلة للتنفيذ، لمواجهة هذه المشكلة التي تؤرق الناس على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم، قبل أن تتفاقم الأمور وتصبح خارج نطاق السيطرة.. ذلك أن الماء هو أساس الحياة والأحياء على وجه الأرض..

ففى ظل الارتفاع الكبير في المستوى المعيشي، وفي ظل سوء إدارة المياه، وأيضا الغياب النسبي لدور العلماء والمتخصصين في مجالات المياه وقلة الاستفادة من خبراتهم في علاج هذه المشكلة.. وفى ظل كثرة الصناعات التي تعتمد بشكل كبير على استهلاك واستنـزاف كميات كبيرة جدا من المياه، وفي ظل سوء شبكات الري الزراعي، وسوء شبكات الصرف، وعدم التوسع في تقنيات الري بالتنقيط، وعدم التوسع في زراعة المحاصيل الزراعية التي تتحمل الجفاف وتعتمد على كميات أقل من المياه، وفي ظل سوء استغلال المياه الجوفية وغياب المنهجية العلمية في إدارتها، والاعتداء عليها بشكل قد يؤدي إلى نضوب الكثير من آبارها، وفي ظل الإسراف والتبذير الكبير في المياه الصالحة -التي تنفق عليها الدول المليارات من الدولارات- في غسيل السيارات، ورش الشوارع، وري البساتين وإزاحة الصرف الثقيل في الحمامات...إلخ، وفي ظل الصراعات القائمة في بعض دول منابع الأنهار والتوجهات المتتالية لتقليل حصص الدول العربية والإسلامية المستفيدة من تلك المياه، وتنكر بعض الدول للاتفاقيات المنظِمة والمقرِّرة لحقوق بعض دولنا في تلك المياه، في ظل تحرك صهيوني ماكر في تلك الدول للتأثير على هذه الحصص -وهذه سياسة إسرائيلية قديمة، حيث أعلنت جولدا مائير قبل عقود من الزمن في خطاب لها بقولها: "إن التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة -أي النيل والفرات- سيكونان في قبضتنا" ([3]) ويبدو أن هذه السياسة الاستراتيجية تسعى إسرائيل لتحقيقها، ولا أدل على ذلك مما نشهده اليوم من تحالفات بين إسرائيل وإثيوبيا، وبين إسرائيل وتركيا.. وفي ظل عوامل الهدر والبخر والإسراف في تلك المياه المحدودة في الأساس.. وفى ظل عدم انتشار "الوعى المائي" لدى الناس.. وفى ظل عدم تركيز أجهزتنا المختلفة لاسيما أكثرها تأثيرا كوسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والتربوية على إبراز خطورة هذه القضية التى لم تحظ باهتمام لائق على كافة الأصعدة..

ويحذر الدكتور/ كويتشيرو ماتسورا المدير العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة بباريس، من خطورة هذه القضية فيقول: ".. يتوقع الخبراء أن يبلغ عدد المتضررين من نقص المياه ملياران من البشر بحلول عام 2025م، وثلاثة مليارات بحلول عام 2050م، فضلا عن آفة التصحر التي أصابت أكثر من ثلث مساحة الأرض خلال القرن العشرين، وقد تضرر منها حوالي مليار إنسان في (110) دولة، ويُتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام بحلول عام 2050م" ([4]). كما يحذر الدكتور محمود أبو زيد: "من أن المؤشرات الحالية توضح أن 26 دولة من دول العالم يقطنها حوالي 300 مليون نسمة تعاني من مشكلات نقص المياه، ومتوقع بحلول عام 2050 أن يصل هذا العدد إلى نحو 66 دولة" ([5]) وذلك إذا لم نأخذ في اعتبارنا التدابير اللازمة لتوفير الكميات اللازمة من المياه من خلال مصادر بديلة وغير تقليدية، كتحلية المياه المالحة، والتوسع فيها.. وغيرها.

وإذا كانت مشكلة المياه مشكلة عالمية تعاني منها عديد من الدول، فإنها في بلادنا العربية أكبر حجما وأكثر خطرا، ولها جذور وخلفيات طبيعية واجتماعية وسياسية وغيرها، وتواجهها الكثير من التحديات؛ لذلك فلابد من تكثيف دراسة هذه المشكلة في بلادنا، والتركيز على إبراز منهج الإسلام في العناية بالمياه، وإخراج كنوز ثراثنا العربي والإسلامي المتصل بهذه القضية، وترسيخ أبعاد هذه المشكلة في ضمير المسلم المعاصر، ليعلم أن منهج الله جاء للصلاح والإصلاح، وأن علاقة الإسلام بالبيئة بكافة عناصرها بما فيها الماء علاقة سلام وانسجام..

وفي هذه الورقة نتحدث عن منهج الإسلام في الحفاظ على المياه باعتبارها من أهم عناصر البيئة.. ويتركز حديثنا في عدة قضايا على النحو التالي:

أولا: الماء ونشأة الحضارات

الماء هو المكون الأساس في نشأة الحياة وتطور الحضارات الإنسانية عبر تاريخ الإنسانية المديد، ولولا الماء مع العوامل الاساسية الأخرى لَمَا كان البشر ولا الحيوان ولا النبات... مصداقا لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30].

وعندما يبحث علماء الفلك عن الحياة في كواكب أو عوالم أخرى، فإنهم يستدلون على ذلك من خلال ما يشير إلى وجود الماء في حاضر أو ماضي تلك الكواكب. لذا فإن الكائنات الحية كلها -وعلى رأسها الإنسان- تدرك بأن الماء يساوي الحياة ([6]).

ذلك أن المتتبع لحركة الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الآن، يلحظ أن الموارد المائية كانت ومازالت وستظل هي نقطة الالتقاء والتجمع؛ لما لها من أهمية قصوى في حياة الكائنات الحية، من حيث كونها مصدرًا أساسًا من مصادر استمرار الحياة،  ومن حيث الوظائف التي تضطلع بها فى المجالات المختلفة للبيئة التي يعيش فيها الكائن الحي، مثل الزراعة والصناعة والإسكان والشرب والنظافة... إلخ.

ولما كان الماء هو الأساس في نشأة الحضارات الإنسانية وتطورها؛ فإن حضارات السومريين والبابليين والآشوريين والفينيقيين والفراعنة، نشأت فى أحواض الأنهار، كذلك فإن المدن التاريخية الكبرى ازدهرت على ضفاف الأنهار، فبغداد ودمشق والقاهرة ولندن وباريس وبرلين، بُنيت على ضفاف دجلة، والفرات، والنيل، وبردى، والتيمس، والسين، والراين -على التوالى- وهكذا في كل مدينة أو منطقة حضارية كان الماء هو المصدر الأساس لتجمعها وحضاراتها ([7]).

لقد نشأت الحياة على الأرض منذ بدء الخليقة، وستبقى إلى أن يأتي أمر الله -تعالى- مرتبطة بالماء، فهو النعمة المهداة من الخالق العظيم، إلى مخلوقاته كي تستمر في العيش إلى ما شاء الله ([8]).

إن الماء آية من آيات الله -سبحانه- تنطق بعظمته ووحدانيته وإبداعه.. فأي عظمة فى هذا السائل العجيب الذي لولاه لما كانت الحياة!!

ومهما تتبعنا فوائد الماء فإننا لا نستطيع أن نحصيها عدًّا؛ بل لا نستطيع إلا عدّ القليل منها.. فالنبات يعلم تماما ما هو الماء، وكذا الجماد والإنسان والحيوان والعالم والجاهل والرضيع والكهل، كل يقر بنعمة الماء الذى لولاه لمَاَ عاش مخلوق على هذه اليابسة.

 وفى الماء تعيش أنواع كثيرة من الكائنات الحية، ونجد في البحار والمحيطات مملكة الأسماك التي تعتمد اعتمادا كاملا على الماء، كما يعد الماء أيضا سبيلاً لمواصلات الإنسان منذ قديم الزمان، حيث تمخر السفنُ البحارَ ويركبها الإنسان؛ لينتقل سعيًا وراء لقمة العيش، كما أنه يدخل في بناء البيوت..إلخ.

إن الخالق العظيم جعل الماءَ هو السائل الوحيد للإرواء الآدمي والحيواني والنباتي، حيث قضى -سبحانه- أن يكون فيه سر الحياة على الأرض، وهكذا فإن كوب الماء العذب للظمآن في الصحراء لا يعدله ثمن لأن فيه بقاءه. فضلا عن أنه السائل الوحيد اللازم لإذابة العناصر الغذائية الداخلة إلى الأجسام الحية، واستخراج العناصر التي لا يرغب في بقائها، ومن ثم فالماء هو أفضل مجال لحياة الكائنات الدقيقة، وانتشار الرطوبة في الجو ([9]).

 فما أعظم نعمة الماء..!! باعث الانتعاش والرطوبة وملطف الجو، وبه تزول شدة القيظ، وينطفئ ظمأ العطشان، وتخضر الأرض الجافة وتتفتح الزهور للحياة، فتنشر العطر والبهجة على الأرض.. فسبحان الله الواحد الذي خلق الماء ليجعل منه نعمًا عظمى ليس في مقدورنا أن نحصيها..([10]) وصدق الله القائل: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: 18]. فتبارك الله أحسن الخالقين.

ثانيا: أنواع الماء

الماء إما أن يكون مالحًا، وإما أن يكون عذبًا، وسنركز على الماء العذب نظرًا لأهميته القصوى للكائنات الحية.. يتنوع الماء العذب إلى ثلاثة أنواع هي: المياه الجوية، والمياه السطحية، والمياه الغائرة (الجوفية).

فالمياه الجوية: هي كل ما أمطرته السماء من مطر وثلج وبَرَدٍ، ويعد هذا النوع من أنقى أنواع المياه لأنها مقطرة، ولكن هذه المياه قد تتلوث قليلاً أو كثيرًا بما تجرفه أثناء نزولها من غبار الهواء وغازاته وأقذاره، لا سيما في بدء المطر أو في الأمطار الأولى خاصة.

والمياه السطحية: هي المياه الموجودة على سطح الأرض، وتكون إما جارية كالأودية والأنهار([11])، أو راكدة كالبحيرات.

 والمياه السطحية تجرف معها ما تقدر على حمله من الأجسام والمواد المختلفة من أنقاض نباتية وحيوانية وجراثيم وذرات ترابية ومعدنية.. ولذلك تكون المياه السطحية مياهًا ملوثة، ولكنها قد تصفو بعدة عوامل، أهمها:

1.     ذاتيا، وذلك بأن يتسرب ما فيها من عوالق وغيرها في القاع، لا سيما إذا جرى الماء جريانًا طويلاً.

2.      بفعل الشمس والهواء اللذين يقتلان الجراثيم السطحية.

3.     بالفعل الحيوي لبعض الجراثيم التي تفكك المواد العضوية وتمنع نمو بعض الجراثيم الأخرى.

4.     بمرور ماء جديد.

5.      بالحيوانات والنباتات المائية التي تمتص الأقذار وتتغذى بها كالطيور والأسماك والطحالب وغيرها ([12]).

أما المياه الجوفية: فهي مياه تنشأ من مصادر متعددة، أهمها: مياه الأمطار، ومياه الأنهار والبحيرات، والمياه الجوفية الناتجة عن النشاط البركاني، ومياه البحار والمحيطات نتيجة تسربها إلى خزان المياه الجوفي، وكذلك من المياه التي تخزن في الصخور الرسوبية أثناء عملية ترسبها([13]).

وهذه المياه تغيض في التربة التي يكون فيها ما يساعد على نفوذ الماء، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18]، وتنفذ المياه الجوفية في الأرض، وتسيل منحدرة حتى تصادف طبقة لا تسمح بتخطيها والنفاذ منها -كطبقة صخرية أو غضارية- فتقف فوقها وتتراكم، ومن ثم تشكل المياه الغائرة السطحية. وقد تجد هذه المياه منفذًا لها من تحت الوادي فتخرج في شكل عين أو يُنبوع، أو تجد لها منفذًا فيما تحت الوفاض الأول فتغور بعدها، حتى تصل إلى طبقة كثيفة ثانية وتشكل المياه الغائرة العميقة ([14]). وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) [البقرة: 74]، ويقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ)[الزمر: 21].

والمياه الجوفية تخرج إما عن طريق الينابيع، أو عن طريق الآبار.

والينابيع على شكلين:

الأول حقيقي: وهو مخرج المياه الغائرة العميقة، وتكون مياهه ثابتة المقدار والحرارة، ولا تؤثر فيها كثرة الأمطار ولا برودة سطح الماء أو سخونته، وتكون مياها نقية.

والثاني غير حقيقي: وهو الينبوع الذي تؤثر فيه كثرة الأمطار، وتكون حرارته غير ثابتة، ولا يؤمن نقاء مياهه لقرب اتصالها بسطح الأرض.

والآبار نوعان: أ. آبار عادية: يحفرها الإنسان في الأرض للوصول إلى طبقة المياه الغائرة، ثم يُستخرج ماؤها بأساليب مختلفة([15]).

ب. آبار ارتوازية: يخرج ماؤها من تلقاء نفسه لكونه في باطن الأرض أعلى من فوهة البئر" ([16]).

وجدير بالذكر أن المياه الجوفية تشكل حوالي 24% من إجمالي المياه العذبة في العالم، وما يقرب من 6,0% من مخزون المياه الموجودة على الكرة الأرضية، وبهذا تكون المياه الجوفية مستودعًا كبيرًا للمياه العذبة على الأرض، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) [البقرة: 74]. كما تعتبر المياه الجوفية المورد الأساس للمياه في الكثير من بلدان العالم الصحراوية التي تفتقر إلى الأنهار، مثل المملكة العربية السعودية، ودول الخليج العربي، وليبيا... وغيرها، وإن كانت بعض هذه الدول قد خطت خطوات رائدة في مجال تحلية المياه المالحة مؤخرا كالمملكة العربية السعودية

 وعلى الرغم من أن مياه الآبار والينابيع تعد من أقل أنواع المياه تلوثًا نتيجة لمرور المياه السطحية بعدة طبقات تعمل كمرشحات للجراثيم والميكروبات، فإنها يمكن أن تتلوث إذا جاورت مصادر التلوث الأخرى كخزانات الصرف الصحي -خاصة المياه الجوفية القريبة من سطح الأرض- كما يمكن أن تكون المياه الجوفية من نوع الماء العسر نتيجة لتسرب كميات من الأملاح المعدنية إليها مثل: الكالسيوم والماغنسيوم، وهذا يؤثر على إمكانية استخدام المياه في الأغراض المختلفة، كما يؤدي تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي إلى انتشار الأمراض الطفيلية. ويمكن التحكم في تلوث المياه الجوفية بدق المضخات على أبعاد تؤمنها من خزانات الصرف الصحي أو مصادر التلوث الأخرى، كما يجب تحليل الماء الخارج أو المستخرج من الآبار؛ لمعرفة نسبة الأملاح به، ومن ثم الامتناع عن استخدامه إذا كانت نسبة الأملاح به عالية ([17])، وهكذا..

ثالثا: عناية الإسلام بالماء

نظرًا لعظم الماء وأهميته القصوى باعتباره الوقود المحرك لحركة الحياة بأسرها، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم ثلاثا وستين مــرة([18])، بالمشتقــات التاليـة:

 (ماء "تسعة وخمسون مرة"– ماءك "مرة واحدة"– ماءها "مرة واحدة"– ماؤكم"مرة واحدة" – ماؤها "مرة واحدة") - منها ثمان وثلاثون مرة في الآيات المكية، وخمس عشرة مرة في الآيات المدنية- ([19])، وذلك لتوعية الإنسان بهذه النعمة ليحافظ عليها، ويعمل جاهدًا على تجنيبها أخطار التلويث([20]) والإسراف..

 وقد أكد الخالق -سبحانه وتعالى- على أهمية الماء لحياة كل الكائنات؛ باعتباره عنصر مهم للغاية يجب الحفاظ على نقائه وخصائصه التي خلقه الله -تعالى- عليها، لاستمرار الحياة والأحياء التي تعتمد في وجودها على بقائه بهذه الخصائص، وإذا انعدمت أو قَلَّت، انعكس هذا على الحياة والأحياء بالعدم والفناء ([21])، يقول الحق تبارك وتعالى: )أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ( [الأنبياء:30 ]، ويقول جل وعلا: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء) [النور: 45].

ويذكرنا ربنا سبحانه وتعالى بأهمية هذا المصدر الحيوي حتى نحافظ عليه، فيقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [الحج : 63]. 

والناظر في كتاب الله -تعالى- يلاحظ أن معظم المواضع التي ورد فيها ذكر الماء، يكون ذكره فيها مرتبطا بالأرض، وهي إما ميتة أو هامدة أو خاشعة، فينـزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت كل ما هو مخضر بهيج (.. وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: 5] فكأنَّ الماء بمثابة الروح للجسد، يحيا عندما تُنْفَخ فيه تلك الروح، ويموت عندما تفارقه..([22]).

ولأهمية الماء البالغة جعله الله -عز وجل- وفيرًا، وجعل الناس شركاء فيه، وجعل حق الانتفاع به مكفولا للجميع بلا احتكار، وبالتالي لا يجوز لأحد أبدًا أن يحتكر مصادره أو يمنع من يحتاج إليه، ويؤكد النبي (صلى الله عليه وسلم) هذه الحقيقة بقوله: (المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار) [أخرجه أبو داود].

رابعا: الإعجاز الإلهي في خلق الماء

لما خلق الله -تعالى-  الماءَ وجعله أساسَ الحياة، جعل معه ما يحفظه، حيث حفظ مياه البحار والمحيطات بإضافة الأملاح إليها، وهذه الأملاح تعد بمثابة المادة الحافظة لها من الفساد([23])، كما حفظ الماء العذب بجريانه في إطار حركة دائبة، لا تنقطع أبدًا، سواء أكان الماء معلقًا في السحاب، أم صاعدًا من الأرض إلى السماء في صورة بخار، أم نازلا ثانية من السماء إلى الأرض في صورة أمطار، أم منسابًا على سطح الأرض في صورة أنهار، أم عندما يصل جريانه إلى الأعماق؛ ليسلك طريقه إلى جوف الأرض... كل هذه الحركة تمنع فساده وتزيل شوائبه، وتجدد طهارته..

ولا شك أن هذا في حد ذاته إعجاز عظيم في الكون([24]) وعلى الرغم من ذلك، فإن الإنسان يضييع الكثير من الماء، ويفسد البعض الآخر مع أنه مصدر حياته..!!

وتتجلى عظمة الخالق العظيم –سبحانه وتعالى- في هذا المخلوق "الماء" حيث ميَّزه بخصائص تبرز قدرته سبحانه وإعجازه في خلقة؛ فالماء سائل شفاف لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة له. وهو يتكون من اتحاد عنصري الهيدروجين والأوكسجين. وتركيبه الكيميائي كما هو معروف (يد 2أ)، أى ذرتان من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين ([25]). ويوجد الماء في  حالات ثلاث:

الأولى: الصلبة (الثلج)

الثانية: الغازية (البخار)

الثالثة: السائلة

الدورة المائية (الهيدرولوكية) في القرآن الكريم:

 ومن عظيم قدرة الله، أنه جعل الماء يتشكل حسب البيئة التي يوجد فيها، فهو تارة شلال جارف، وتارة أخرى يرتفع بقوة نحو السماء؛ ليعود فيسقط ثانية، وهكذا من خلال ما يسمى بالدورة الهيدرولوكية([26]): hydrologic cycle الدورة المائية من البحر إلى اليابسة من خلال الغلاف الجوي وعودتها من اليابسة إلى البحر، حيث يرسم الماء خلال حركته على سطح الأرض، دورة مغلقة تدعى عادة "بالدورة الهيدرولوكية" وتتم هذه الحركة بتأثير عدة عوامل، أهمها: الطاقة الشمسية الساقطة على سطح الأرض، والثقالة (الجاذبية)، فبتأثير الأشعة الشمسية، تتبخر كميات كبيرة من مياه البحار والمحيطات، حيث تتكاثف على شكل سحب وضباب، تنتقل بعدها هذه السحب على سطح الأرض وباتجاه اليابسة في أغلب الأحيان، بتأثير التيارات الهوائية وحركة الغلاف الجوي، حيث تهطل بسبب عوامل معينة على شكل أمطار أو ثلوج، تغذي الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات لكي تبدأ الدورة المائية من جديد ([27]).

     ولتوضح هذه الدورة، نؤكد أن الغلاف الجوي (السقف) يحتوي على بخار الماء المتصاعد من داخل الأرض والذي بخرته الشمس من المسطحات المائية كالمحيطات والبحار، والدفع به إلى أعلى حيث تثير به الرياح -وهي التيارات الهوائية- السحب، فيتكاثف إلى مطر، يرجع إلى الأرض اليابسة، فيحييها، وفي ذلك يقول الله تعالى: )اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ( [فاطر:9], وقال: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ([ الحجر: 22]. ثم يعود الماء إلى البحار والمحيطات من خلال الأمطار والأنهار والينابيع, ومن ثم فهما مصدرا الماء العذب على الأرض كلها، وهو غير مخزون ولكنه دورة بين السماء والأرض، ذلك أن الماء المخزن في الأرض مدة طويلة يذيب أملاحا فينشرها فيصير مالحا أجاجا. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنـزِلُونَ)[ الواقعة: 68-69]. إن الطبقة السفلى من الغلاف الجوي تعيد بخار الماء المتصاعد إليها بشكل مطر، وبهذا فإن الآية الكريمة تشير إلى الدورة الهيدروليكية المستمرة والمسخرة بين المحيطات والأنهار من جهة، وبين سحب الغلاف الجوي من سمائنا من جهة أخرى، فإذا تبخر جزء من ماء الأرض بحرارة الشمس فإنه يعود إليها من السماء على هيئة أمطار. قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18]، والتعبير القرآني "بقدر" إشارة صريحة إلى توازن توزيع الماء، فالأنهار مثلاً تنساب بصفة دائمة طوال السنة رغم أن الأمطار موسمية ولبضعة شهور فقط([28]).

     إن تغذية الأنهار وغيرها من مصادر المياه تتم بقدر وبكميات مقننة بقدرة الله -سبحانه وتعالى- والتوازن واضح أيضًا في تصريف المياه وعودتها إلى البحار أو الهواء بشتى الطرق، وكذلك تكوين الضباب والسحاب لتتكرر الدورة، ولولا هذا التصريف لاجتاحت الفيضانات والسيول الكرة الأرضية كما يحدث أحيانًا حينما تتعطل مؤقتا -لحكمة إلهية- العمليات الطبيعية المذكورة في الدورة الهيدروليكية لتعطي للإنسان إنذارًا وتجعله شاكرًا لله على استمرار هذه الدورة في توازن مستمر تؤدي فيه السماء دورًا أساسيًّا بإعادة الأمطار من السحاب إلى الأرض ([29]) بإرادة الله وقدرته.

      ولاشك أن الدورة المائية تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله وإعجازه في خلقه؛ ذلك أن بخار الماء المندفع من داخل الأرض أو المتبخر من سطحها ما كان ليرجع إلينا أبدًا, لو لم يخص الله تبارك وتعالى الغلاف الغازي المحيط بالأرض (نطاق المناخ) بتناقص في درجة الحرارة كلما ارتفعنا حتى نصل إلى ناقص60 د.م. على ارتفاع حوالي 10كم من سطح البحر، حيث يتكثف بخار الماء عند اصطدامه بهذا النطاق, فيعود منه مطر أو برد أو ثلج، فهذه إحدى صور الرجع، وأحد مظاهر الحفاظ على الأرض وما فيها. واستكمالا للعطاءات الإلهية للبشر، فقد جعل الله تعالى البخر من أسطح البحار والمحيطات يفوق ما يسقط فوقها من مطر بحوالي 36000 كم مكعب, وأن المطر فوق اليابسة يزيد على البخر من سطحها, بنفس القيمة التي تفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات, ولولا هذه الدورة لفسد ماء الأرض كله في فترة زمنية وجيزة ([30]). كما جعل سبحانه بخار الماء (السحب) سببًا في منع معظم الأشعة الحرارية طويلة الموجة (تحت الحمراء) الوافدة إليها من الخارج (الكون والشمس خاصة) التي تمتصها صخور الأرض والمحيطات ([31]) وتعيد إشعاعها في الجو بعد غياب الشمس.

    وهكذا تبين من الدراسة المتأنية للقرآن الكريم أن مفهوم "الدورة الهيدرولوكية" واضح ومبين في كثير من آياته وضوحًا يلفت الأنظار. والآيات التي تتناول الدورة تتناولها في قسمين: الأول: يبين الحلقات الأولى من الدورة، والثاني: يبين الآيات الدالة على أصل المياه الجوفية والسطحية أو الحلقة الأخيرة من الدورة.

 فالأول: التبخر والانتقال والهطول، وفي ذلك يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 57]. ويـقول جـل شأنه: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)[الروم : 48]، وتحمل الآيتان دلالة واضحة، ويكفي أن نعبر عنها كما يلي: رياح مرسلة، تحمل سحابًا يساق إلى اليابسة، ينـزل به المطر. ويلاحظ دقة العبارة القرآنية، حيث يقول الله عز وجل: (فأنزلنا به الماء..) والضمير في (به) عائد على السحاب، وقد ثبت حديثًا أن السحاب هو الواسطة لإنزال المطر، ويُعد مكثفًا لبخار الماء الذي تحمله الرياح وخاصة في الأمطار الغزيرة.

والثاني: التسرب وأصل المياه السطحية والجوفية، ومن الآيات الواردة في هذا الخصوص -وهي كثيرة-: قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] يقـول الإمـام القـرطبي -رحـمه اللـه- في تفسيره لهذه الآية: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) إشارة إلى الماء العذب وأن أصله من البحر، رفعه الله بلطفه وتقديره من البحر إلى السماء حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض لينفع به، وأخبر الله بأن الماء الذي أنزله من السماء استودعه في الأرض وجعله فيها مختزناً لسقي الناس؛ يجدونه عند الحاجة أهـ. ويقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ) [الزمر: 21] يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: أنزل من السماء، أي من السحاب ماء، أي المطر، فسلكه: أي أدخله في الأرض وأسكنه فيها. قال الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل. وتدل هذه الآية دلالة بينة على وضوح مفهوم الدورة المائية في القرآن الكريم. وهذا ما لفت انتباه العالم الفرنسي موريس بوكاي مؤلف كتاب "الكتاب المقدس والقرآن والعلم" حيث عقد في كتابه فصلاً بعنوان : "الدورة المائية في القرآن الكريم" ختمه بهذه العبارة : "وإذا قارنا بين المعطيات الهيدرولوجية الحديثة وتلك التي تستقى من عديد من الآيات القرآنية نلاحظ وجود توافق شديد ملحوظ بينهما". لعل هذا المفهوم العلمي الواضح للدورة الهيدرولوجية في القرآن الكريم هو الذي هيأ ظهور فكرة الدورة الهيدرولوجية في وقت مبكر على يد المهندسين المائيين المسلمين ([32]).

هذا وقد انفرد الماء بخواص تميزه عن سائر المواد الأخرى، أهمها:

1.  أنه تجرى فيه جميع التفاعلات الحيوية في بدن الكائن الحي من إنسان وحيوان ونبات.

2.  أنه يسهم في تنظيم حرارة الجسم بالتعرق، ذلك أن الجسم يطرح كل يوم ما بين لترين وثلاثة لترات من الماء في الكليتين (1400 ج) والجلد (850ج) والرئتين (800ج) والأمعاء (بضعة جرامات) ويعوضها بالماء الذي يتناوله الإنسان في طعامه وشرابه ([33]).

3.  للماء حرارة نوعية، وهو بذلك يعد وسيطا ممتازًا لانتقال الطاقة الحرارية، ومن ثم فإنه يقوم بدور مهم ورئيس في ضبط حرارة الجسم بالنسبة للإنسان وغيره من الأحياء.

4.  أنه يذيب المواد الغذائية داخل جسم الإنسان؛ لتعمل فيها العصارات الهاضمة، ثم يحمل هذه المواد أثناء امتصاصها من الأمعاء وفي تجوالها مع الدم إلى الأنسجة، ليلتقط كل منها ما يحتاجه ويناسبه، فالغدد اللعابية تفرز حوالي 5,1 لتر في اليوم، والمعدة تفرز 5,2 لتر، والأمعاء والبنكرياس يفرزان 5,4 لترات.

5.    أنه يتميز بخاصية الطفو: فكثير من العناصر عندما تختلط بالماء تطفو على سطحه.

6.  أنه يتميز بخاصيته في الإذابة، ويساعده في ذلك أن الشحنات الكهربائية فيه موزعة بحيث يكون جزء من ذراته سالبا والآخر موجبا، فيبدو الماء وكأنه مغناطيس، يجذب إليه المواد الأخرى ويقوم بإذابتها، وإن كانت سرعة ذوبان المواد فيه مختلفة، وعندما يقوم الماء بجذب الأيونات الموجبة أو السالبة من المواد الأخرى فإنها لا تعود للتجاذب فيما بينها وتختفي بين ذرات الماء([34])  ولهاتين الخاصتين -وغيرهما- أمرنا الله -سبحانه وتعالى- أن نستعمل الماء في التطهر لتذوب المواد التي نريد التخلص منها، وتبتعد عن الجسم المراد تنظيفه. ولهذا نص المفكرون على أن الماء  "مزيل للقاذورات والأوساخ ومُذْهِب لعين النجاسة وأثرها، بما فى ذلك الرائحة الكريهة التي تؤذي الإنسان، وأنه يزيل الأوساط الملائمة لتكاثر الجراثيم وطفيليات الأمراض المعدية". وإن الذى يميز الماء ويكشف عن حكمة استخدامه في التطهر هو مقارنته مع السوائل الأخرى التي لو استخدمت في التطهر لأدى ذلك إلى جذب الحشرات إلى جلد الإنسان، لما تحويه هذه السوائل من روائح ونكهات –على عكس الماء الذي يتميز بأنه لا رائحة له- ومواد تغري الحشرات، فتتهافت عليه مسببة القرص واللدغ والإزعاج، بالإضافة إلى ما تنقله من أمراض، كما أن أي سائل غير الماء يبطل عمل المنظفات المستعملة معه كالصابون وغيره ([35]). 

7.  والماء يدخل في كل العمليات البيولوجية والصناعية، ولا يمكن لأي كائن حي مهما كان شكله أو نوعه أو حجمه أن يعيش بدونه، ذلك أن البروتوبلازم -وهي المادة الحية في جسم الكائنات والمخلوقات- عبارة عن محلول لعدد من المواد المعلقة في الماء. وهو الوسط الذي نشأت فيه جميع أنواع الحياة، ولا يمكن أن يوجد بروتوبلازم بغير ماء ولا حياة بغير بروتوبلازم. وقد أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت على الخلية أن الماء هو المكون المهم في تركيب مادتها، وهو وحدة البناء في كل كائن حي نباتًا كان أم حيوانًا.. إلخ، كما أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث جميع التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء: فهو إما وسط أو عامل مساعد، أو داخل في التفاعل، أو ناتج عنه ([36]).

8.  وإلى جانب كون الماء مادة الحياة، فهو موطن الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي تعمر المحيط الحيوي، ويكون حوالي 60 - 70% من أجسام الأحياء الراقية بما فيها الإنسان، وترتفع هذه النسبة إلى حوالي 90% من أجسام الأحياء الدنيا. ولذلك كله كانت الحياة فوق هذا الكوكب مرتبطة بوجود الماء فيها على حالته الطبيعية النقية التي خلقه الله عليها، فإذا أصابه ما يغير أحد خواصه، كان ذلك مؤشرًا على خطر كامن يتهدد الحياة ([37]).

وهكذا.. وعلى الرغم من التقدم العلمي والتقني الذي تشهده البشرية، فإنها لم تستطع أن تتوصل إلى بديل صناعي آخر يمكن أن يحل محل الماء.. وصدق الله القائل: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30].

خامسا: المــاء والعبادة

جاء الإسلام للدين والدنيا معا, فكما شرع نظمًا للحكم وأخرى للعلاقات الاجتماعية والاقتصاد والأخلاق, وضع منهجًا فريدًا متكاملا لحفظ الصحة العامة للإنسان, فكان الدين الوحيد الذي جاء بدستور ينظم الطب والعلاج وصحة المجتمع. والطب الوقائي في الإسلام يقوم على الأسلوب الإيماني في إيجاد المجتمع الصحي, وهو أسلوب يرتكز على ربط التعاليم الصحية بعقيدة المسلم, والاستفادة من تأثير الإيمان والتزام الناس بالإسلام في اتباع الأوامر الصحية([38]).

ولقد اهتم الإسلام أكثر من أي دين آخر وأي أمة من الأمم بإيجاد البيئة الصحية المثالية وجعلها جزءا من تعاليمه الرئيسة. إذ كان أول ما نزل من القرآن يدعو للعلم، وثاني ما نزل يدعو للنظافة, فقال في الأول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1]، وقال في الثانية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر:4]، فكان الإسلام دين علم ونظافة أو دين نظافة بعلم, وكانت بذلك أمة الإسلام منذ ولادتها أمة نظافة, حيث جاءت تعاليم الإسلام آمرة بالتحري التام في موضوع النظافة, قبل معرفة الجراثيم والميكروبات والكائنات الدقيقة ([39]) وما ينجم عنها من أمراض خطيرة وأوبئة, بأربعة عشر قرنا, إذ إن أغلب الأمراض الجرثومية سببها الأساس، انحدار مستوى النظافة أو عدمها، المسمى في لغة الشرع بالنجاسة. ولقد وردت الطهارة ومشتقاتها في (31) موضعا تقريبا في القرآن الكريم, وبأساليب متعددة مختلفة كالمنة والفضل من الله في مثل قوله تعالى: )وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ( [الأنفال:11] ووردت كذلك في صيغة الأمر: )وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ( [المدثر: 3-4] وفي صيغة الترغيب حين أثنى سبحانه وتعالى على أهل مسجد قباء بقوله: )فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)[التوبة: 108]. وجاءت في السنة الشريفة أحاديث كثيرة تبين أهمية الطهارة وترغب فيها، منها قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الطهور شطر الإيمان)[رواه مسلم في كتاب الطهارة], وقال أيضا: (طهروا هذه الأجساد طهركم الله) [رواه الطبراني في الكبير]. وتأكيدًا على دور الطهارة والنظافة في الصحة العامة، يحث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المداومة على حالة الطهارة حتى خارج أوقات الصلاة, حيث يقول لأنس بن مالك رضي الله عنه: (يا بني إن استطعت ألا تبيت إلاَّ على وضوء فافعل, فإنه من أتاه الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة) [رواه الطبراني في المعجم الصغير] ([40]).

     هذا وقد جعل الله سبحانه وتعالى الماء أساسا للوضوء والغسل والنظافة وجعلها من القواعد والمعالم الرئيسة للصحة العامة في الإسلام، باعتبارها مقدمات لازمة للعبادة، بحيث لا تصح العبادة بدونها، يقول تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) [الأنفال:11]. وقد حرص الإسلام على النظافة بشقيها المعنوي والحسي، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [البقرة : 222]. وجعل سبحانه الوضوء مقدمة للصلاة، وهو مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، ويلاحظ أنه قبل الدخول في الصلاة يؤمر المسلم بالاستنجاء من الخبث والنجس، وستر العورة بلباس طاهر، والوقوف على مكان طاهر، ثم يشرع يتوضأ خمس مرات في اليوم والليلة للصلوات المفروضة، وأكثر من ذلك عند صلاة النوافل.. وفي الوضوء شمولية النظافة لكثير من أعضاء البدن، حيث غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح بعض الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين، بالإضافة إلى مسنونات الوضوء، كالمضمضة والاستنشاق ومسح الرأس وغسل الأذنين وتخليل اللحية الكثة وتخليل الأصابع، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) [المائدة: 6]، والمتأمل في شعيرة الوضوء يرى أن تلك الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها عند القيام إلى الصلاة هي الأعضاء التي تحتاج دائمًا إلى التطهر من أثر الملامسة المتكررة والإفرازات التي لا تنقطع. وهكذا يرشدنا ربنا –سبحانه وتعالى- إلى أهمية الوضوء والتطهر، حماية للجسد مما يطرأ عليه من آفات تضر البدن وتؤثر في الصحة ([41]).

وتتجلى حكمة غسل كل عضو بالماء، كما يلي:

1. غسل الكفين إلى الكوعين: "لكثرة استعمالهما في الملامسة والمصافحة والأخذ والعطاء وللاعتماد عليهما في القيام والقعود..".

2. المضمضة: "فمضمضة الفم بالماء ثلاث مرات، تخلصه من عدد هائل من الكائنات الدقيقة، حيث تستقر فيه أعداد وأنواع كثيرة منها، تزيد على الثلثمائة مستعمرة، وقد يصل عدد الجراثيم في اللعاب إلى ما يقرب إلى مائة مليون جرثومة، كما توجد بعض الفطريات والطفيليات الأولية بأعداد هائلة، وهي تتغذى على بقايا الطعام الموجود بين الأسنان، وينتج من نموها وتكاثرها أحماض وإفرازات كثيرة، تؤثر على الفم ورائحته وعلى لون الأسنان وأدائها، والمضمضة بالماء ثلاث مرات في خمسة أوقات من اليوم، تخلص الفم من عدد هائل من هذه الكائنات ومن أضرارها".

3. الاستنشاق والاستنثار: فاستنشاق الماء واستنثاره من الأنف له فوائد صحية كثيرة، تتمثل في:

- يقي الشخص من الزكام المتكرر.

- يزيل المفرزات المتراكمة في جوف الأنف، والغبار اللاصق على غشائه المخاطي، كغبار المنـزل، وبعض بذور الفطريات والعفنيات المتناثرة في الهواء.

- يحمي الجهاز التنفسي من الإصابة بكثير من الأمراض وخاصة السل الرئوي والتهاب القصبات.

- يرطب جوف الأنف للمحافظة على حيوية الأغشية المخاطية داخله.

4. غسل الوجه: يزيل آثار العرق والغبار اللذين يسببان أضرارًا بالعينين.

5. غسل اليدين وتخليل الأصابع: لأنهما معرضتان للأوساخ ولأن ما بين الأصابع معرض للتخمر والتعفن.

6. غسل القدمين: لأنهما تمسان الأرض غالبًا، وتباشران من الأدناس ما لا تباشره بقية الأعضاء؛ لذلك كانتا أحق بالغسل، وغسل القدمين في فصل الصيف يقيهما من التعفن والالتهابات الجلدية والفطرية وحمايتهما من الروائح الكريهة.

كما أن تدليك الأعضاء يؤدي إلى نشاط الجسم كله، وبهذا يؤدي إلى التخفيف من احتقان دماغ المشتغلين بالأعمال الفكرية والذهنية وإلى تنشيط الدماغ بشكل واضح.   هذا ولم يقتصر هدى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  على الوضوء فقط، بل إن الإسلام أوجب على المسلم الغسل عند الجنابة، وعند تطهر المرأة من الحيض والنفاس، بالإضافة إلى الاغتسالات المسنونة، وهي كثيرة، مثل: غسل يوم الجمعة وغسل العيدين([42]).

وتتجلى حِكَم الغسل بالماء أيضًا فيما يلي:

1. تنظيف جلد الإنسان مما علق به نتيجة العرق وإفرازات الغدد الدهنية التي تجعل الجلد محيطًا مناسبًا لحياة الجراثيم والبكتريا الضارة بالإنسان، وتنظيف الجلد مهم لحماية جسم الإنسان، ولإبقاء مسامات جلد الإنسان مفتوحة لخروج العرق الذي ينظم حرارة جسم الإنسان، ولإبقاء القدرة على الشعور بحاسة اللمس ممكنًا.

2. تعرض الجلد للغبار والأوساخ يسبب حدوث حكة وينتج عنها التهابات وتقرحات وانتشار روائح كريهة، وخاصة في الأوقات الحارة والمناطق المزدحمة، ويقوم الغسل بتجنيب الجسم كل هذه الآثار الضارة.

3. الغسل من الجنابة ينبه الشبكات العصبية الحسية التي توقظ وتنشط الجهاز العصبي وتعيد إليه حيويته بعد حصول الفتور والكسل.

4. الغسل من الحيض فيه إعادة للقوة والنشاط إلى الجسم، والغسل من النفاس فيه إزالة للروائح الكريهة، وتطهير الدم الذي يصبح بيئة صالحة لتكاثر الجراثيم والتعرض للعفن وآثار الالتهابات ونقل العدوى إلى الرجل أيضًا.

5. الجلد عرضة لأشعة الشمس وللمواد الكيماوية المسببة للأمراض كالسرطان وغيره وبالغسل المتكرر يقيه من الأخطار.

كل ذلك من أجل أن يبدو المسلم في صورته المشرقة الوضاءة، وليكون حسن المظهر كريم الهيئة، وقد ألحق ذلك بآداب الصلاة (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف :31]. والناظر فى سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجده أجمل الناس، وأطيب الناس، وأعطر الناس، وأطهر الناس، وقد حثَّ أتباعه على العناية بهذه الأمور، وأن يكون سمتهم حسنا وثوبهم حسنا ونعلهم حسنة. يقول (صلى الله عليه وسلم): (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال : (إن الله تعالى جميل يحب الجمال..) [رواه مسلم].

إن الإسلام حينما فرض الوضوء والغسل افترضه شريطة عدم الإسراف في الماء، وأن عناية الإسلام بالنظافة والصحة والبيئة تعد جزءا أصيلا من عنايته بقوة المسلمين المادية والأدبية؛ لأنه يتطلب أجسامًا تجري في عروقها دماء العافية، ويمتلئ أصحابها فتوة ونشاطاً، فإن الأجسام المهزولة لا تطيق عبئا، والأيدي المرتعشة لا تقدم خيرًا. وللجسم الصحيح أثر في سلامة التفكير وفي تفاؤل الإنسان مع الحياة والناس. ورسالة الإسلام أوسع في أهدافها وأصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مرهقة موبوءة عاجزة، وقد جاء في الحكمة.. (العقل السليم في الجسم السليم) والله سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا أعزة أقوياء وأن يعملوا الصالحات وأن يحسنوا كما أحسن الله إليهم([43])  وتأكيدا على المعاني السابقة جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) الطهارة نصف الإيمان، فقال: (الطهور شطر الإيمان) [رواه مسلم]، وإذا كان الطهور شطر الإيمان، والذي يحقق هذا الطهور هو الماء، فحري بنا أن نعتني به ونحافظ عليه، باعتبار ذلك مطلب إيماني. ولما كان الإنسان هو العنصر الفاعل في البيئة بما حباه الله من النعم التي لم تعط لغيره، ولأنه عماد العمران البشري فقد اهتم به جسدًا وروحًا وقلبًا وعقلاً، وحثَّه على نظافة جسده، وما عليه من ثياب، وما يحيط به من مكان وأجواء، وما يحتاج إليه من مطعم ومشرب، كما حثَّه على الارتقاء المادي والنفسي؛ لأن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي أولاها الإسلام عناية فائقة، واعتبرها من صميم رسالته، حيث لا يكون الإنسان راجحًا في ميزان الإسلام، محترم الجانب، إلا إذا تعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب، وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة بعيدًا عن الأدران المكدرة والأحوال المُنَفِّرة. وليست صحة الجسد وطهارته سلاحاً عاديا فقط، بل إن أثرها عميق في تزكية النفس وتمكين الإنسان من النهوض بالأعباء والحياة. وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم والجلد والبدن القوى الصبور([44]).

وإذا كان الله -عز وجل- قد جعل الماء بهذه المكانة وجعله ضروريًّا لكل شئ حي، سواء أكان إنسانا أم حيوانًا أم نباتًا أم غيره، فإن ذلك أدعى إلى أن نحافظ عليه لأنه النعمة المهداة من الله تعالى إلى جميع مخلوقاته حتى تستمر في العيش إلى ما شاء الله.

سادسا: الإسلام ومحاربة الإسراف في الماء

الناظر في الشريعة الإسلامية الغراء يلاحظ أن نصوصها قد تضافرت للحث على المحافظة على موارد المياه، وعلى حمايتها من كل العوامل التي تسبب فسادها؛ لذلك نهت الشريعة عن الإسراف في الماء أو استعماله في غير موقعه، أو تجاوز الحد اللائق في استعماله حتى لو كان بغرض الطهارة من الحدث الأكبر أو الأصغر، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) مضرب المثل والقدوة الحسنة والمثل الأعلى في ذلك، فقد روى الإمام مسلم من حديث أنس (رضي الله عنه) أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) [رواه مسلم] وجاءه أعرابي يسأله عن الوضوء (فأراه ثلاثاً ثلاثا، قال هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) [رواه أحمد]، وجاءت الأحكام الشرعية الإسلامية لتنبه على أهمية الماء في الحياة، وتحذر من الإسراف في استهلاكه في أغراض الشرب والصناعة والزراعة، وحتى في مجال العبادات -كما سبق- سواء أكانت هذه المياه متوفرة بكثرة أم محدودة؛ لأن العبرة بالتصرف الأخلاقي المتوازن فيها، وليس بالنظر إلى كثرتها أو قلتها، حتى تحتفظ البيئة بتوازنها بهذا المورد المهم، قال مجاهد : "لو أنفق إنسان ماله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًا في غير حق كان مبذرا"([45]).

فعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما): أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السرف يا سعد؟)

فقال: أفي الوضوء سرف؟

قال: (نعم، وإن كنت على نهر جار) [أخرجه ابن ماجة].

والحديث يدل على النهي عن الإسراف في الماء للغسل والوضوء، واستحباب الاقتصاد. وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء، حتى ولو كان الشخص على شاطئ النهر. قال بعض أصحاب الشافعي إنه حرام، وقال بعضهم إنه مكروه. ومعنى هذا أن كل استهلاك للماء يتجاوز القدر المطلوب المؤدي للغرض، ويتسبب في إهدار كميات منه بدون سبب، يعدُّ في الإسلام إساءة وظلمًا. وقد استند الفقهاء إلى هذا الحديث ليقروا أن الزيادة في غسل الأعضاء في الوضوء على الثلاث الواردة في الحديث مكروهة، إذا كان الماء مباحًا أو مملوكًا لصاحبه، وأما إذا كان موقوفًا مثل: ماء المساجد والمدارس، فإن الزيادة فيه على ثلاث، حرام عند جمهور الفقهاء؛ لأن الغرض منه هو الوضوء الشرعي فقط.

ومن هنا نؤكد على أنه إذا كان التشديد في استهلاك الماء في حالة العبادة والتطهر هذا شأنه، فمن باب أولى أن يلتزم الإنسان بالحد المعتدل في الحالات الأخرى كالطهي والتنظيف والاستحمام والنظافة.. وغيرها ([46]).

سابعا: الإسلام والنهى عن تلويث الماء

تحفل الشريعة الإسلامية بالكثير من النصوص التي تحث على حماية الماء من التلوث، فعن أبى هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) [أخرجه مسلم].

فقالوا يا أبا هريرة: كيف يفعل؟

قال: يتناوله تناولاً.  .

وعن جابر (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (أنه نهى أن يُبال في الماء الراكد) [أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة] كما نهى عن التبرز فيه؛ فعن أبى سعيد الحميري عن معاذ بن جبل (رضي الله عنهم جميعا) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (اتقوا الملاعن الثلاث، البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) [أخرجه أبو داود].

كما نهى أيضًا عن ترك الإناء بدون غطاء، أو ترك السقاء بدون رابط؛ حتى لا يتلوث ما بداخله، فعن جابر (رضي الله عنه) أنه سمع النبي (صلى الله عليه وسلم)  يقول: (غطوا الإناء وأوكئوا السقاء ([47]) فإن في السنة ليلة ينـزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء) [أخرجه مسلم].

ويتجلى حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) في المحافظة على نقاء الماء في قوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده) [أخرجه مسلم].  وسبب الحديث كما قال العلماء، هو أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تقع يده على ذلك الموضع النجس أو على قذر غير ذلك([48]).

فهذه طائفة من الأحاديث وغيرها كثير، تنهي عن تلويث الماء بالبول والبراز؛ لأن هذا الصنيع -مع قذارته وتقزز النفوس منه- يولد أمراضًا وبائية، فهذا بول فيه بلهارسيا، وهذا فيه حمى صفراء، وآخر فيه صديد، إلى غير ذلك من الأمراض التي تظهر في البول، وهذا هو السر في كثرة المصابين بهذه الأمراض من أبناء الريف الذي لا يتحرز بعض أهله عن هذا الصنيع.

ومن هنا يتبين سر نهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن التبول والتبرز في الطريق والظل والماء، سواء أكان جاريًا أم راكدًا؛ لأن الماء الجاري يحتاجه الناس في شرابهم ومأكلهم ونظافتهم وزراعتهم، فإذا كان ملوثًا بشئ مما ذُكر، وكان هذا الشئ لإنسان مريض، فلا شك في انتقال المرض إلى من استعمل ذلك الماء الملوث([49]).

وفى حالة الماء الراكد تزداد المخاطر وتتفاقم وتزداد حدتها؛ لأن الماء الراكد بطبيعته يعد مرتعًا للميكروبات  التي تسبب أمراضًا خطيرة للإنسان.

ثامنا: الإسلام وتحريم الإسراف في زراعة نباتات الزينة

ومن عظمة الإسلام إقراره لمبدأ المحافظة على الثروة النباتية وعدم الإسراف في زراعة ما ليس فيه فائدة، أو ما تقل فائدته، تحاشيًا لاستنـزاف المياه فيما لا عائد له، واستبداله بزراعة النبات المثمرة التي تحقق الكفاية من الغذاء للمسلمين.

وهذا المبدأ اعتمده الفقهاء المسلمون بناء على ما أقره الإسلام من الامتناع عن الإسراف في كل مجالات الحياة، وأباحوا زراعة نباتات الزينة في الحالات التي تكون فيها الأمة مكتفية في غذائها، أما إذا كان عدد السكان كبيرًا، والإنتاج الزراعي غير كاف لتلبية احتياجاتهم الضرورية -كما هو الحال الآن- فإن الإسلام يفرض علينا أن نوجه عنايتنا إلى استنبات المحاصيل الغذائية، وعدم تبديد التربة والمياه فيما لا فائدة منه.

وقد تناول ابن خلدون هذه الفكرة في مقدمته، وأشار إلى أن من بين أسباب تفشي المجاعات في الأمصار: انصراف الأغنياء إلى زراعة أشجار الزينة للتباهي بها، وإغفالهم الضروريات التي يكون بها معاش العباد.. ويؤكد أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج ([50]) تأذنت بالخراب، حتى إن كثيرًا من العامة يتحاشون غرس النارنج.. ثم إن النارنج والليم([51]) والسرو ([52]) وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية الحضارة، إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط، ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف ([53]).

لقد أراد الإسلام أن يكون الاقتصاد في الاستهلاك صفة أساسية من صفات المسلم، وخلقا مركوزًا فيه، يوافقه في جميع مجالات حياته، ويكيف سلوكه، ويرشده إلى أقوم السبل للتعامل مع مختلف موارد البيئة، لصيانتها من العبث، والمحافظة عليها من السرف، وحمايتها من التبديد، وهي الأمور الضرورية التي تفتقر إليها البيئة، ويفقدها الإنسان العربي، وتتطلب من المسلم التحرك الواعي في هذا المجال؛ لإيجاد القنوات المؤثرة التي بإمكانها توصيل هذا الفكر الخصب والطرح الواعي إلى العالم([54]).

تاسعا: الحضارة الإسلامية واستثمار المياه

لقد كان العرف السائد هو المنظم لحقوق استغلال المياه قبل الإسلام.. حيث كانت القبائل المتنقلة في أراضي شبه الجزيرة العربية تستقر في مواقع خلال الترحال، وفي هذه المواقع ترسم مناطق على الأرض تسمى "الحريم" تحدد بها القبيلة مجال حق الانتفاع بالموارد المائية السطحية والجوفية القريبة إلى المضارب والواقعة ضمن نطاقها، مع مراعاة حقوق باقي القبائل من المناطق المجاورة. وكان هناك مفهوم آخر هو "الحمى" الذي يعبر عن استعداد القبيلة للدفاع عن حقوقها، وهو مكون من عنصرين: يحدد العنصر الأول خط الدفاع الفعلي المرسوم على الأرض، ويتضمن العنصر الثاني الاعتبارات المعنوية والحقوقية لكيان القبيلة، وكان انتهاك أي من هذين العنصرين يدعو القبيلة للنهوض والذود عن الحمى.

ومع مجيء الإسلام رسالة ربانية مصلحة ومجددة وبانية ومحققة للسلام على هذا الكون، فقد وافق على الأعراف السائدة، لكنه ألغى كل المفاهيم التي تكرس الملكية الفردية للمياه والحقوق المطلقة للانتفاع بها. ذلك أن الماء في الأصل -ككل شي- ملك لله، ويجب أن يكون متاحًا لكل الناس، لا يجوز احتكاره أو امتلاكه أو بيعه، كما جاء في الحديث الشريف، لذلك نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الماء. قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا، والله أعلم، أنه نهى عن بيعه قبل أن يحرز، والإحراز لا يكون إلا في الأوعية والآنية، فأما الآبار والأحواض فلا ([55]).

ولقد حرص فقهاء المسلمين على جعل الارتفاق بالمياه حقًّا عامًا تحميه الدولة، بل وألزموا الدولة بتطهير الأنهار العامة وصيانة جسورها، أما إذا كان مورد المياه يخص طائفة بعينها، فإن عليهم صيانتها. لقد تطـورت الأحـكام المتـناثرة للمـياه فـي كتـابات الفـقهاء أو في المحاكم الشرعية، لنرى الفقهاء وخبراء المياه يجمعون أحكام المياه في أبواب متكاملة، تعكس مدى ما وصلت إليه هذه الأحكام من تقدم، ومدى ما وصل إليه المسلمون من تقدم في حل مشكلات المياه... كما تطورت قوانين المياه سريعًا في التشريع الإسلامي، حتى أصبحنا نردد مصطلحات فقهية خاصة بالمياه دون غيرها، مثل: حق جريان المياه، أو حق إجراء الماء، وحق الشرب ([56]).. بل أصبحت كتب فقه العمارة لا تخلو من أبواب تتعلق بقضايا المياه، بل إن قضايا المياه في الحضارة الإسلامية تجاوزت هذا بكثير، بحيث أصبح لدينا الآن من واقع سجلات المحاكم الشرعية قضايا تتعلق بنـزاعات أو أوقاف خاصة بالمياه([57]).

والإسلام بوصفه دينًا للحياة بأبعادها المختلفة يحث على وقاية الإنسان من كل الأخطار البيئية التي تهدد حياته، ومن ثم فإنه من الجدير بالمسلمين من منطلق عقيدتهم أن يكونوا أصح الناس أبدانًا وأقلهم أمراضًا وأكثرهم حفاظًا على أنعم الله؛ لأن الدين الذي يؤمنون به يحض على نظافة الأبدان والثياب والأمكنة، ويجعل إماطة الأذى عن الطريق جزءا لا يتجزأ من العقيدة الدينية.

 والحق أن الثراء العلمي الذي اشتمل عليه القرآن الكريم كفيل بإنقاذ الإنسان من شرور نفسه ليعيش حياه كريمة، ويعرف كيف يستثمر أنعم الله عليه، فلا يهدرها أو يلوثها أو يعتدي عليه بسلوكيات خاطئة وعادات مرذولة، وهذا يدل على أن الإسلام ليس مجرد دين عبادة وشعائر فحسب، فالعلم والأخلاق من دعائمه الرئيسة التي لا يمكن إغفالها أو الاستغناء عنها([58]).

وهكذا رأينا منهج الإسلام القويم في المحافظة على المياه ورعايتها والعناية بها، والتحذير من الإضرار بها، وكان تطبيق المسلمين وحكامهم لهذا المنهج أكبر دليل على استقرارهم ونهضتهم، مما يستدعي منا جميعا العودة إلى هذا المنهج الرباني، والتمكين له بشتى السبل والوسائل، وتطبيقه، والاستفادة من المستجدات العصرية التي تتواءم مع منهجه الشامل.

عاشرا: واجب المسلمين لمواجهة تحديات المياه (أفكار جديدة)

وبعد أن تعرفنا على بعض المشكلات والتحديات المتعلقة بالمياه في بلادنا، وتعرفنا أيضا على منهج الإسلام لمواجهة هذه المشكلات،  فقد أصبح لزامًا على كل المؤسسات البحثية والجامعات وعلماء الدين ووسائل الإعلام أن تدق أجراس الخطر بقوة؛ لأن القضية تتعلق بالمياه التي تمثل حياتنا وحياة زرعنا وضرعنا؛ وذلك من أجل اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على المياه الصالحة وتنميتها، وترشيد استخدامها، والكف الفعلي والفوري عن تلويثها، وإدارة المياه إدارة علمية رشيدة تتناسب مع أهميتها القصوى، وإلا تعرضنا للتصحر والمجاعات وغيرها- لا قدر الله..!!

ومن هنا يجب أن نتحرك على عدة مسارات واتجاهات في نسق تكاملي، تتضافر فيه كل الجهود الحكومية والتشريعية والتنفيذية والرقابية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأحزاب والمؤسسات التعليمية والأفراد الذين هم حجر الزاوية في علاج هذه القضية الشائكة، للمحافظة على الماء، وعدم تلويثه أو إهداره، وتنميته، وإدارته إدارة حكيمة تراعي الجوانب المستقبلية وتأمينه للأجيال القادمة.. ومن ثم  -وكما سبق- يجب أن نركز على التكاملية في حل المشكلة، وإلا لضاعت الجهود، إذ إن ما ستقوم به مؤسسة للعلاج قد تقوضه مؤسسة أخرى، كما يجب ألا نقلل من أية أطروحة لعلاج المشكلة مهما كان حجم توفيرها من المياه، طالما اتسمت بالعلمية والموضوعية، كما يجب ننظر بجدية إلى السلوك السيئ للذين يتعاملون مع مواردنا المائية بقسوة وعدم اكتراث.. وذلك على النحو التالي:

·   بناء وتشكيل الوعي المجتمي بخطورة المشكلة: وذلك بالقيام بحملة كبرى ومنظمة عبر وسائل الاتصالات والإعلام والثقافة والتربية للتوعية بخطورة مشكلات المياه، وشرح أبعاد هذه القضية وغرسها فى ضمير كل فرد منَّا، قبل أن تتفاقم الأمور، من خلال التحرك على عدة مسارات في نسق تكاملي، تتضافر فيه كل الجهود الحكومية والتشريعية والتنفيذية والرقابية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأحزاب والمؤسسات التعليمية، والتركيز على الأفراد الذين هم حجر الزاوية في علاج هذه المشكلة، فالعلاج مرهون بمدى وعي وتفهم الجماهير للأخطار المستقبلية المتعلقة بمشكلة المياه.. وأيضا تدريس مواد دراسية للطلاب في شتى المراحل تركز على البعد الديني في ذلك، وأن تنهض وسائل الإعلام بدورها التوعوي حيال قضية المياه، من خلال القوالب الإعلامية المختلفة، لاسيما القالب الدرامي الذي يؤثر بفاعلية كبيرة جدًّا على المتلقي، وأيضا أفلام الكارتون للأطفال؛ لتظل هذه الصور حاضرة في ذاكرة الشخص منذ نعومة أظفاره.. مع الأخذ في الاعتبار أن تنمية روح الانتماء الوطني وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، يسهم بشكل جدي في علاج المشكلة من خلال ضبط الأفراد لسلوكياتهم السلبية، في تعاملهم مع المياه -وغيرها- وبإسهاماتهم المادية والفنية والعلمية في حلها.

·   تفعيل نتائج البحث العلمي والاستفادة بالخبراء والتجارب الدولية: ومن هنا أدعو إلى ضرورة الاستفادة من أبحاث ودراسات وجهود العلماء والخبراء والمتخصصين في مجالات المياه، وتفعيل دورهم، وإشراكهم في صناعة القرارات المتعلقة بالمياه، لأنَّ غيابهم أو تغييبهم يتسبب في خسارات. ومن ذلك إجراء الجوائز والمسابقات لشخذ همم الباحثين في شتى مجالات المياه. والتوسع في إنشاء أقسام تكنولوجيا المياه في كليات العلوم والهندسة بجامعاتنا، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة. وإنشاء مركز معلومات يضم مرصدًا فكريًّا لكافة الدراسات والبحوث والنظريات والمبتكرات والمخترعات والوثائق وتوصيات المؤتمرات المتخصصة والتجارب الدولية وكافة المعلومات عن المياه وعن مواردنا المائية، بحيث يمكن الاستفادة من هذه الأعمال، وتطبيق ما يتناسب منها بسهولة ويسر.

·   تمويل البحث العلمي والمشروعات: وذلك بإنشاء صناديق خاصة لدعم الجهود العلمية والفنية والمشروعات والإنشاءات المتعلقة بمواجهة مشكلة المياه. ويمكن أن تلعب الأوقاف الإسلامية دورًا مهما في توفير الموارد المادية اللازمة لنفقات المشروعات التي من شأنها توفير المياه أو المحافظة عليها. التوسع في زراعة الزيتون، والأشجار المثمرة بدلا من أشجار الزينة  وتنسيقها بشكل جمالي بدلا من الملايين من أشجار الزينة التي تستهلك المياه صباح مساء.. ففي الزيارات التي قمتُ بها إلى الأردن الشقيق -مثلا- الذي تتشابه ظروفه المناخية بظروف معظم الدول العربية، وجدتهم يتوسعون بشكل ملفت للانتباه في زراعة أشجار الزيتون التي تتسم بالشكل الجميل، والتي تستهلك كميات ضئيلة جدًّا من المياه.. يتوسعون في زراعتها بكل مؤسساتهم.. في الجامعات، وفي المؤسسات الخدمية والبلديات.. في المستشفيات.. في المدارس.. في الطرق وعلى طولها الكبير.. يزرعونها وكأنها أشجارا للزينة من ناحية، ولأنها لا تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه بل تعتمد على النـزر اليسير من المياه الموجودة في التربة أو الأمطار، ولأنها تدر على كل مؤسسة -مزروعة في رحابها- دخلاً كبيرًا؛ إذ كل مؤسسة تقوم بحصاد الزيتون من أشجارها، وعصره، وبيعه، لتسهم بشكل كبير في تمويل برامج المؤسسة وأنشتطها المختلفة، وبالتالي تحقق سلسلة من المكاسب والمنافع؛ فهي تزين الطرق والحدائق بهذه الأشجار التي لا تحتاج إلى المياه، ومن ثم تستفيد من العوائد الاقتصادية لهذه الزراعة.. لذلك فإنني أدعو إلى الاستفادة من هذه التجربة وتعميمها على نطاق واسع في بلادنا.. وذلك بأن تقوم الحكومات بتعميم زراعة الزيتون في الحدائق وعلى طول الطرق وفي المؤسسات المختلفة ليحل الزيتون محل أشجار الزينة التي تستهلك كميات ضخمة من المياه وفي نفس الوقت لا تنبت ثمرًا.. وبالتالي نحقق عائدات اقتصادية كبيرة..

·   تطوير طرق وآليات الري الزراعي وتقليل الاعتماد على الري بالغمر، واستخدام نظم الري الحديثة، والتوسع في المزارع النموذجية، وتحديث وصيانة شبكات الري والصرف على حد سواء، وتقليل الفواقد، وتكسية بعض الأماكن في المجاري المائية بالأحجار، وإزالة الحشائش وورد النيل بصورة دورية. والعمل على تعظيم وحدة إنتاجية المياه من خلال مراكز البحوث وتوظيف العلم في خدمة المجتمع. والاعتماد على الزراعات الشتوية، وتشجيع العلماء والباحثين على استنباط حبوب وأصناف من الزراعات تقاوم الجفاف وتستهلك مياهًا أقل، وتعطى إنتاجية أعلى، وهذه معادلة صعبة يجب أن تُبذل في سبيلها الجوائز والحوافز وغيرها على الباحثين المسلمين الذين يسهمون في تحقيقها.

·       أطروحات جديدة: ومن أهمها:

×    التوسع في أنظمة الغسيل الجاف للملابس، بدلا من الغسيل العادي الذي يستهلك كميات كبيرة جدًّا جدًّا من المياه الصالحة، وتوطين صناعتها في بلادنا العربية والإسلامية، وتوجيه الاستثمارات في هذا المجال.

×    رصف الشوارع والطرق بحيث يكون الميل على جانبي الطريق وينتهي بقنوات تصب مياه الأمطار في بالوعات تجميع خاصة، والتي تنتهي بدورها إلى خزانات تجميع المطر والسيول. ويمكن البدء بذلك في المدن الجديدة. وإقامة السدود الترابية وغيرها لتجميع مياه المطر –في أماكن سقوطة بدلا من انسيابه في البحر أو الخليج- وتعظيم الاستفادة منها بإعادة تدويرها بسهولة، ومن ثم الاستفادة منها في الشرب والزراعة..إلخ..

×    استخدام أنواع حديثة من صنابير المياه تعمل بالأشعة، وإلزام الناس بتركيبها،  كأن تكون شرطًا للحصول على رخصة البناء مثلا، وإصلاح وتحديث صنابير المياه في المساجد والمدارس والمصالح الحكومية وغيرها.

×    تصغير حجم صندوق صرف الحمام "السيفون"، أو وضع زجاجتين مملوءتين ومغلقتين فيه لتقليل حجمه وبما لا يخل بكفاءته على الطرد.

×    تحويل صرف مياه أحواض غسيل الوجه –بعد ترشيحها بواسطة فلتر بسيط-  إلى صرف سيفونات الحمامات (صناديق الطرد)، لتكون بديلا عن مياه الشرب المستخدمة في ذلك.

×         تعميم أجهزة الطرد بالضغط في سيفونات الحمامات، حيث تستهلك كميات أقل من المياه.

×    عزل الصرف الصحي الخفيف عن الصرف الثقيل. وفصل وتقسيم المياه إلى البيوت وغيرها إلى مياه صالحة للاستخدام الآدمي، وأخرى لإزاحة الصرف الثقيل، وغسيل السيارات، وري الحدائق.. ويمكن البدء بذلك في المدن الجديدة.

×         إعادة تدوير مياه الصرف بالأساليب الحديثة، والتوسع في استخدام الموارد المائية غير التقليدية والاستفادة منها.

×    تعظيم الاستفادة من المياه الجوفية، بحسن إدارتها، واستخدام الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار عن بعد؛ للكشف عن أماكنها، والاستفادة من تراث العرب والمسلمين الأقدمين في الكشف عن أماكن وجود المياه الجوفية، بوجود أحجار معينة، أو نباتات معينة، أو حيوانات معينة.. وهذا الأمر مفصل في كتابنا (منهج الإسلام في مواجهة مشكلات المياه).

×    توجيه الأبحاث للاستفادة من شتى النعم والمنح الربانية التي مَنَّ الله بها على بلادنا، ومن بينها الطاقة الشمسية ذات السطوع العالي جدًّا، لاستغلالها في مجالات عديدة، ومنها: تعقيم المياه وتحلية المياه المالحة.. فمن عظيم رحمة الله بعباده أنه ادخر لكل البشر، مخزونًا استراتيجيًّا ضخمًا من المياه المالحة في البحار والمحيطات، بحيث يمكن الاستفادة منها، من خلال التوسع في برامج تحليتها، والاستفادة من ثروات البحار والمحيطات الغذائية الهائلة، التي يمكن أن تسهم بشكل كبير جدا في سد الحاجات الغذائية لملايين الناس.

وغيرها من الأفكار التي لو طبقت بصورة تكاملية وجماعية لحققت الأمن المائي لمصر، ولأجيالها المقبلة.. كما يجب ألا نقلل من أية أطروحة لعلاج المشكلة مهما كان حجم توفيرها للمياه، طالما اتسمت بالعلمية والموضوعية..


الخاتمة ونتائج البحث

وفي نهاية الدراسة نشير إلى أهم النتائج التي توصلنا إليها:

·   اتضح من خلال البحث أن عطاء الأرض المسخرة بقدرة الله -سبحانه- يتناسب طرديًّا مع عدد السكان، وأنه كلما زاد عدد السكان، زادت أرزاق الناس وزادت خيرات الله لهم تصديقا وتطبيقا لقول الله سبحانه (وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَالْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ.وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ .وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر : 19-21] غير أن فقر القلوب والضمائر والبعد عن منهج الله وتنحية أحكامه يتسبب عنه وينشأ منه ضيق وفقر في الأموال والأحوال كلها، وكم من مشروعات لا تنقصها دقة التخطيط ولا قلة المال للتنفيذ ولكنها فشلت فشلا ذريعا؛ لأن القائمين عليها لم يكن لله ولا لرسوله اعتبار أو وقار في حياتهم، فضاعت تلك المشروعات، وضاعت معها ثروات البلاد ومصالح العباد. وأن قضية ندرة المياه لا تتعارض مع ما أوجبه الله -عز وجل- على نفسه بتكفله لكل كائن حي برزقه من المأكل والمشرب.. إلخ، يقول تعالى : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [ هود : 6 ] فمن عظيم نعم الله على عباده أنه ينـزل الماء من السماء بقدر معلوم، بحيث يستجيب لحاجات البشر ومطالبهم إن هم أحسنوا الإفادة منه وحالوا دون أن يهدر أو يصب فى مياه البحار والمحيطات.. إلخ. أما إذا لم يستجب الإنسان لدعوة الله وتعاليمه ولم يحافظ على صلاحية الماء وحمايته من التلوث فإنه حينئذ يكون قد كفر بنعمة الله، وتصرف تَصرُّف غير الشاكرين لأنعمه، ومن ثم يكون نزول الماء بقدر لا يتحقق الغرض منه؛ لأن الإنسان قد تعدى وظلم.

·   أن الإسلام قدَّم رؤية رائدة في المحافظة على موارد المياه، وحسن إدارتها، وتنميتها، حيث جعل الناس شركاء في الماء، وحرَّم تلويثه، والإسراف فيه بأي صورة من الصور، كما حرَّم الإسراف في زراعة نباتات الزينة؛ في حالة احياج الأمة إلى الماء والغذاء، ومن هنا يتحتم علينا العودة إلى منهج الإسلام القويم؛ لأن رسالته تقوم أصلا على إصلاح الاعوجاج ومحاربة الفساد وتطهير الحياة، كل الحياة.

·   أن المواطن هو الركيزة الأساسية في الحفاظ على المياه ومن ثم يجب التركيز بشكل كبير على الأفراد الذين هم حجر الزاوية في علاج هذه المشكلة والقضاء عليها، ذلك أن العلاج مرهون بمدى وعي الجماهير وتفهمهم للأخطار المستقبلية المتعلقة بمشكلة المياه، من خلال ضبط الأفراد لسلوكياتهم السلبية، في تعاملهم مع المياه، وبإسهاماتهم المادية والفنية والعلمية في حلها.

·   ضرورة الاستفادة من جهود العلماء والخبراء والمتخصصين في مجالات المياه في بلادنا، وتفعيل دورهم، وإشراكهم في صناعة القرارات المتعلقة بالمياه، لأنَّ غيابهم، يتسبب عنه خسارات كبيرة. وضرورة إنشاء مركز معلومات يضم مرصدا فكريًّا لكافة الدراسات والبحوث والنظريات وتوصيات المؤتمرات المتخصصة وكافة المعلومات عن مواردنا المائية، بحيث يمكن الاستفادة من هذه الأعمال بسهولة ويسر.

·   أن مشكلة المياه العربية مشكلة معقدة ومتداخلة ومتشابكة تتطلب العمل الجدي لدراسة كل أبعادها، وطرح الحلول المناسبة لها، والبدء في تنفيذها في نسق تكاملي تتضافر فيه جهود المخلصين من رجال الوطن العربي في شتى المواقع مع التركيز على البعد الإيماني والعقائدي في طروحات العلاج.

·   الحد من زراعة نباتات وأشجار الزينة، واستبدالها بأشجار الزيتون -التي تستهلك كميات ضئيلة جدا من المياه- وغيرها من الأشجار المثمرة، ويمكن تنسيق زراعتها بحيث تحقق أشكالا جمالية مبهرة وخلابة؛ لتكون بديلا عن أشجار الزينة من ناحية، ونستفيد من ثمارها من ناحية أخرى.

·   يمكن أن تلعب الأوقاف الإسلامية دورًا مهما في توفير الموارد المادية اللازمة لنفقات المشروعات التي من شأنها توفير المياه والمحافظة مواردها، وثمة طرق أخرى كثيرة يمكن من خلالها تدبير هذه الموارد، منها: الضرائب المقترحة على أصحاب الأنشطة التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، مثل: مصانع الأدوية، ومحطات البنـزين التي تستهلك المياه في غسيل السيارات، والمصانع التي تعتمد في صناعتها على المياه، والسفن العائمة ووسائل النقل النهري الساحي، والنوادي التي تستهلك مياها كبيرة في حمامات السباحة، ومن خلال استثمار شواطي الأنهار والتـرع والقنوات، بإزالة الحشائش وغيرها منها، وزراعتها بالزراعات المختلفة والأشجار المثمرة، وتوجيه جزء من حصيلة مبيعاتها لصالح المشروعات المائية المطلوبة.. وأموال العقوبات المادية المفروضة على المخالفين، والصناديق الخاصة لدعم المياه وغيرها من المصادر الأخرى.

·   الاستفادة من التراث العلمي الذي سطره الأفذاذ والنابغون والنابهون من علماء المسلمين في عصور الإسلام الزاهرة، في شتى المجالات، لاسيما جهودهم الرائدة في الكشف عن مصادر المياه الجوفية.

·   أن من عظيم رحمة الله بعباده أنه ادخر لكل البشر، مخزونًا استراتيجيًّا ضخمًا من المياه المالحة في البحار والمحيطات، بحيث يمكن الاستفادة منها، من خلال التوسع في برامج تحليتها، والاستفادة من ثروات البحار والمحيطات الغذائية الهائلة، التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في سد الحاجات الغذائية لملايين الجوعى والمحرومين في بلادنا.

·   لابد أن تلعب المؤسسات الدينية دورًا فاعلا في التنبيه بمشكلات وتحديات المياه، وضرورة التصدي لها، والتعامل مع المياه من خلال المنهج الإسلامي القويم، وفي إطار الرشد الحضاري.

·   ضرورة تدريس مضامين تربوية تتعلق بقضية المياه للطلاب في شتى المراحل، وأن تنهض وسائل الإعلام بدورها التوعوي في هذا المجال، من خلال القوالب الإعلامية المختلفة، لاسيما القالب الدرامي الذي يؤثر بفاعلية على المتلقي.

·   الاستفادة من شتى النعم والمنح الربانية التي منَّ الله بها على بلادنا، والتي تغبطنا عليها مجتمعات كثيرة، ومن بينها الطاقة الشمسية، التي يجب أن تستغل في مجالات عديدة، منها: تحلية المياه وتعقيمها.

وفي نهاية المطاف أدعو الله عز وجل أن أكون قد وفقت في إيضاح منهج الإسلام إزاء مشكلة المياه، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا بالرجوع إلى منهج الإسلام القويم.. النبع الصافي (القرآن الكريم والسنة المطهرة) فالناظر فيهما يلحظ أن نصوصهما قد تضافرت للحثِّ على المحافظة على موارد المياه وحمايتها من كل العوامل التي تسبب فسادها، وعدم الإسراف فيها، كما أدعوه سبحانه أن يجعلنا على قدر مسؤولية استخلافنا فى الأرض.

وإنى لأرجو الله تعالى أن يتقبل منى هذا العمل، وأن يدخله برحمته في الكلم الطيب والعمل الصالح، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصل اللهم علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 (...رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)[ النمل : 19].

أحمد علي سليمان

ahmedsoliman999@hotmail.com     

مدينة نصر – القاهرة- جمهورية مصر العربية: في الاثنين: 1 من ذي القعدة 1432هـ / 29 سبتمبر  2011م

 


أهم المصادر والمراجع

المصادر:

-  القرآن الكريم

- كتب السنة النبوية المطهرة

(1)       عون المعبود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، طبعة دار الكتب العلمية. بيروت، الطبعة الثانية 1415هـ، جـ1 .

(2)       مختصر تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق : محمد على الصابوني. دار القرآن الكريم، بيروت الطبعة، السابعة سنة 1981م.

(3)        المعجم الوسيط، طبعة مجمع اللغة العربية، الجزء الأول، والثاني .

(4)       نيل الأوطار للشوكاني، طبعة دار الجيل، بيروت ج1 .

المراجع:

(5)       إشكالية البيئة والتنمية في العالم الإسلامي: رؤية اجتماعية أ.د. نبيل السمالوطي، بحث مقدم إلى مؤتمر الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران والعمران- عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) واستضافته جامعة اليرموك الأردنية في الفترة من 3-5 يونيو 2003م .

(6)       استخدام البيئة من منظور إسلامي للدكتور كمال توفيق خطاب، من أعمال مؤتمر الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران.

(7)       الإسلام والحفاظ على البيئة، تأليف محمود محمد حبيب، محروس الشرقاوي، طبعة وزارة الأوقاف، سنة 1999م.

(8)       الإسلام والحفاظ على البيئة، (العدد رقم 16 من سلسلة فكر المواجهة التي تصدرها رابطة الجامعات الإسلامية) تحرير الدكتور جعفر عبد السلام، الطبعة الأولى سنة 2006.

(9)       الإسلام وحماية البيئة للدكتور محمد عبد العليم العدوى، من أعمال مؤتمر الاجتهاد فى قضايا البيئة والصحة والعمران.

(10) الإسلام والبيئة: رؤية إسلامية حضارية للدكتور بركات محمد مراد، ط دار القاهرة.

(11) الأمن المائي العربي، أعمال المؤتمر الدولي الثامن الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي في الفترة من 21-23 فبراير 2000 بالقاهرة، نشر دار بيسان – بيروت، الطبعة الأولى سنة 2000.

(12)   البحوث الطبية في أحكام الطهارة، للدكتور عبد الحميد المجالي، بحث مقدم لمؤتمر (الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران)

(13) التلوث البيئي رؤية من خلال الأحاديث النبوية للدكتور محمد بن عبد الرحمن العمير بحث مقدم للندوة الدولية حول الشريعة الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر بالرباط المغرب سنة 2000م.

(14) الدعوة والإعلام وقضايا البيئة، نشر وزارة الأوقاف – مركز الإعلام والاتصال، ب.ت.

(15)  الفقه الإسلامي ودوره في حل مشكلة التلوث للدكتور محمد زرمان بحث مقدم لمؤتمر الاجتهاد في قضايا الصحة والبيئة والعمران الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع كلية الشريعة بجامعة اليرموك ومنظمة الإيسيسكو في الفترة من3 ـ 5 يونيو2003م بالأردن.

(16)  القرآن الكريم وتلوث البيئة، محمد عبد القادر الفقي. مجلة الوعي الإسلامي، عدد 211 .

(17) كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟ للدكتور خالد عزب، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ  1427هـ/  2006م

(18) المفهوم الإسلامي للبيئة وتلوثها للدكتور على إبراهيم الزيات، بحث مقدم لمؤتمر (الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران) الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع الإيسيسكو واستضافته جامعة اليرموك الأردنية في الفترة من 3ـ 5 يونيو2003م

(19) الماء سائل الحياة للدكتور أحمد مدحت إسلام، نشر دار الفكر العربية، ط 1 سنة 1999م.

(20)  الماء: والتحديات التي تواجهه ووسائل وطرق وآليات المحافظة عليه، رؤية إسلامية حضارية، أحمد علي سليمان، بحث مقدم لمؤتمر (الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران) الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع الإيسيسكو واستضافته جامعة اليرموك الأردنية في الفترة من 3ـ 5 يونيو2003م

(21)   المياه والحياة بين الوفرة والندرة د. أحمد محمد عمر ـ سلسلة قضايا إسلامية، العدد 66 سنة 2000م، يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

(22) الماء والإصحاح في الإسلام للدكتور عبد الفتاح الحسيني الشيخ، ط. منظمة الصحة العالمية سنة 1988م. منشور ضمن سلسلة الهدى الصحي (2).

(23) معجزة خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. نبيه عبد الرحمن عثمان من إصدارات سلسلة دعوة الحق التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة .

(24) منهج الإسلام في تحقيق الأمن: الرؤية والأبعاد، للدكتور إبراهيم أبو محمد، بحث مقدم للمؤتمر العشرين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (مقومات الأمن الاجتماعي في الإسلام)، الذي عقد في القاهرة في الفترة من 16-19 مارس 2008م.

(25)  منهج البحث في علم العقيدة  في ضوء التطور العلمي المعاصر، صالح نعمان، رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة- الجزائر، سنة 2003-2004م

(26) مواجهة الإسلام للتحديات المتصلة بالبيئة، أ.د. ضياء الدين محمد عطية، ط رابطة الجامعات الإسلامية

(27) المياه وأوراق اللعبة السياسية في الشرق الأوسط، فتحي على حسين، الناشر: مكتبة مدبولي سنة 1997م.

(28)  (وجعلنا من الماء كل شيء حي) د. كمال الدين البتانوني مجلة التربية عدد 94.

(29)  نحو بيئة أفضل، للدكتور زين العابدين متولي (سلسلة قضايا إسلامية  رقم 43 يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ) القاهرة 1998م .

(30) وسائل وطرق وآليات المحافظة على الماء، أحمد على سليمان منشور فى كتاب الدعوة والإعلام وقضايا البيئة (حلقة نقاشية) نظمتها وزارة الأوقاف المصرية سنة 2000م.

***

روجع : أحمد : نهائي- 19-12-2011م - 10923

 



([1]) د. محمد فتح الله الزيادي:  الإسلام والبيئة، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة التاسعة عشرة إمارة الشارقة دولة الإمارات العربية المتحدة، سنة ، ص 2-9

.

([2]) د. خالد عزب: كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" 1427هـ/  2006م، ص 5 بتصرف، وانظر: جلال الخانجي، مدخل لمفهوم الدورة الهيدرولوجية عند العرب والمسلمين، ص 86، كتاب أبحاث المؤتمر السنوي الثالث للجمعية السورية لتاريخ العلوم، معهد التراث العلمي العربي بحلب، 1980م، وموريس بوكاي، الكتاب المقدس والقرآن والعلم، ص 187، دار المعارف، القاهرة، 1978م.

(1) الأمن المائي العربي، أعمال المؤتمر الدولي الثامن الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي في الفترة من 21-23 فبراير 2000 بالقاهرة، من كلمة الدكتور صالح بكر الطيار، نشر دار بيسان - بيروت، الطبعة الأولى سنة 2000،  ص 16.

([4]) د. كويتشيرو ماتسورا، لنبرم معاهدة سلام مع الأرض، مجلة التواصل الصادرة عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، في عددها رقم 13، سنة 2007م ، ص 7.

([5]) الأمن المائي العربي، أعمال المؤتمر الدولي الثامن الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي في الفترة من 21-23 فبراير 2000 بالقاهرة، من كلمة الدكتور محمود أبو زيد وزير الأشغال والموارد المائية المصري، نشر دار بيسان بيروت، الطبعة الأولى سنة 2000،  ص 27.

([6]) د. عبد العزيز بن صقر الغامدي، من تقديمه لكتاب: المياه ومتطلبات الأمن المستقبلي في الدول العربية: دراسة في دبلوماسية المياه، تأليف د. طارق المجذوب، مركز الدراسات والبحوث بأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض- المملكة العربية السعودية، سنة 1420هـ – 1999م، ص3 بتصرف.

(1) فتحى على حسين، المياه وأوراق اللعبة السياسية فى الشرق الأوسط، مكتبة مدبولى، القاهرة،  سنة 1997م، ص 7 بتصرف.

(2) محمود محمد حبيب، محروس الشرقاوى، الإسلام والحفاظ على البيئة، طبعة وزارة الأوقاف المصرية، سنة 1999م، ص 67 بتصرف.

([9]) د. أحمد محمد عمر، الماء والحياة ، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة - سلسلة قضايا إسلامية، العدد 66 سنة 2000م، ص 20ـ 21 بتصرف.

([10]) د. نبيه عبد الرحمن عثمان، معجزة خلق الإنسان بين الطب والقرآن، رابطة العالم الإسلامى - مكة المكرمة - سلسلة دعوة الحق، ص 164ـ 167بتصرف.

([11])  تنقسم الأنهار من حيث الانتفاع بها في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما أجراه الله تعالى من كبار الأنهار، كدجلة والفرات والنيل، وهذه يجوز لمن شاء من الناس أن ينتفع بها.

القسم الثاني: ما أجراه الله من صغار الأنهار، وهى على نوعين: أحدهما: ذات منسوب عال، وهذه يجوز لأهلها الانتفاع بها، والثاني: ذات منسوب منخفض، عندئذ يحبس لكل فئة حتى مستوى الكعبين، ثم يترك للفئة الأخرى، وذلك من المنطقة المرتفعة إلى المنخفضة.

أما القسم الثالث: فهو ما احتفره الناس في الأرض، يمرّ النهر فيما بينهم. والنهر هنا يعد ملكًا مشتركًا لا يختص أحدهم بملكيته. راجع: الدكتور خالد عزب، كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟ المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو" 1427هـ/  2006م، ص 12 وما بعدها بتصرف..

([12]) محمد عبد القادر الفقى، القرآن الكريم وتلوث البيئة، مجلة الوعى الإسلامى، عدد 211 ص 44، د. كمال الدين البتانونى (وجعلنا من الماء كل شىء حى)، مجلة التربية عدد 94 ص 513.

([13]) د. على إبراهيم الزيات، المفهوم الإسلامي للبيئة وتلوثها، بحث مقدم لمؤتمر (الاجتهاد فى قضايا الصحة والبيئة والعمران) الذى عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع الإيسيسكو واستضافته جامعة اليرموك الأردنية فى الفترة من 3ـ 5 يونيو2003م، ص 21 بتصرف.

([14]) د. عبد الفتاح الحسيني الشيخ، الماء والإصحاح في الإسلام، منظمة الصحة العالمية، سلسلة الهـدى الصحي (2) سنة 1988م. ص 2ـ 3 بتصرف.

([15])  ولحافر الآبار في الشريعة الإسلامية ثلاثة أحوال:

أولاً: أن يحفرها للسابلة فيكون ماؤها مشتركاً، وقد وقف عثمان رضي الله عنه بئر رومة.

ثانياً: آبار خاصة الابتداء، عامة الانتهاء، فالآبار التي يحتفرها البدو أثناء مرورهم، فهي لهم ما داموا منتجعين أرضها، وإذا تركوها صارت سابلة.

ثالثاً: أنه يحفرها الشخص لنفسه بالفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن لأصحاب الماشية الرعي إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله، منع الناس من رعي ذلك الكلأ، خوفاً على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعاً من رعي الكلأ.. فالمانع يكون مانعاً لشيئين من الممتلكات العامة: الماء والكلأ، والتحريم في ذلك واضح.. راجع: الدكتور خالد عزب، كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟ (مرجع سابق) ص 12 وما بعدها بتصرف. 

([16]) د. عبد الفتاح الحسيني الشيخ، الماء والإصحاح فى الإسلام (مرجع سابق) ص 3ـ 4 بتصرف. 

([17]) د. على الزيات (مرجع سابق) ص 31ـ 32 بتصرف.

(1) آيات الماء في القرآن الكريم:

وردت آيات الماء في القرآن الكريم ثلاثا وستين مرة، على النحو التالي:

قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22].."مدنية"، وقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 74]. ."مدنية"، وقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 164]. ."مدنية"، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً) [النساء: 43]. ."مدنية"، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 6]. ."مدنية"، وقوله: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام 99].."مكية"، وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف 50] .."مكية"، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف 57] .."مكية"، وقوله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) [الأنفال 11].."مدنية"، وقوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس 24] .."مكية"، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) [هود: 7] .."مكية"، وقوله: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) [هود: 43] .."مكية"، وقوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود: 44] .."مكية"، وقوله: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: 4].."مدنية"، وقوله: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) [الرعد: 14].."مدنية"، وقوله: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [الرعد: 17].."مدنية"، وقوله: (مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ) [إبراهيم: 16] .."مكية".قال تعالى: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ) [إبراهيم: 32] .."مكية"، وقوله: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 22] .."مكية"، وقوله: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) [النحل: 10] .."مكية"، وقوله: (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [النحل: 65] .."مكية"، وقوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف: 29] .."مكية"، وقوله: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً) [الكهف: 45] .."مكية"، وقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى) [طه: 53] .."مكية"، وقوله: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30] .."مكية"، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: 5].."مدنية"، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [الحج: 63] .."مدنية"، وقوله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون: 18] .."مكية"، وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39] .."مدنية"، وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النور: 45] .."مدنية"، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً) [الفرقان: 48] .."مكية"، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) [الفرقان: 54] .."مكية"، وقوله: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) [النمل: 60] .."مكية"، وقوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) [القصص: 23] .."مكية"، وقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 63] .."مكية"، وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: 24] .."مكية"، وقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [لقمان: 10] .."مكية"، وقوله: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) [السجدة: 8] .."مكية"، وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة: 27] .."مكية"، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) [فاطر: 27] .."مكية"، وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) [الزمر: 21] .."مكية"، وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فصلت: 39] .."مكية"، وقوله: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [الزخرف: 11] .."مكية"، وقوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى..الآية) [محمد: 15] .."مدنية"، وقوله: (..وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد: 15] .."مدنية"، وقوله: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) [ق: 9] .."مكية"، وقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ) [القمر: 11] .."مكية"، وقوله: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) [القمر: 12] .."مكية"، وقوله: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ) [القمر: 28] .."مكية"، وقوله: (وَمَاء مَّسْكُوبٍ) [الواقعة: 31] .."مكية"، وقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ) [الواقعة: 68] .."مكية"، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) [الملك: 30] .."مكية"، وقوله: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) [الحاقة: 11] .."مكية".، وقوله: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقا) [الجن: 16] .."مكية"، وقوله: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ) [المرسلات: 20] .."مكية"، وقوله: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً) [المرسلات: 27] .."مكية"، وقوله: (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً) [النبأ: 14] .."مكية"، وقوله: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً) [عبس: 25] .."مكية"، وقوله: (خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ) [الطارق: 6] .."مكية"، وقوله: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود: 44] .."مكية"، وقوله: (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا) [النازعات: 31] .."مكية"، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ) [الملك: 30] .."مكية"، وقوله: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً) [الكهف: 41] .."مكية".

(1) من الملاحظ أن معظم آيات الماء جاءت في القرآن المكي، والقرآن المكي جاء ليخاطب الناس، ليعرفهم بالله، ويستحثهم على إعمال عقولهم وقلوبهم في الآيات والحجج والبراهين الدالة على وجوده سبحانه وتعالى، ولما كان الماء من آيات الله تعالى الدالة على وجوده وقدرته، فقد كثر ذكره في الآيات المكية، حضًّا للناس على الإيمان بالله. والله أعلم.

(2) د. أحمد محمد عمر، المياه والحياة بين الوفرة والندرة (مرجع سابق) ص 22.

(3) محمود محمد حبيب، محروس الشرقاوى،  الإسلام والحفاظ على البيئة، ص 62.

([22])  المرجع السابق، ص 64 بتصرف.

(1) د. أحمد محمد عمر،  الماء والحياة بين الوفرة والندرة، ص 25 بتصرف.

(2) المرجع السابق ص 22 – 24 بتصرف.

(3) محمود محمد حبيب، محروس الشرقاوى، الإسلام والحفاظ على البيئة، ( مرجع سابق ) ص 62.

([26]) مجمع اللغة العربية، معجم الهيدرولوجيا، القاهرة 1984م، ص 72.

 ([27]) راجع: خالد عزب (مرجع سابق) ص 5 بتصرف

(1) صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة  في ضوء التطور العلمي المعاصر، رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين والشريعة والحضارة الإسلامية، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة- الجزائر، سنة 2003-2004م، ص 267-270

(2) الدكتور أحمد فؤاد باشا: رحيق العلم والإيمان - موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. www.amaneena.com: .

(1) زغلول النجار: الإعجاز العلمي في القرآن. ج3, ص13.

(2) زغلول النجار: مرجع سابق ج3, ص13. وانظر:  صالح نعمان ، منهج البحث في علم العقيدة  في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق، ص 267-270.

([32]) نقلا عن: د. خالد عزب (مرجع سابق) ص 5 بتصرف، وانظر: جلال الخانجي، مدخل لمفهوم الدورة الهيدرولوجية عند العرب والمسلمين، ص 86، كتاب أبحاث المؤتمر السنوي الثالث للجمعية السورية لتاريخ العلوم، معهد التراث العلمي العربي بحلب، 1980م، وموريس بوكاي، الكتاب المقدس والقرآن والعلم، ص 187، دار المعارف، القاهرة، 1978م.

([33]) د. عبد الفتاح الشيخ، مرجع سابق، ص 1 بتصرف.

([34]) د. أحمد مدحت إسلام، الماء سائل الحياة، نشر دار الفكر العربي، ط 1سنة 1999م، ص 28-30 بتصرف.

([35]) د. عبد الحميد المجالي: البحوث الطبية في أحكام الطهارة، بحث مقدم لمؤتمر (الاجتهاد في قضايا البيئة والصحة والعمران) الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع الإيسيسكو واستضافته جامعة اليرموك الأردنية في الفترة من 3- 5 يونيو2003م،، ص 5 بتصرف. 

([36]) محمد عبد القادر الفقي: القرآن الكريم وتلوث البيئة مجلة الوعي الإسلامي، عدد 211 ص 44، د. كمال الدين البتانوني، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، مجلة التربية عدد 94 ص 513.

([37]) د. محمد زرمان، الفقه الإسلامي ودوره في حل مشكلة التلوث، بحث مقدم لمؤتمر: الاجتهاد في قضايا الصحة والبيئة والعمران الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع كلية الشريعة بجامعة اليرموك ومنظمة الإيسيسكو في الفترة من3 ـ 5 يونيو2003م بالأردن.

([38]) صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة  في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق ص 351 وما بعدها بتصرف.
(2) تعد الكائنات الدقيقة أمة من الكائنات الحية, التي لا تَرى أعيننا معظمَها, وتوجد في كل مكان, في الهواء والماء والتربة, وعلى أجسامنا وفي أفواهنا وأمعائنا, بل وأحيانا في الطعام الذي نأكله, وبعضها مفيد وبعضها الآخر ضار, وتتكون من عائلات وأجناس وأنواع متباينة وعديدة, وتتفاوت في الصغر. فأصغرها الفيروسات, ويليها الميكروبات ثم الفطريات ثم الطفيليات الأولية, فالديدان المتطفلة بأنواعها المختلفة وأخيرًا الحشرات المفصلية المتطفلة, وهي كائنات متخصصة لكل عضو ونسيج. وتعيش هذه الكائنات في مخازن تتنوع بين ثلاثة مصادر هي الإنسان والحيوان والبيئة (التربة والماء), ويعد الإنسان مخزنًا رئيسًا لعدد كبير من الكائنات الدقيقة في أماكن مهمة في جسمه تعمل كمخازن دائمة لها, وأبرزها: الجلد والفم, والأنف والحلق والقناة الهضمية, والتي تحتوي عددا كبيرا من الميكروبات والفيروسات, والتي يمكن أن تبقى في جسم الإنسان لعدة أشهر أو سنوات.. بحيث تهاجمه وتلحق به الضرر, وهو يقاومها بكل الأسلحة التي سخرها له الله سبحانه وتعالى, ويغالبها بها. فالجلد يعد مخزنا لنسبة عالية من البكتيريا والفطريات, ويكثر معظمها على البشرة وجذور الشعر, ويتراوح عددها من عشرة آلاف إلى مائة ألف جرثومة على كل سنتمتر مربع من الجلد الطبيعي, وفي المناطق المكشوفة منه, يتراوح العدد من مليون إلى خمسة ملايين جرثومة: سم2، كما ترتفع هذه النسبة في الأماكن الرطبة مثل: المنطقة الإربية, وتحت الإبط, إلى عشرة ملايين جرثومة/ سم، وهذه الجراثيم في تكاثر مستمر. أما الفم فتستقر فيه أعداد هائلة وأنواع كثيرة من هذه الكائنات الدقيقة, تزيد على ثلاثمائة مستعمرة, ويتراوح عدد الجراثيم في اللعاب إلى حوالي مائة مليون جرثومة في كل ميليمتر مربع, كما توجد بعض الفطريات والطفيليات الأولية في عدد من الأشخاص, وهي تتغذى على بقايا الطعام بين الإنسان, وينتج من نموها وتكاثرها أحماض وإفرازات كثيرة, تؤثر على الفم ورائحته وعلى لون الإنسان وأدائها. أما الأنف الذي يعد مكانا مهما وحيويا, إذ هو المدخل للجهاز التنفسي, هو أول ما تصل إليه الميكروبات التي تنتقل بالرذاذ مثل الانفلونزا وشلل الأطفال والدفتيريا وغيرها كثير, لتنتقل إلى الحلق ثم داخل الجسم وتصيبه بالمرض كما أكد ذلك الدكتور عبد الجواد الصاوي في بحثه: "من إعجاز القرآن الكريم والسنة المطهرة في الطب الوقائي والكائنات الدقيقة". كما يلصق على غشائه المخاطي الغبار وبعض بذور الفطريات والعفنيات الموجودة في الهواء, وتعلق في جوفه عدة مستعمرات جرثومية. والأيدي من أهم الأعضاء تعرضا لنقل الأمراض, إذ تنقل المرض عند مصافحة المريض أو عند نقل طعام ملوث أو لمس أشياء ملوثة أو بعد الذهاب إلى الغائط, وبعض الديدان تنتقل من نفس الشخص المصاب عند التبرز إلى فمه, إذا أكل ولم يغسل يديه جيدا, كما تنقل اليد غير النظيفة فيروسات وميكروبات تتسبب في أمراض التيفود, والدوسنتاريا, والنـزلات المعوية, والتسمم الغذائي. ويقول أحمد القاضي في دراسته عن: "أوجه الارتباط بين القيم الإسلامية والإصابة بالسرطان" لقد أثبت العلم أن من بين العوامل المساعدة على حدوث السرطان, إهمال بعض النواحي في النظافة الشخصية, كتنظيف الفم وفتحة الشرج والأعضاء التناسلية وغيرها. نقلا عن: صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة  في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق ص 351-256 بتصرف.
(1) المرجع السابق ص 351 وما بعدها.

([41])  د. محمد عبد العليم العدوي: الإسلام وحماية البيئة، من أعمال مؤتمر الاجتهاد فى قضايا البيئة ص6 وما بعدها بتصرف، د. عبد الحميد المجالي: البحوث الطبية فى أحكام الطهارة، ص 5 وما بعدها بتصرف.

(1) المرجع السابق.

([43])  د. محمد عبد العليم العدوي: الإسلام وحماية البيئة، من أعمال مؤتمر الاجتهاد فى قضايا البيئة ص6 وما بعدها بتصرف، د. عبد الحميد المجالي: البحوث الطبية فى أحكام الطهارة، ص 5 وما بعدها بتصرف..

([44]) د. محمد عبد العليم العدوي: الإسلام وحماية البيئة (مرجع سابق) ص6.

([45]) محمد على الصابوني: مختصر تفسير ابن كثير، دار القرآن الكريم، بيروت الطبعة، السابعة سنة 1981م، صـ473.

([46]) د. محمد زرمان: الفقه الإسلامي ودوره فى حل مشكلة التلوث (مرجع سابق) صـ29-30 بتصرف، وانظر أيضاً: الشوكاني: نيل الأوطار ، طبعة دار الجيل، بيروت ج1 صـ250،  محمد شمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود، طبعة دار الكتب العلمية. بيروت، الطبعة الثانية 1415هـ، جـ1 صـ118.

([47]) أي غطوا الطعام واربطوا قِرب الماء.

([48]) د. عبد الفتاح الشيخ: اهتمام الإسلام بالماء والنظافة، ص26.

([49]) المرجع السابق .

([50]) النارنج: شجرة مثمرة من الفصيلة السذابية دائمة الخضرة، لها رائحة عطرية، وأزهارها بيض، عبقة الرائحة، تظهر فى الربيع وتستعمل فى صنع ماء الزهر وبعض العطور. راجع: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، صـ913 .

([51]) الليم: هو نفسه الليمون، وهو شجر مثمر من فصيلة البرتقاليات.

([52]) السرو: جنس شجر حرجي للتزيين، من فصيلة الصنوبريات. راجع: مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، صـ248.

([53]) مقدمة ابن خلدون. ص251.

([54]) د. محمد زرمان ( مرجع سابق ) صـ32ـ33 بتصرف.

([55]) راجع الزميل د. خالد عزب (مرجع سابق) ص 7 وما بعدها بتصرف.

([56]) ويعدّ هذا الحق مشروعاً لكل شخص (مسلماً كان أو غير مسلم)، سواء بإرواء عطشه أو سقي دابته إلخ.

([57]) د. محمد زرمان ( مرجع سابق ) ص32-33 بتصرف.

([58]) د. محمود حمدي زقزوق: من تقديمه لكتاب الدعوة والإعلام وقضايا البيئة، وزارة الأوقاف المصرية - مركز الإعلام والاتصال، ص5 بتصرف.

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft