بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





الصحابة رضي الله عنهم مكانتهم وفضلهم وحكم من طعن فيهم للأستاذ الدكتور /أحمد بن يوسف الدريويش



   عدد الزيارات

 

 

الصحابة رضي الله عنهم  

مكانتهم وفضلهم وحكم من طعن فيهم

إعداد

معالي الأستاذ الدكتور /أحمد بن يوسف الدريويش

رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد ـ باكستان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والتسليم أما بعد:-

فإن الأمم لا تسمو ولا تعز إلا إذا عرف آخرها فضل أولها وعلموا ما من الله به عليهم من المحافظة على دينها والدفاع عنه، وبذل الغالي والنفيس والمهج في سبيل عز هذه الأمة ومكانتها.

فإذا لم تعرف الأمة أو آخرها فضل أولها فإنها تهدم بنيانها بيدها وتضيع أصولها وسندها.

وقد اصطفى الله سبحانه من بين البرية النبي الأمي محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتما للرسل ثم اصطفى سبحانه لصحبة هذا النبي (صلى الله عليه وسلم) خير البشر وهم صحابته الكرام، وحيث وجد في العصور المتأخرة من نال من كرامة هؤلاء الصحابة ومن فضلهم لزم التذكير بذلك وإلا هو من مسلمات المسلمين ومن المعروف من عقيدة المسلمين بالضرورة عدالة ومكانة وفضل أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم).

لذا سيكون الحديث في هذه المحاضرة عن الصحابة مكانتهم وفضلهم، وفق النقاط التالية:

النقطة الأولى: من هم الصحابة؟

النقطة الثانية: ذكر ما ورد في الكتاب والسنة في فضل الصحابة ومكانتهم.

النقطة الثالثة: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام .

النقطة الرابعة: الطعن في الصحابة رضي الله عنهم أو التنقص من قدرهم وحكم ذلك.

النقطة الأولى: من هم الصحابة؟

الصحابة جمع صاحب، وهو من كثرة ملازمته لصاحبه قال الفيروزآبادي في القاموس المحيط:»صحِبه كسمِعَه، صَحابة، ويكسر، وصُحبَة: عاشره، وهم أصحاب، وأصاحِيب وصُحبان وصِحاب وصَحابة، وصِحابة وصَحب، واستصحبه: دعاه إلى الصحبة ولازمه«([1]).

وفي الاصطلاح: الصحابي هو »من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمنا به ولو حكما ومات على ذلك«([2]).

وعلى هذا فإن كل من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمنا به ظاهراً وباطناً ولو للحظة من الزمن ومات على ذلك يعد من الصحابة.

فخرج من الصحابة من أسلم في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم ير النبي (صلى الله عليه وسلم) أولم يجتمع به، وهذا مثل من قدم إلى المدينة ليبايع النبي (صلى الله عليه وسلم) فمات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يصل، فهذا ليس بصحابي ولكن اصطلح على تسميته بمخضرم([3]).

وكذلك يخرج بالتعريف من اجتمع به (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ظاهراً لاباطناً وهم المنافقون .

وكذا خرج بالتعريف من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) غير مؤمن به، حتى وإن آمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته، لأنه لما رآه لم يكن مؤمنا.

وكذلك يخرج بالتعريف من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ثم ارتد بعد ذلك .

وكذا يدخل في تعريف الصحابي كل من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ولو حكما كالصبي الذي في المهد.

ويدخل فيه من اجتمع بالنبي (صلى الله عليه وسلم) مؤنا به ثم ارتد ثم آمن ومات على إيمانه([4]).

وعلى هذا فإن الصحابة عددهم كثير جدا لم يحدده العلماء برقم دقيق بل ذكروا أن الصحابة ش يزيدون على المائة ألف صحابي.

وكلهم لهم الفضل والسبق إلا أنهم يتفاضلون فيما بينهم.

وقد يتبادر إلى ذهن البعض هل مصطلح الصحابة مصطلح شرعي أو مصطلح اصطلاحي اصطلاح عليه أهل فن معين؟

مصطلح الصحابة مصطلح قرآني نبوي, ورد به القرآن والسنة .

فقد سمى الله سبحانه ونبيه (صلى الله عليه وسلم) الصحابة بهذا المسمى الصحابة أو اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى:ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [التوبة:40] ، فسمى الله سبحانه أبا بكر رضي الله عنه صاحب وجمعه أصحاب وصحابة، ويدل لذلك ايضا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ([5])«، وقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: أَرِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ قَالَ مَنْ هَذَا قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ أَحْرُسُكَ فَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَمِعْنَا غَطِيطَهُ([6])، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ:» السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا«، قَالُوا أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:» أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ« فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:» أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ« قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:» فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا«([7])، ففرق النبي (صلى الله عليه وسلم) بين الصحابة فسماهم أصحابي وبين من يأتي بعدهم من المؤمنين وسماهم إخوانا، وهذا يدل على أن تسميت الصحابة بهذا الاسم ليس محدثا.

النقطة الثانية: ما ورد في الكتاب والسنة في فضل الصحابة ومكانتهم.

جاء الكتاب العزيز كلام رب العالمين ناطقا بفضل خير هذه الأمة أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، كما جاءت نصوص كثيرة من أقوال المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عليه تدل على عظم مكانة الصحابة وفضلهم وسبق للحسنى، وسأورد في هذه العجالة بعضا من هذه النصوص الكثيرة:

أولاً ما ورد في فضل الاصحابة في القرآن الكريم :

1- قال الله تعالى: ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ[التوبة:100]

فدلت هذه الآية على مكانة الصحابة وأفضليتهم وأن الله سبحانه فوق عرشه رضي عنهم وأرضاهم عنه، وأن موعدهم الجنة التي ذكرها سبحانه، قال ابن كثير رحمه الله:»فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: فويل لمن أبغضهم أو سَبَّهم أو أبغض أو سبَّ بعضهم، ولا سيما أكثرهم إيماناً بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة، رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويُبغضونهم ويَسُبُّونهم، عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبُّون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.«([8]).

2- وقوله تعالى: ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [الفتح:29]

فدلت هذه الآية على ثناء الله سبحانه للصحابة وذكرهم بالصفات الحميدة من أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، وأنهم يبتغون فضل الله ورضوانه، وانه دائمون على الصلاة بالركوع والسجود، وأثنى الله عليهم في الكتب المنزلة على موسى وعيسى عليهما السلام فذكر سبحانه مثل الصحابة في التوراة ومثلهم بالإنجيل، ثم ذكر سبحانه انه وعد المؤمنين وعلى رأسهم الصحابة المغفرة والأجر على العظيم، وقد استدل بهذه الآية بكفر من يبغض الصحابة فقد قال ابن كثير رحمه الله :»ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك -رحمه الله، في رواية عنه-بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم«([9]).

3- قوله تعالى:ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [الفتح:18]

فدلت هذه الآية الكريمة على أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عن الصحابة الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال ابن كثير:»يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة،«([10]).

4- وقوله تعالى: ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [الأنفال:72-75]

حيث أثنى الله سبحانه على الصحابة بقسميهم المهاجرين الذين تركوا أوطانهم وديارهم وأموالهم وهجروها من أجل الله، والأنصار الذين آووا النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الذين هاجروا معه، ونصروه وأيدوه وآخوا المهاجرين، حيث بين سبحانه أن بعضهم أولياء لبعض، وأنهم هم المؤمنون حقا ووعدهم سبحانه بالمغفرة والرزق الكريم، وهذا ثناء منه سبحانه ورد في آيات كثيرات في كتاب الله([11]).

5- وقوله تعالى: ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [الحديد:10]

6- وقوله تعالى: ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ [الحشر:8-10]

قال ابن كثير في تفسيره:»قول تعالى مبينًا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم    ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه  ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ أي: هؤلاء الذين صَدَقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين.ثم قال تعالى مادحًا للأنصار، ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حَسَدهم، وإيثارهم مع الحاجة، فقال: ـ ـ ـ ـ ـ ـ أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم.«([12]).

ويقول الأمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله بعد ذكره لهذه الآيات:»وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء. فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبا، بنص القرآن.«([13]).

ثانياً : فضل الصحابة ومكانتهم من السنة :

أما من السنة فقد دلت أحاديث كثيرة على فضل الصحابة ومكانتهم وعدالتهم بصفة عامة، وكذا دلت أحاديث كثيرة جدا على فضل آحاد الصحابة كأبي بكر  وعمر بن الخطاب وبقية الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين في الجنة، وغيرهم من الصحابة، ومن هذه الأحاديث:

1- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ([14])«.

فدل الحديث على فضل الصحابة رضي الله عنهم ومن أنفق الأموال العظيمة ولو كانت كالجبال ومن يقدر على هذا لم يبلغ فضل احد الصحابة في الإنفاق بالمد أو نصيفه، يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في تعليقه على هذا الحديث:»والمقصود أنه نهى من له صحبة متأخرة أن يسب من له صحبة متقدمة ، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه ، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية ، وإن كان قبل فتح مكة - فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ؟ رضي الله عنهم أجمعين«([15]).

2- قال البخاري في صحيحه:حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيَقُولُونَ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ فَيُقَالُ هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ«([16]).

3- عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:»خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ« قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا »ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ«([17]).

4-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:» خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ«([18]).

5-عن واثلة بن الاسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :» لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني ، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني«([19]).

فهذه الأحاديث دلت على أن أفضل القرون في هذه الأمة القرن الذي بعث النبي r فيه وهو قرن الصحابة ثم من بعدهم، ويدل على فضل الصحابة وأن لهم مزية على غيرهم حيث يستفتح بهم في البعوث وبمن صحبهم  وهم التابعيين ثم بمن صحب التابعيين وهم أتباع التابعيين([20]

ثالثاً : فضل الصحابة ومكانتهم من الإجماع :

قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى : ( إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتنة منهم فكذلك, بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع ) ([21])

رابعاً: فضل الصحابة ومكانتهم من المعقول :

أما دلالة العقل:

فمن نظر في سيرة الصحابة رضوان الله عليهم بعلم وبصيرة، وما من الله به عليهم من الفضائل؛ من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح علم يقينا ً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، وأنهم هم الصفوة، من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. فلو لم يرد الثناء عليهم من الله ورسوله لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين، القطع بعدالتهم واعتقاد نزاهتهم.

 

النقطة الثالثة: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة.

أما عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة فقال ابن تيمية - رحمه الله - في العقيدة الواسطية:»وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ  [الحشر:10]، وَطَاعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ :»لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ«.وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ«([22]).

وقال الطحاوي في عقيدته:»ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم. ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم. ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان«([23]).

وهم يحبون آل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) ويتولونهم ويحفظون وصية النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويمسكون عما شجر بين الصحابة([24]).

 

النقطة الرابعة: الطعن في الصحابة رضي الله عنهم أو التنقص من قدرهم وحكم ذلك.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال (صلى الله عليه وسلم): (( من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) [25].

يقول الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله:»وفي الحقيقة إن سب الصحابة رضي الله عنهم ليس جرحا في الصحابة رضي الله عنهم فقط بل هو قدح في الصحابة وفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي شريعة الله وفي ذات الله عز وجل:

- أما كونه قدحا في الصحابة، فواضح.

- وأما كونه قدحا في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحيث كان أصحابه وأمناؤه وخلفاؤه على أمته من شرار الخلق، وفيه قدح في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجه آخر، وهو تكذيبه فيما أخبر به من فضائلهم ومناقبهم.

- وأما كونه قدحا في شريعة الله، فلأن الواسطة بيننا وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نقل الشريعة هم الصحابة، فإذا سقطت عدالتهم، لم يبق ثقة فيما نقلوه من الشريعة.

- وأما كونه قدحا في الله سبحانه، فحيث بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شرار الخلق، واختارهم لصحبته وحمل شريعته ونقلها لأمته.

- فانظر ماذا يترتب من الطوام الكبرى على سب الصحابة رضي الله عنهم.

- ونحن نتبرأ من طريقة هؤلاء الروافض الذين يسبون الصحابة ويبغضونهم، ونعتقد أن محبتهم فرض، وأن الكف عن مساوئهم فرض، وقلوبنا ولله الحمد مملوءة من محبتهم، لما كانوا عليه من الإيمان والتقوى ونشر العلم ونصرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ«([26]).

 

وفي الختام يقول الأمام السفاريني عقيدته:

وليس في الأمة ك الصحابة

في الفضل والمعروف والإصابة

فإنهم قد شاهدوا المختارا

وعاينوا الأسرار والأنوارا

وجاهدوا في الله حتى بانا

دين الهدى وقد سما الأديانا

وقد أتى في محكم التنزيل

من فضلهم ما يشفي للغليل

وفي الأحاديث وفي الآثار

وفي كلام القوم والأشعار

ما قد ربا من أن يحيط نظمي

عن بعضه فاقنع وخذ عن علم

واحذر من الخوض الذي قد يزري

بفضلهم مما جرى لو تدري

فإنه عن اجتهاد قد صدر

فاسلم أذل الله من لهم هجر

وبعدهم ف التابعون أحرى

بالفضل ثم تابعوهم طرا

 

ويقول فيهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته المشهورة :

أولئك أصحاب النبي وحزبه

ولولاهم ما كان في الأرض مسلم

ولولاهم كانت تميد باهلها

ولكن رواسيها وأوتادها هم

ولولاهم كانت طلاقاً بأهلها  

ولكن هم فيها بدور وأنجم

 

والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين . .



([1]) القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة »صحب« 104.

([2])  ينظر: شرح العقيدة السفارينية للشيخ محمد العثيمين رحمه الله 579.

([3])  ينظر: المرجع السابق.

([4])  ينظر: المرجع السابق 579-580.

([5])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3673، ومسلم في صحيحه برقم 2541.

([6])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6690.

([7])  أخرجه مسلم في صحيحه برقم 367.

([8])  تفسير ابن كثير ط.دار طيبة 4/203

([9])  تفسير ابن كثير 7/362.

([10])  المرجع السابق 7/339.

([11])  ينظر: تفسير ابن كثير 4/95-96.

([12])  المرجع السابق 8/68.

([13])  شرح العقيدة الطحاوية ط مؤسسة الرسالة 2/691.

([14])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3673، ومسلم في صحيحه برقم 2541.

([15])  شرح العقيدة الطحاوية، ط مؤسسة الرسالة 2/692.

([16])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3649، ومسلم في صحيحه برقم 2532.

([17])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3650، ومسلم في صحيحه برقم 2535.

([18])  أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3651، ومسلم في صحيحه برقم 2533.

([19])  أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 7/549، وقال ابن حجر في فتح الباري 8/316 »وإسناده حسن«، وصححه الألباني في مختصر السلسلة الصحيحة برقم 3283.

([20])  ينظر: فتح الباري 8/315.

 

([21]) مقدمة ابن الصلاح : ص428.

([22])  شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين 587-592.

([23])  شرح العقيدة الطحاوية، ط مؤسسة الرسالة 2/689.

([24])  المراجع السابقة.

([25]) أخرجه ابن ماجه : 1/24 أخرجه الطبراني في الكبير : 12/142 , وفي الأوسط : ( 7515 ) وفي الدعاء : ( 2108 ) والخلال في السنة ( 833 ) والخطيب البغدادي في التاريخ : 14/241 وابو نعيم في الحلية والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم : ( 2340 ) وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه : 1/24 ( هذا إسناد صحيح ) .

([26]) شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين 616.

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft