بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





التأسيس النبوى للتربية المستقبلية؛الصحابة نموذجا للأستاذ الدكتور سعيد إسماعيل علي



   عدد الزيارات

التأسيس النبوى للتربية المستقبلية؛

الصحابة نموذجا

د.سعيد إسماعيل على

الخبير التربوي – أستاذ أصول التربية كلية التربية جامعة عين شمس

   الدين، والتربية، والمستقبل...عروة وثقى :

  فى كثير من الكتابات المناهضة للتوجه الإسلامى يتردد الدفع بأن هذا التوجه يُحَول نظر الإنسان إلى الماضى، وتتكرر عبارة :\" أتريدون أن ترجعوا بنا إلى الوراء قرنا ونصف قرن على وجه التقريب ؟ \" ويستندون فى انتقادهم هذا إلى تركيز أصحاب التوجه على أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله، وكذلك الأمر بالنسبة لصحابته عليهم رضوان الله، واستشهادات لا تنكر بأقوال وأفعال كثير من علماء المسلمين فى قرون ماضية .

   ولابد قبل أن ندلف إلى قضية دراستنا أن نتوقف بعض الشئ – تأملا ومناقشة - أمام هذا التصور الذى نراه مجانبا للحقيقة ...

   هنا لابد أن نميز بين أمرين، أولهما – على سبيل المثال – مجموعة العقائد والقيم التى نراها تتميز بالاستقرار والثبات، مما يجعلها فوق الجدل والنقاش، فنحن لا نناقش وجود الشمس والقمر مثلا، هكذا وجود الله ،وصدق دعوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، هى بالنسبة للمسلم الركن الأساسى للعقيدة؛ لا تخضع بأى حال من الأحوال لإعادة النظر والمناقشة، ومن حق غير المسلم ألا يعتبرها كذلك، لكن ما دام الإنسان قد أصبح مسلما، فهذا يعنى أنه – بعد نظر وتحقق وفهم ووعى – قد اعتبر هذه العقيدة \" مسَلمة \" يُبنى عليها، ولا تنبنى هى على غيرها، وينحصر عمل العقل هنا بعد الإيمان فى عمليات الفهم والبيان وما يترتب على هذا وذاك من \" إجراءات \" و \" سلوك \" و \" أفعال \" على أرض الواقع .

   وهناك ثانيا، ما قد يصعب حصره من جوانب ومجالات وأفعال وممارسات فى حياتنا الشخصية والاجتماعية، على كافة الأصعدة مما يتغير بتغير الزمان والمكان، مثل الملبس والمسكن والطعام والشراب وما سار على هذا الطريق، فتلك أمور هى بحكم طبيعتها يختلف الرأى إزاءها فى \" الأسلوب \" وفى \" المحتوى \"، لكنها هى أيضا بدورها تنبنى على بعض القيم الأساسية والمبادئ الكلية، فهناك بالنسبة للملبس مثلا \" مبدأ الحشمة \" الذى من المحتم مراعاته، وخاصة بالنسبة للإناث . والأمر كذلك بالنسبة للطعام، فهناك نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تحرم البعض منه، وتترك الساحة أوسع كثيرا لما هو حلال .

   و\" العدل \" قيمة مركزية من القيم الإنسانية فى الإسلام، لابد من مراعاته، لكن \" الأشكال \" التى يتشكل بها، و\" الوسائل \" التى ينفذ بها، فهى ساحة واسعة للاجتهاد البشرى وتغير الزمان والمكان ...وهكذ، قل فى كثير من القيم الأساسية .

   فالقول بثبات عقائد وقيم لا يعنى أبدا جمودا فى المواقف، ومن ثم فالاستناد إلى النصوص بشأنها، وبنماذج ممن طبقوا وساروا على النهج، لا تدل بالضرورة على رجوع إلى وراء . هل لو وجدنا موقفا رائعا لنبى الله يوسف عليه السلام، وهو يقف مقاوما إغراء جنسيا وتذاكرناه وسعينا إلى الاقتداء به يعد هذا نكوصا إلى وراء ؟ هل لو درسنا مواقف عناد من أشركوا بالله وجحدوا به، وكيف عاقبهم المولى عز وجل فى الدنيا، فضلا عما سوف يلقونه فى الآخرة، مخاصمة للحاضر وازورارا عن المستقبل؟ إن مثل هذا وذاك من مواقف يدعو الإسلام إلى التأسى بها معنى وقيمة، وهى تتكرر فى كل زمان ومكان، فالجنس قرين للحياة البشرية، وما زال مئات الألوف، إن لم يكن الملايين من البشر لا يؤمنون بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر .

   بل إننا لنتساءل بدهشة واستنكار : وهل نهى الإسلام عن النظر المستقبلى ؟

   يجيب البعض بأن هذا إن لم يكن قد تم صراحة ووضوحا، فإنه يفهم من بعض \" الأساسيات \" الدينية، مثل الإيمان بالقدر، خيره وشره، ومبدأ \" التوكل \"، وأن مشيئة الله قد حددت كل شئ، المبدأ والمنتهى، وما بينهما، فكيف يمكن فى ظل هذا وذاك \" التخطيط \" لتغيير المسارات واختصار المسافات، سعيا للوصول على أهداف مبتغاة ؟

   إن مناقشة هذا مما يدخلنا فى \" معمعة \" قضية الجبر والاختيار، مما كتبت فيه آلاف الصفحات، واختلفت إزاءه المواقف والآراء، لكننا، وباختصار شديد، نؤمن – على النهج نفسه – أن هناك \" جبرا \" فى أمور كلية، و\" اختيارا \" فى أمور تفصيلية ...نحن لا نختار نوعنا وأبانا وأمنا والبيئة التى ننشأ فيها، والزمن الذى نولد وننشأ فيه، واللغة التى نبدأ بها الاتصال بالناس والحياة، ولا لوننا، وغالبا لا نختار ديننا، إلا فيما ندر، وبعد مرحلة من العمر والنضج، حيث يقوم نفر بتغيير دينهم، وهذه أمور، كلها لها دورها الأساسى فى تشكيل عقولنا واتجاهاتنا وميولنا وثقافتنا، وبالتالى أحكامنا وتقييماتنا . لكن هناك ما قد يصعب حصره فى مجالات الاختيار وتحمل مسئولية الاختيار .

   بل إن عقيدة \" الحساب \"، فى عالم آخر، بعد البعث، تستلزم وجوبا أن تكون للإنسان حرية اختيار واسعة، وإلا، فعلى ماذا يحاسب ؟

   هنا مربط الفرس فى \" النظر المستقبلى \" للإسلام ....

    فعقيدته تقوم على الإيمان بعالم آخر، هو الدائم، وهو الخير، وهو الحق، وهو المقصد، وسدرة المنتهى، وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، أو هى مجرد \" نقطة عبور \" ... جسر ... وكل ما يلقاه الإنسان فى هذا العالم الآخر، الذى هو – مرة أخرى – الأساس، والمقصد، إنما يترتب على ما يفعله الإنسان فى فترة العبور ..فى المرحلة الانتقالية ..فى الدنيا .

    عن عبد الله بن عمر، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبى فقال : \" كن فى الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل \" ( أخرجه البخارى ، كتاب الرقاق، باب قول النبى كأنك غريب أو عابر سبيل ) ؛ فوصية الرسول لابن عمر تسير فى اتجاه معاكس لما نشهده اليوم من حث على \" تأمين المستقبل \"، بمعنى آخر، فالرسول يوصى ابن عمر أن تكون حاله فى هذه الدنيا كحال الغريب الذى ليس له مسكن يأوى إليه، بل ترقى به حين قال \" أو عابر سبيل \"، لأن الغريب قد يسكن فى بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل، القاصد لبلد بعيد، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة ( سليمان العيد،1415هـ: 207 ) .

   فكأن المسلم – بحكم العقيدة – لا ينبغى أن يفارق النهج المستقبلى – وعيه فى لحظة من اللحظات، إذ لابد أن يسائل نفسه دوما : ما الذى ينتظرنى من جزاء فى الآخرة نتيجة هذا الذى أعمل ؟

   وفى المعنى نفسه، عن أبى مسعود قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، فقلنا : يا رسول اله ...لو اتخذنا لك وطاء ؟ فقال : \" مالى وللدنيا ؟ ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها \" . أخرجه الترمذى، وابن ماجه، وأحمد، والحاكم .

    فالحديث فيه بيان لزهد النبى، وعزوفه عن الدنيا .

   وفيه أن الدنيا عمرها قصير، مثل الوقت الذى يقضيه المسافر تحت شجرة ليستريح ويستظل من الحر فى ظلها، ثم يذهب ويتركها، فكذلك المسافر العاقل والعارف بأحوال الدنيا كالمسافر ليبلغ الآخرة، فعلى كل من يرغب فى الوصول إلى دار السلام آمنا أن يستوعب هذا المثل الذى ضربه النبى صلى الله عليه وسلم .

   ومن الأحاديث التى تبين حرص رسول الله على التأكيد على المسلمين ألا يتكالبوا على متع الدنيا، وألا تكون \" مقصدا \" أساسيا، إذ أن هذا من شأنه أن يزكى حمى التنافس الدنيوى، مما قد يدفع البعض إلى أن يبرر لنفسه أى وسيلة تمكنه من الفوز فى حلبة الصراع على المغانم الدنيوية، فتتقطع أواصر العلاقات القرابية والعلاقات الاجتماعية، ويسود ما يسمونه بقانون الغاب، فقد روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، فمر بجدى أسك ( قصير الأذنين )، ميت فتناوله بأذنيه ثم قال :

    أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟

   قالوا : ما نحب أنه بشئ ( أو ما نصنع به )

   قال : أتحبون أنه لكم ؟

   قالوا : والله لو كان حيا كان هذا السك عيبا فيه، فكيف وهو ميت ؟

  فقال : فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم ( رواه مسلم، وأبو داود ) .

   أسلوب حوارى عملى يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم جديا مقطوع الأذنين ميتا تزكم رائحته الأنوف، يمسكه من إحدى أذنيه ويعرضه على أصحابه أن يشتروه بدرهم فيأبون، وماذا يفعلون بمثل هذه الجيفة ؟  لو كان حيا وهو مقطوع الأذنين ما رغبوا فيه، فكيف وهو ميت ؟

   حين يصلون إلى هذا القرار، يعظهم رسول الله فيهون أمر الدنيا فى أعينهم ( أحمد فريد، 1999: 230 ).

    لكن البعض ربما يفهم من هذا الزهد أنه يعنى الوقوف موقف اللامبالاة مما يقع فى هذه الحياة الدنيا، وليس هناك ما هو أبعد من ذلك، فالزهد هنا يعنى أن نملك نحن زمام ما فى الدنيا من أشياء ولا ندعها هى التى تتمكن منا، وأن نقنع بالحدود الدنيا من المتع الدنيوية، حفاظا على تكثير الفوائض ليحظى بها كثيرون ممن لا تتيح لهم ظروفهم أن يصلوا حتى إلى هذا الحد الأدنى. هذا من ناحية ...

   ومن ناحية أخرى، فلنتخيل : ماذا يكون أمر التاريخ كله، والحضارة، والمستقبل، إذا كان رسول الله قد استسلم للإغراءات التى عرضت عليه فى سنوات الدعوة الأولى ؟ لقد رفض ما رفض وعيا منه صلى الله عليه وسلم بسلم الأولويات، فالجهاد فى التمكين لرسالة الإسلام، ونشرها، لا تساويه أبدا كل كنوز الدنيا حتى لو عاش فقيرا يقف الأمر به عند حد الكفاف، ويكفيه أنه  بهذا الزهد قد ضمن المستقبل لملايين من البشر ساروا طوال القرون على نهجه، وخسرته ملايين أخرى لم تسر على هذا النهج النبوى العظيم .

   ويعزز من هذا الذى نقول، عشرات الأحاديث والمواقف النبوية، يكفى منها الإشارة إلى ما نقل عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفى كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ...\" أخرجه مسلم، وأحمد، والنسائى .

    فهنا نتساءل : وكيف يكون المؤمن قويا ؟ ذلك باب واسع يحتاج إلى العديد من الصفحات، ويكفى أن نقول أن القوة هنا هى كل جهد يضاف إلى المسلم فيزيده قدرة وفاعلية فى بناء الحياة الإسلامية وتعزيز قوة الأمة ونهوضها الحضارى، سواء كانت هذه القوة جسدية أو عقلية أو وجدانية، وقبل هذه وتلك ، قوة إيمان ورسوخ عقيدة .

     كذلك هناك ما روى عن ابن عمر، عن النبى، قال : \" المؤمن الذى يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من الذى يخالطهم ولا يصبر على أذاهم \"، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذى، والبخارى وغيرهم .

   فكيف يخالط المسلم الناس ؟ بأن يعيش بينهم، ويسكن معهم، ويلتحم بهم، فيبادلهم الزيارات، ويعود مريضهم، ويحضر جنازة ميتهم، ويلبى دعواتهم، ويبادلهم المنافع وغير ذلك من معاملات تهتدى بقواعد الشريعة وسنة رسول الله .

   ثم نطرح تساؤلا أساسيا : ما الذى تعنيه كل آية قرآنية، وكل حديث نبوى، يوجه المسلم إلى أن يفعل هذا وذاك من الأفعال والأقوال، أو ينتهى عن هذا وذاك من الأعمال والأقوال ؟ إنه توجيه إلى \" غد \" مأمول، ونهى عن غد غير مرغوب فيه .

   أما بالنسبة للتربية فهناك تلك المقولة الإسلامية الشهيرة أن أولادنا مخلوقون لزمان غير زماننا، مما يستوجب أن نضع بعين الاعتبار متغيرات هذا الزمان الذى سوف يتخرج عنده أولادنا، والذى هو فى غياهب المستقبل .

   هذه المقولة نفسها تتسق تمام الاتساق مع الطبيعة الزمانية للعملية التربوية، فهى بالضرورة لابد أن تعب من معين التراث الماضى؛ حتى توفر تواصلا بين الأجيال، وتحقق المبدأ المعروف الخاص بالتراكم المعرفى، وإلا بدأ كل جيل من حيث بدأ سابقه، لا يكون تقدم، وينعدم التطور .

   وعملية التربية من حيث الوجود والحدوث، تقع فى \" حاضر \" يستحيل عليها أن تخاصمه وإلا خاصمها فبدت غريبة عن معلميها وطلابها ونالها ما لابد أن ينالها من الازدراء ...

   ولأن طلابها الملتحقين بأول درجة من درجات التعليم، سوف يتخرجون بعد مضى ما لا يقل عن ستة عشر عاما، من حيث الحد الأدنى، فلابد أن يشعر الطلاب عند التخرج بأنهم قد تزودوا بما يعينهم على رشد التعامل مع عناصر هذا المستقبل الذى سوف يكون حاضرا عند تخرجهم.

   وحسن التربية، ورشد التعليم والتعلم هو حسن ورشد التعامل مع هذه الأبعاد الزمانية الثلاث، وفقا للمرحلة التعليمية، ووفقا لمادة التعليم، ووفقا لعمر طالب المعرفة، بحيث يكون توازن لا يقوم على التقسيم بالتساوى بالضرورة .

   ويلح رسول الله على المسلمين ألا يضيعوا فرصة اتكالا على إمكان انتهازها فى غد منتظر، فمن يدرينا أن الظروف سوف تكون ملائمة ؟ ومن يؤكد لنا أنها سوف تتكرر ؟ وليس معنى هذا التركيز على اللحظة الراهنة، ولكنه يعنى الاستثمار المستمر والجهد المتصل والبعد عن التأجيل والإرجاء، وتلك كلها صفات ومقومات لابد منها عند العمل المستقبلى، فعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : \" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك \"، فيما أخرجه الحاكم فى المستدرك .

   لكن، على أى أساس نسعى إلى الاعتماد على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن نروم تربية الإنسان للغد ؟

   فضلا عن الكثير مما يشير إليه القرآن الكريم من وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أحاديثه، وما يصعب حصره من الصحابة والتابعين وتابعى التابعين، فإننا فى الجزء الحالى نسلط الضوء بصفة خاصة على طبيعته صلى الله عليه وسلم المربية، والمعلمة، فها هو المولى عز وجل ينص صراحة على ذلك فيقول فى سورة الجمعة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)) .

  وقد روى ابن ماجه فى \" سننه \" ( باب فضل العلماء والحث على طلب العلم )، والدارمى فى \" سننه \" كذلك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: \" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من بعض حجره، فدخل المسجد، فإذا هو بحلقتين : إحداهما يقرؤون القرآن ويدعون الله تعالى، والأخرى يتعلمون ويعلمون، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : كل خير، هؤلاء يقرؤون القرآن، ويدعون الله، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يعلمون ويتعلمون، وإنما بعثت معلما، فجلس معهم \" .

   ويعلق \" أبو لغد \"، ( 1997:هامش ص 10 ) على هذا الحديث بأن من تأمل حسن رعايته صلى الله عليه وسلم للعرب مع قسوة طباعهم، وشدة خشونتهم، وتنافر أمزجتهم، وكيف ساسهم واحتمل جفاءهم، وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، والتفوا حوله، وقاتلوا أمامه ودونه أعز الناس عندهم : آباءهم، وأقاربهم، وآثروه على أنفسهم، وهجروا فى طاعته ورضاه أحباءهم وأوطانهم، وعشيرتهم وإخوانهم، وكان كل ذلك – وأعظم منه – منهم له صلى الله عليه وسلم، وهو لم يمارس الكتابة والقراءة، ولا طالع كتب السابقين ...\"، من تأمل هذا تحقق له بنظر العقل أنه صلى الله عليه وسلم هو المعلم الأول ...\" .

   كذلك لابد أن نتنبه إلى قضية أخرى على درجة عالية من الأهمية ألا وهى أن النظر المستقبلى هو الذى جعل من  مقاصد الشريعة : تحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد بقدر الإمكان، وإباحة الطيبات والمنافع ، وتحريم الخبائث والمضار، والتيسير على عباد الله، ورفع الحرج عنهم ( يوسف القرضاوى، 2002: 235 )، قال تعالى فىسورة الحج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... (78))، 78 ، وقال فى سورة البقرة: ( ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) )، وقال الرسول الكريم \" لا ضرر ولا ضرار \"، رواه ابن ماجه .

   وكان الصحابة، الرعيل الأول ممن رباهم القرآن والرسول، مما جعلهم أفقه الناس لهذه الشريعة، أكثر الناس رعاية لمقاصدها، لذا أكثروا من استعمال المصلحة والاستناد إليها، فهذه المصلحة هى التى جعلت أبا بكر يجمع الصحف المفرقة – التى كان القرآن مدونا فيها من قبل، تحسبا للمستقبل، فى مصحف واحد، وهو أمر لم يفعله النبى، ولهذا توقف فيه أول الأمر، ثم أقدم عليه بنصيحة عمر، لما رأى فيه من خير ومصلحة لمستقبل الإسلام وأمته .

   ومراعاة المصلحة تحسبا للمستقبل هى التى وجهت عمر بن الخطاب إلى وضع الخراج، وتدوين الدواوين، وتمصير الأمصار، واتخاذ السجون، والتعزير بعقوبات شتى، مثل إراقة اللبن المغشوش، ومشاطرة الولاة أموالهم إذا تاجروا أثناء ولايتهم، إلى غير ذلك من أوليات عمر .

   وهى التى جعلت عثمان يجمع المسلمين على مصحف واحد، ينشره فى الآفاق ويحرق ما عداه ... وهى التى جعلت عليا يأمر أبا الأسود الؤلى بوضع مبادئ علم النحو.

   فكل مصلحة، هى بالضرورة أمر يتعلق بكل من الحاضر والمستقبل، بل إن تحقيقها يتطلب \" تخطيطا \" و \" تحسبا \" للإمكانات والخطوات التى لابد منها حتى تتوافر، وقبل ذلك تتطلب دراسة للخبرة السابقة بحثا عن سلبياتها وإيجابياتها حتى يكون النظر فى الحاضر والمستقبل نظرا قائما على بصيرة وعلى تفكير متعمق .

 

  فلنكن بناة بشر :

   إن هذا الإلحاح المستمر الذى نلاحظه من استقراء آيات القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن يسعى المسلم بكل ما أتاحه المولى عز وجل له من قدرة واستطاعة لطلب المعرفة أينما ووقتما أتيح له ذلك، لابد أن يكون له وجهه الآخر، فلكى يكون الفرد منا متعلما، يعنى ضرورة أن يكون هناك من يعلمه ويأخذ بيده، وبالتالى  يغدو المسلم \" عالما أو متعلما \"، وفى اعتقادنا أن \" أو \" هنا ليست للتخيير المطلق، بحيث يكون الإنسان إما هذا أو ذاك، وإنما المقصود بها ألا تمضى لحظة من لحظات عمر الإنسان إلا ومن الضرورى أن يسعى فيها، إن لم يكن فى طلب المعرفة، ففى تعليمها الآخرين أو العكس . ولا شك أن من يذيعون العلم بين الناس ويسعون إلى تربيتهم إنما هم بناة بشر، وهذه الفئة بصفة خاصة هى التى يهم الدين أمرها، لأن أصحابها هم الذين يمكنون لهذا الدين على الأرض، ولا يكون التمكين للدين إلا ببشر يسلكون وفقا له وينتهجون نهجه ويتجهون صوب مقاصده .

   وتتعدد الأحاديث والمواقف التى تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبل أن يدعو كل مسلم أن يقوم بدوره فى إذاعة العلم بين الناس وبذل الجهد فى سبيل تربيتهم، حرص هو نفسه على أن يكون خير مرب وأفضل معلم، وأعظم مرشد وموجه، ولم لا ؟ أفليست مهمة الرسل أصلا، هى \" التبليغ \"، و\" الهداية \"، و\" التعليم \" ؟ ولنستعد معا تلك الآية (2) الجامعة التى اعتمدنا عليها كثيرا فى  سورة الجمعة .

   والحق أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد \" معلم \" مثل سائر المعلمين، يقف بين مجموعة من التلاميذ يعلمهم، ولكنه كان معلم تلاميذ عددهم يشمل كل من انضوى تحت راية الإسلام، ولم يكن يقف فى قاعة درس ولا ساحة مسجد، وإنما كل مكان وطئته قدماه، ووصلت إليه دعوته، كان قاعة تعليم، وبيئة مربية . ومن تأمل حسن رعايته للعرب مع قسوة طباعهم، وشدة خشونتهم، وتنافر أمزجتهم، وكيف ساسهم واحتمل جفاءهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، والتفوا حوله، وقاتلوا أمامه ودونه أعز الناس عندهم : آباءهم وأقاربهم، وآثروه على أنفسهم، وهجروا فى طاعته ورضاه أحباءهم وأوطانهم وعشيرتهم وإخوانهم، وكان كل ذلك وأعظم منه منهم له صلى الله عليه وسلم، وهو لم يمارس الكتابة والقراءة، ولا طالع كتب الماضين، ولا أخبار المربين السالفين .. من تأمل هذا تحقق له بنظر العقل أنه صلى الله عليه وسلم هو المعلم الأول، والنبى المرسل (أبو غدة، 1997: 1) .

   وروى مسلم (10/81) فى قصة تخيير النبى صلى الله عليه وسلم زوجاته الشريفات، رضى الله عنهن، وقد بدأ بعائشة منهن فاختارته رضى الله عنها، ورغبت منه ألا يخبر غيرها أنها اختارته، فقال لها عليه الصلاة والسلام : \" إن الله لم يبعثنى معنتا ولا متعنتا ولكن بعثنى معلما ميسرا \"، وقد علق أبو غدة على ذلك بأن فى إبهامه صلى الله عليه وسلم وعدم مصارحته ومواجهته لعائشة بالزجر، إشعار بأن من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المعلم المتعلم عن سلبية شابت أخلاقه باللطف والتعريض ما أمكن، من غير تصريح، وبطريق الرحمة من غير توبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويرث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار (أبو غدة: 11).

   وروى مسلم أيضا (5/20) عن معاوية بن الحكم السلم ، قال : بينا أنا أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت : يرحمك الله، فرمانى القوم بأبصارهم ! فقلت : واثكل أمياه !( أى وافقد أمى إياى فإنى هلكت )، ما شأنكم تنظرون إلى ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوننى سكت . فلما صلى رسول الله عليه وسلم دعانى، فبأبى هو وأمى، ما رأيت معلما قبله، ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرنى ( ما نهرنى )، ولا ضربنى، ولا شتمنى، قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن \" .

   ولم يكن الرسول فيلسوفا يضع النظريات، وهو يقيم فى برج عاجى، لا يعيش مع الناس والمبادئ التى يدعوهم إليها، أو كان يترك لغيره متاعب الدعوة والتطبيق، فلم يكن الرسول داعية مبادئ نظرية خيالية، وإنما كان داعيا ومربيا ومرشدا إلى التوحيد الإيمانى عملا وتربية، وإلى التعاون والنصيحة والشورى والعدالة والعلم والتعلم، والجهاد فى سبيل الله، والإعداد له، ورعاية الأطفال، واحترام النساء، وإكرام الجار، وصلة الأرحام، فكانت حياته بعد البعثة النبوية عملا متواصلا فى تربية الناس تربية مقصودة واعية وواضحة المعالم (عبد الحميد الهاشمى، 1981: 75) .

   فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتف بتقديم الوصايا وإنما ألزم نفسه بها، بل كان يهتم بالتطبيق، وهذه إحدى ممزيات التربية الإسلامية، وحتى ما يظهر أنه عبادة محضة روحية كالصلاة مثلا، فإن هذه العبادة إنما يظهر كمالها وصدقها فى حسن المعاملة والبعد عن الفحشاء والمنكر فى سلوك الفرد المسلم، وفى علاقاته مع الآخرين، بمعنى أن التربية الحقة لا ينفصل المبدأ فيها عن التطبيق، ولا تعزل الفرد عن المجتمع، ولا تقطعه عن الحياة وسنن الله فيها .

   وقد لخص الصحابى عبد الله بن رواحة دور المربى للرسول صلى الله عليه وسلم فقال (عبد الحميد الهاشمى: 76) :

    وفينا رسول الله يتلـو كتابه        إذا انشق معروف من الفجر ساطع

    أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا        به موقنات أن ما قال واقـــع

    يبيت يجافى جنبه عن فراشه        إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

   وتتوالى الأمثلة، وتكثر المواقف، وتبرز الشواهد، وجميعها تؤكد على أنه صلى الله عليه وسلم أراد من كل مسلم حصل علما أن يسرع بتعليمه للآخرين، فعن علقمة بن سعد بن عبد الرحمن بن أبرى، عن أبيه، عن جده : عبد الرحمن بن أبزى قال (أبو غدة: 15) : \" خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيرا، ثم قال : ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ؟! ولا يعلمونهم ؟ ولا يفطنونهم ؟ ولا يأمرونهم؟ ولا ينهونهم؟

   وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم؟ ولا يتفقهون؟ ولا يتفطنون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم، ويفطنونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفقهون، ويتفطنون، أو لأعاجلنهم العقوبة فى الدنيا .

   ثم نزل فدخل بيته فقال قوم : من ترونه عنى بهؤلاء ؟ قالوا : نراه عنى الأشعريين، هم قوم فقهاء، ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا رسول الله ذكرت قوما بخير، وذكرتنا بشر، فما بالنا ؟

   فقال : ليفقهن قوم جيرانهم، وليفطننهم، وليأمرنهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم، ويتفطنون، ويتفقهون، أو لأعاجلنهم العقوبة فى الدنيا . فقالوا : يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم، فأعادوا قولهم : أنفطنن غيرنا ؟ فقال ذلك أيضا . فقالوا : أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليفقهوهم، ويعلموهم ويفطنوهم، ثم قرأ رسول الله الآية من سورة المائدة : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)).

   وإذا كانت عملية ( التعليم ) تتطلب مهارة ودربة فى كيفية التعليم وأساليبه، ومعرفة بجملة من القواعد والمبادىء ، إلا أننا لا نستطيع أن ننسى أن هذه العملية بصفة خاصة تتطلب فيمن يمارسها بعضا من السمات والصفات الشخصية التى تيسر له عمله، ومن هنا فقد تميز رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة من أبرز هذه الصفات والسمات التى أسست لدوره معلما ومربيا، هى \" مثل أعلى \" من الضرورى لكل من يمارس العمل التربوى أن يسعى بكل ما يستطيع أن يوفرها فى شخصيته وفى سلوكه، ألا وهى (أبو غدة: 43) :

 أولها، السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم، الداعية إلى التقديم والتسليم، وكان أعظم مهيب فى النفوس، حتى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه، مع تعودهم على \" كبر \" الأكاسرة، ومخالطة الجبابرة، فكان صلى الله عليه وسلم فى نفوسهم أكثر هيبة، وفى أعينهم أعظم، وإن لم يتعاظم بأبهة، ولم يتطاول بسطوة، بل كان موصوفا بالتواضع، ومعروفا بالسهولة .

  ثانيها، الطلاقة الموجبة للإخلاص والمحبة الباعثة على المصافاة، والمودة، وقد كان صلوات الله عليه وسلامه، محبوبا، ولقد استحكمت محبة طلاقته فى النفوس، حتى لم يبغضه أو يكرهه مصاحب، وكان أحب إلى صاحبه من الآباء والأبناء .

  ثالثها، حسن القبول، الذى يحبب القلوب فيه، فتسرع إلى طاعته، وتبادر إلى موافقته، ولذلك استحكمت مصاحبته فى النفوس، حتى لم ينفر منه معاند، إلا من ساقه الحسد إلى مخالفته .

   وضرب رسول الله المثل الأعلى فى ضرورة أن يكون المعلم بتلاميذه رفيقا، فعن أبى الدرداء عن النبى قال : \" من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم من الخير \" (الألبانى، 1988:ج2: 195)، وعندما أنكرت السيدة عائشة سلام اليهود، وقالت : عليكم السام واللعنة، قال لها النبى صلى الله عليه وسلم موجها : \" مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق فى الأمر كله \" (صحيح البخارى) .

   ومن هنا نجده صلى الله عليه وسلم يوجه المعلمين الذين كان يبعثهم للتعليم بأن يكونوا ميسرين لا معسرين، فهذه وصيته لمعاذ بن جبل وأبى موسى الأشعرى، عندما بعثهما إلى اليمن، حيث قال لهما : \" يسرا، ولا تعسرا، ويسرا ولا تنفرا \" (صحيح البخارى) .وقد التفت الحافظ بن حجر إلى ما يتضمنه هذا الحديث من مضامين تربوية عند شرحه لهذا الحديث فقال : \" فى هذا الحديث الأمر بالتيسير، والرفق بالرعية، وتحبيب الإيمان إليهم، وترك الشدة، لئلا تنفر قلوبهم، ولا سيما فيمن كان قريب العهد بالإسلام، أو قارب حد التكليف من الأطفال، ليتمكن الإيمان من قلبه، ويتمرن عليه، وكذلك الإنسان فى تدريب نفسه على العمل إذا صدقت إرادته لا يشدد عليها، بل يأخذها بالتدريج والتيسير، حتى إذا أنست بحالة ودامت عليها، نقلها لحال آخر، وزاد عليها أكثر من الأولى، حتى يصل إلى قدر احتمالها، ولا يكلفها بما لعلها تعجز عنه \" (ابن حجر، ج13: 163) .

   وعندما كان الرسول يواجه موقفا يشير إلى تصرف خاطئ لم يكن يعالج الأمر بالعنف، بل بالملاينة والمناقشة، من ذلك ما رواه أبو هريرة عن إعرابى دخل المسجد والرسول جالس، فصلى، فلما فرغ قال : \" اللهم ارحمنى ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا \"، فالتفت إليه النبى صلى الله عليه وسلم، فقال : \" لقد تحجرت واسعا \"، فلم يلبث الإعرابى أن بال فى المسجد، فأسرع إليه الناس، فقال النبى : \" أهريقوا عليه سجلا من ماء ، أو دلوا من ماء \"، ثم قال : \" إنما بعثتم ميسيرين، ولم تبعثوا معسرين \" (الألبانى، صحيح سنن الترمذى، ج1: 48) .

    وهناك غير هذا المثل أمثلة أخرى، تتبدى فى هذا الشاب الذى طلب الإذن له بالزنا(مسند ابن حنبل)، وآخر أدمن على الخمر (ابن حجر، ج12: 67)، فى هذا وذاك نجده صلى الله عليه وسلم يأخذ بعين الاعتبار مقدار ما كان عليه القوم من بداوة وغلظة عيش وضيق أفق وسذاجة تفكير، وقرب عهد بالجاهلية فلا يبادرهم بالزجر والنهر والتوبيخ، بل يعتمد على الأخذ بيد الواحد منهم خطوة خطوة إلى طريق الهداية، دون تفريط فى وجوب التزام الحق. ولعل من الوسائل الذكية التى كان يتبعها فى هذا الشأن، عدم توجيه لوم مباشر إلى المخطئ، وإنما يقول على سبيل المثال : \" ما بال أقوام يفعلون كذا ...أو يقولون كذا ..\"، وهو ما روته السيدة عائشة بقولها : \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شئ لم يقل : ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا \" (الألبانى، 1986، ج2: 857)، فإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله الذى لا يمكن أن يخطر ببال مسلم أن يتقاعس فى اتباع أوامره وتوجيهاته المباشرة، فكيف بنا نحن مربين، آباء وأمهات ودعاة ومعلمين، عندما نوجه مخطئا ونسعى لتصحيح انحراف ؟!

   ولما كان الأفراد يتباينون فيما بينهم فى القدرة على الفهم والتعلم ، حرص رسول الله على أن يراعى هذا وهو يلقى بتعاليمه وأحاديثه ، كما كان يوصى بذلك من يبعثه معلما إلى إحدى المناطق ، من ذلك ما رواه أنس بن مالك (صحيح البخارى، 1/225-237) : \" أن نبى الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل على رديفه على الرحل قال : يا معاذ، قال : لبيك رسول الله وسعديك، قال : يا معاذ، قال : لبيك رسول الله وسعديك، قال : يا معاذ، قال : لبيك رسول الله وسعديك . قال : ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، صدقا من قلبه، إلا حرمه الله على النار، قال : يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال : لا، إذا يتكلوا \" .

   ومعنى الحديث أن لا تبشرهم بذلك، فإنهم يمتنعون من العمل اعتمادا على ما يتبادر من ظاهره من أن مجرد الشهادة بالوحدانية والرسالة تكفى للنجاة من النار، ولا ينتبهون إلى أن المراد الإتيان بالشهادتين مع أداء حقوقهما من إطاعة الله وإطاعة رسوله فى الشرائع والأحكام .

  وفى الحديث بيان وجوب أن يخص بالعلم الدقيق قوم فيهم الضبط وصحة الفهم، وأن لا يبذل لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لتقصير فهمه . وقال العلماء فى شرح هذا : يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكلوا، أن أحاديث الرخص لا تشاع فى عموم الناس، لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادا فى العمل وخشية لله عز وجل، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يؤمن أن يقصر اتكالا على ظاهر هذا الخبر(أبو غدة:82).

    وإذا كانت مسئولية أهل العلم نابعة من الدور العظيم الذى خص به العلم فى الحضارة الإنسانية عامة وفى الدين الإسلامى خاصة، فحتى يكون هذا الدور فعالا، فمن الضرورى توفير الشروط الأساسية التى يعين وجودها المتعلمين، وطلاب العلم على الحصول على ما يمكن الحصول عليه من المعرفة .

   ولا شك أن من أهم هذه الشروط هو أن نجعل العلم حقا مشاعا، فكل فرد من أفراد المجتمع له الحق فى التعلم (محسن بن محمد، 1998: 134)، فقد جاءت أحاديث كثيرة تدعو إلى تعليم من لا يعلم، وإلى التعامل بالمساواة فى الجوانب الإنسانية، كما جاءت بعض الأحادث لترسم حقوقا للمتعلمين، فقد خرج ابن ماجة عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإن رأيتموهم، فقولوا لهم : مرحبا، مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم واقنوهم ( علموهم ) \" .

    ولعل أهم ما يتضمنه هذا الحديث ضرورة تهيئة الظروف المادية والمعنوية للمتعلمين، فقد أكد الحديث على أن المتعلمين وخاصة الذين يقطعون المسافات هم وصية الرسول، ومن كان ذلك شأنه، فلابد من أن يعامل بطريقة كان الرسول يعامل بها أمثاله. وإذا عدنا للسيرة النبوية، فإننا ندرك أن الرسول قد خصص لطلاب العلم الظروف المناسبة للتعليم، وما أهل الصفة إلا مظهر من مظاهر هذا الاعتناء، فإذا سلمنا بما توصل إليه البحث الموضوعى من أن الصفة كانت تشبه السكن الجامعى، قبل أن تكون مأوى للعجزة، اتضح أن الرسول هو أول من اهتم بتوفير الأسباب المادية للمتعلمين. نعم كان يكلفهم بأعمال، كالعسس، ولكنه عمل لا يعارض طلبهم العلم وتفوقهم فيه . إن هذا الحق الذى ضمنه الرسول لطلاب العلم يقترن بحق آخر هو الطمأنينة النفسية، فقد طلب الرسول من أصحابه أن يرحبوا بطلبة العلم ترحيبا يجعلهم يستأنسون ويبعدون عن أنفسهم الاضطراب والخوف، ذلك أن طالب العلم فى حاجة إلى الأمن والأمان حتى يحفظ، ويعى، ويتعمق فى الفهم، ويسهم فى حلقات الدرس، ويكون متطلعا ومتقبلا وفاحصا وناقدا (محسن بن محمد: 135) .

   ويرتبط بهذا مراعاة المعلم لمبدأ العدل التربوى الذى هو فرع من الأصل العام ألا وهو العدل على وجه العموم، ذلك المبدأ الذى ألح عليه الإسلام إلحاحا لابد أن يستلفت النظر، لما له من دور متعدد الآثار الإيجابية فى سلامة البنى البشرية، وصحة الأمة النفسية والاجتماعية، فها هو سبحانه وتعالى يقول فى سورة المائدة : (...وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8))، ويقول فى سورة النساء: ( ... وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)  )، فالله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل فى القول والعمل.

  ولما كان المتعلمون يتحمسون أكثر للتعلم عندما يشاركون فى اختيار الموقف التعليمى والتدبير لهذ، شجع رسول الله صحابته على ذلك، فعن أبى سعيد الخدرى قال : جلست فى عصابة ( مجموعة ) من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، وقارئ يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام سكت القارئ فسلم، ثم قال : ما كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول الله إنه قارئ لنا يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" الحمد لله الذى جعل من أمتى من أمرت أن أصبر نفسى معهم \" (سنن أبى داود)، ثم أمرهم أن يتحلقوا حوله، وقال لهم : \" أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس ... \" .

   ولحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يمارس كل منا صورة من صور تعليم الآخرين، ودرجة من درجاته، خاطب المسلمين بقوله (أخرجه الترمذى) : \" نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع \"، وأهمية هذا تتبدى لنا من احتمال أن يكون البعض ممن حضروا مجلسا تعليميا، لم يستوعبوا مسألة من المسألة الاستيعاب الصحيح، لكنهم عندما ينقلون ما سمعوا من العلم إلى آخرين، فلربما فهم هذا الجديد ما لم يستوعبه الأول .

   وفى هذا السياق حذر صلى الله عليه وسلم أن يحبس إنسان حصل على معرفة مفيدة داخل ذاته الخاصة، دون أن يذيعها وينشرها، ومن هنا جاء قوله : \" من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار \" (مسند ابن حنبل)، فإلى هذه الدرجة يبلغ التحذير من كتمان المعرفة، فالعمل بما جاء به هذا الحديث يدفع كل مسلم عرف قدرا من العلم أن يسرع بتليغه إلى آخرين لا يعرفون، ولعمرى، فكأننا هنا بالفعل أمام هذه المقولة الشهيرة، ألا وهى \" المجتمع المعلم المتعلم \".

   ومن المعروف أن المربين القدامى والمحدثين، بما فيهم من يسمون عمالقة التربية وأساطينها ، كانت نظرتهم لساحة الرؤية فى عملية التنشئة التربوية محدودة ومحصورة ضمن حدود جغرافية متحكمة، أو قيود عنصرية مصطنعة أو هما معا ( عبد الحميد الهاشمى: 328)، فأساطين التربية اليونانية مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو، كانت جهودهم التربوية كلها ونظرياتهم فى حدود مدينة واحدة : اسبرطة، أو أثينا، وللصبيان والرجال فحسب دون اعتراف بوجود الفتيات والنساء فى كثير من الأحيان .

   أما الرسول المربى محمد، فمنذ سنواته الأولى، كان لا يعتبر مكة المكرمة هى الساحة التربوية المغلقة المحدودة، كما أنه لم يعتبر الصبيان والرجال هم وحدهم المجال البشرى لعملية التنشئة التربوية الجديدة . لقد حاول تمديد ساحة العمل التربوى الإسلامى فى سنواته الأولى بإرسال أفواج من المهاجرين إلى الحبشة، حيث يجدون المأوى، وحيث يجدون المناخ لنشر الفكرة ونموها هادئة وفى صمت، وكانت الهجرة الأولى تضم عشرة رجال وخمس نسوة، وتكررت المحاولة وزادت أعدادها من الرجال والنساء .

   ثم حاول الرسول بنفسه أن يتحسس الطائف بعيدا عن مكة حوالى مائة كيلومتر، وكانت رحلة قاسية، ولكنها لم تضعف عزمه فى العمل التربوى الجاد .

   ثم أرسل عن سابق تخطيط قاصد وفدا، فأقام مركزا فى بلدة تبعد عن مكة المكرمة ما لا يقل عن مئات الأميال فى يثرب بالمدينة الطيبة المنورة .

   وكانت أخيرا هجرته الشخصية واستقراره فى المدينة المنورة، حيث أقام عمليا المجتمع الإسلامى المتكامل الذى كان يدعو إليه، والذى أخذ ينمو ويتوسع ليشمل أرجاء الجزيرة العربية، ثم إلى أطراف العالم المعروف آنذاك .

 

 تربية راشدة

    هى صور من ممارسات ومبادئ ونظرات  في تربية المسلم، شهدناها من عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن تولى أمر قيادة الأمة من بعده، مثل أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب يحكمنا في هذا ثلاثة أمور :

     أولهما أن مؤشرا أساسيا من مؤشرات جودة التربية وأهليتها كى تكون حاكمة عملية التنشئة والتكوين هو أن نرى على أرض الواقع السلوكى نفرا ممن آمنوا بمبادئها وصدقوا عقيدتها ومارسوها فعلا وعملا، لا مجرد ترديد لأقوال، وتكرار لكلام وراءه كلام، ويؤكد استقراء حياة هؤلاء الراشدين أنهم كانوا من هذه الفئة بجدارة، حتى أن الإنسان قد تساوره أحيانا بعض الظنون ويتساءل بينه وبين نفسه : أحقا كان على الأرض مثل هؤلاء الناس، أم أنها شخصيات مثلت أحلاما لنا فتصورناها هكذا ؟ نقول هذا، لا للتشكيك لا سمح الله، ولكن لتصوير مدى ما كان عليه هؤلاء النفر من مثالية وقد إسلام ورشد تكوين .

    ثانيهما : أن هؤلاء الراشدين لم يكونوا أفرادا عاديين من عموم المسلمين، ولكن الفرصة قد أتيحت لهم كى يتولوا قيادة الأمة، وبالتالى فهم لم يكونوا مربين لأنفسهم فحسب أوعائلاتهم، وإنما كانوا مربين لمجمل الأمة، فهل كانوا على قدر عال من التكوين والتنشئة في أنفسهم فقط أم تحملوا المسئولية آلتي ألقاها الله على عاتق، وصدقوا رسول الله ما عاهدوه عليه فكان بالفعل أمثلة تطبيقية لما نادى به رسول الله : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ؟

   ثالثها: أنهم كانوا فى مقدمة \" صحابة رسول الله \"، والصاحب والصديق والزميل والأخ خير اختبار لتربية المبشر بهذا النموذج التربوى غير المسبوق وغير الملحوق، النموذج الإسلامى في التربية والتنشئة والتكوين . إنهم لم يكونوا يسمعون كلاما ويقرءونه فحسب، بل كانوا \" يعاشرون \" و \" يصاحبون \" ويرون بأم أعينهم، فلابد أن تأخذهم النخوة والمروءة أن يقلدوا رسول الله، إن لم يكن بدرجة كاملة، فعلى الأقل يكون لهم فضل السعى والاجتهاد، فعلو مكانة النموذج، ورفعة شأنه لا ينبغى أن تحول بين هذا الرعيل الأول وبين التمثل والتقليد والمحاكاة لأفضل إنسان وأعز خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم .

   نعم كان لابد للصحابة من الرجوع إلى الرسول يفسر لهم أحكام القرآن ويبين لهم مشكلاته، ويحكم بينهم في المنازعات، ويحل بينهم الخصومات، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلتزمون حدود أمره ونهيه، ويتبعونه في أعماله وعباداته ومعاملاته – إلا إذا علموا منه أنه خاص به – فكانوا يأخذون منه أحكام الصلاة وأركانها وهيئاتها نزولا عند أمره صلى الله عليه وسلم \" صلوا كما رأيتمونى أصلى \"، ويأخذون عنه مناسك الحج وشعائره امتثالا لأمره أيضا: \" خذوا عنى مناسككم \" . وقد يغضب إذا علم أن بعض صحابته لم يتأسّ به فيما يفعله، كما روى مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار، أن رجلا من الصحابة أرسل امرأته تسأل رسول الله عن حكم تقبيل الصائم لزوجته، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله كان يقبل وهو صائم، فرجعت إلى زوجها فأخبرته، فقال : لست مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما يشاء، فبلغ قوله ذاك رسول الله فغضب وقال: \" إنى أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده \"، وكما غضب حين أمر الصحابة بالحلق والإحلال من الإحرام في صلح الحديبية فلم يفعلوا، إذ شق عليهم ذلك، حتى بادر بنفسه فتحلل فابتدروا يقتدون به ( السباعى،1982: 53) .

   وقد بلغ من اقتدائهم به أن كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك، دون أن يعلموا لذلك سببا أو يسألوه عن علته وحكمته، فقد أخرج البخارى عن ابن عمر قال : اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبى فقال \" إنى لن ألبسه أبدا \"، فنبذ الناس خواتيمهم . وروى القاضى عياض في كتابه (الشفاء) عن أبى سعيد الخدرى قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعها عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال : ما حملكم على إلقائكم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك ألقيت نعليك فقال: \" إن جبريل أخبرنى أن فيها قذرا \" وذكر سعد في الطبقات أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين من الظهر في مسجد بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه على المسجد الحرام ، فاستدار إليه ودار معه المسلمون ( سعيد إسماعيل، 1993: 172) .

   وكما حرص الصحابة على اتباع أمر الله في القرآن باتباع الرسول وطاعته في حياته، حرصوا وحرص من بعدهم على ذلك أيضا بعد وفاته لأن النصوص التي أوجبت طاعته لهم لا تقيد ذلك بزمن حياته ولا بصحابته دون غيرهم، ولأن العلة جامعة بينهم وبين من بعدهم، وهى أنهم أتباع لرسول أمر الله باتباعه وطاعته، ولأن العلة أيضا جامعة بين حياته ووفاته إذ كان في قوله وحكمه وفعله ناشئا عن مشرع معصوم أمر الله بامتثال أمره، فلا يختلف الحال بين أن يكون حيا أو بعد وفاته، أخرج الحاكم والبخارى عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى \"، قالوا : يا رسول الله ، ومن يأبى ؟ قال: \" من أطاعنى دخل الجنة، ومن عصانى فقد أبى \". 

   وبفعل ظروف بشرية وطبيعية متعددة حدث اختلاف بين بعض الصحابة سواء في فهم بعض آيات القرآن أو في رواية الحديث، أو في اجتهادات متقدمة.

   والحق أن ذلك قد يرفضه البعض الذين يدفعهم الحماس الدينى إلى أن يصوروا جيل الصحابة رضوان الله عليهم بصورة جعلت العامة ترى أن ذلك الجيل ليس متميزا فحسب، بل يستحيل تكراره، وفى هذا من الإساءة للإسلام ما لا يقل عن إساءة أولئك الغالبية الذين يزعمون أن استئناف الحياة الإسلامية في ظل كتاب الله وسنة رسوله بعد عصر الصحابة ضرب من المستحيل، وبذلك يطفئون جذوة الأمل في نفوس لا تزال تتطلع على الحياة في ظل الشريعة السمحاء ( العلوانى ، أدب الاختلاف، ص 49).

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بين أصحابه دون أن يكون بينه وبينهم حجاب، فقد كان يخالطهم في المسجد والسوق والبيت والسفر، كانت أفعاله وأقواله محل عناية منهم وتقدير، حيث كان صلى الله عليه وسلم محور حياتهم الدينية منذ أن هداهم الله به وأنقذهم من الضلالة والظلام إلى الهداية والنور، ولقد بلغ من حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوما بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب يحدثنا عنه البخارى بسنده المتصل إليه ، يقول \" كنت أنا وجار لى من الأنصار في بنى أمية بن زيد – وهى من عوالى المدينة – وكنا نتناوب النزول على رسول الله، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل ذلك \"، وليس هذا إلا دليلا على نظر الصحابة إلى رسول الله نظرة اتباع واسترشاد برأيه وعمله، كما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه، ولهذا كانت القبائل النائية ترسل إلى الرسول بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ثم يرجعوا إليهم معلمين مرشدين (السباعى ، ص 57)0

  وهكذا عرف الصحابة عظمة سنة رسول الله ، فحرصوا على دراستها والبحث عنها من كل مصدر لا يبالون في ذلك مشقة ولا يصدهم عنها طول مسافة ، ومن الأمثلة الدالة على ذلك ما كان يفعله ابن عباس بعد وفاة الرسول ، فقد عكرمة عن ابن عباس أنه قال \" لما قبض رسول الله قلت لرجل من الأنصار ، هلم فنسأل أصحاب رسول الله ، فإنهم اليوم كثير ، قال : واعجبا يا ابن عباس ، أترى الناس يفتقرون إليك وفى الناس من أصحاب رسول الله من فيهم ؟ قال : فترك ذاك وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله عن الحديث ، فإنه كان يبلغنى الحديث عن الرجل فآتى به وهو \" قائل \" – من القيلولة – فأتوسد ردائى على بابه تسفى ( تسرع ) الرياح على من التراب ، فيخرج فيقول : يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ؟ الا أرسلت إلى فأتبعك ؟ فأقول : أنا أحق أن آتيك فأساله عن الحديث \" ( الخطيب ، السنة قبل التدوين ، ص 144 )0

   ولما كان الصحابة قد تمثلوا سنة الرسول العظيم ،ولما كانت تلك السنة توجب على عالم الأمر أن لا يحبسه على نفسه ،بل لابد من إذاعته ونقله وتعليمه الآخرين ، حث الصحابة الناس على تعلم السنة وضرورة السعى وراء تحصيلها ، فها هو عمر بن الخطاب يقول \" تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن \" ( ابن عبد البر ، ج2 ، ص2 )0

   وضرب أبو ذر أروع الأمثال في تعليم السنة والحث على ذلك، فقد روى عنه قوله : \" لو وضعتم الصمصامة – السيف الصارم – على هذه، وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أنى أنفذ كلمة سمعتها من النبى صلى الله قبل أن تجيزوا على لأنفذتها \" ( الخطيب ، ص147) 0

   ووقف عمرو بن العاص على حلقة من قريش، فقال: \" ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة ؟ لا تفعلوا وأوسعوا لهم في المجالس وأسمعوهم الحديث ،وأفهموهم غياه ، فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم ،وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم \" 0

   فعمرو بن العاص هنا يشدد على ضرورة الاهتمام بتربية الصغار وتنشئتهم على مبادئ الإسلام وهديه ،وهو ينبه بصريح كلامه أن هؤلاء الصغار هم الذين سيتولون أمر الجماعة فيما بعد تماما مثلما يتولاه اليوم الكبار الذين كانوا بالأمس صغارا 0

      كذلك أخذ الصحابة يعرفون بالرسول صلى الله عليه وسلم ،وينشرون ذلك في وسط البلاد آلتي يفتحونها ،ويذكرون سيرته قبل البعث ، وقد كان الأمين في قريش ، ويذكرون إرهاصات النبوة ،وما كان عليه من أخلاق قبل البعثة ولازمته بعدها ، وسيرة النبى صلى الله عليه وسلم أعظم تربية ودعاية للمسلمين ، فلم يكن من أخلاقه عليه الصلاة والسلام إلا ما يدل على صدقه ( أبو زهرة ، الدعوة إلى الإسلام ، ص 66)0

   واتخذ الصحابة الكرام تلاميذ لهم من الموالى الذين كانوا من الفرس وغيرهم ، فكانوا رواة الحديث عن الرسول ، فنافع مولى عبد الله بن عمر ،والحسن البصرى ،ومحمد بن سيرين وغيرهم من الموالى الذين اسلموا على أيدى الصحابة بالدعوة الإسلامية العامة في الحروب ،وخاصة بين الذين جئ بهم أسرى وأقاموا بالمدينة وارتضوا الإسلام وتعلموا بتعليم الصحابة الكرام ، فأخذوا ممن شاهدوا وعاينوا ،وكانوا منم بعدهم كمن شاهدوا وعاينوا ،وبذلك استقوا الإسلام من الينبوعين الدافقين : الكتاب ، بما أخذوا من تفسير لمعانى كتاب الله تعالى من القرآن الكريم ،وثانيهما ما رأوه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان كثير من رواة السنة أهل الثقة فيها 0

    وهكذا كانت التربية والدعوة الإسلامية في عصر الصحابة متجهة في بعض نواحيها إلى تعليم الأسرى الذين يجيئون إلى المدينة يعلمونهم الدين ، ويصطفونهم بالمودة الواصلة الهادية ،وجعلوا منهم مدرسة علمية ، علموها التفسير وعلموها الحديث ،وعلموها فقههم ،وكان منهم رواة الفقه إلى من جاء بعدهم ،وعلموا بذلك أقوامهم ،وكان منهم دعاة مخلصون ، ومفسرون ،وحكماء علماء نقلوا علم الإسلام إلى من جاءوا فكانوا حملة العلم ،وكان لهم فقهه ، ثم حملوه إلى بعض من هو أفقه منهم 0

   وربما كان من المهم التوقف أمام من أشرنا إليهم في بداية هذا الجزء من الصحابة ممن تولوا أمر قيادة الأمة :

   أبو بكر الصديق :

     إن تغيير العقيدة السائدة إلى عقيدة جديدة كل الجدة لا عهد لأحد بها من قبل، مسألة خطيرة جدا، وقد تكون العقيدة السائدة متداعية، أو قد تكون محتقرة من ذوى الفطنة والنفوس المفطورة على النبل والكرامة، كما يعاف الأطهار القذارة والنجاسة بوحى من جبلتهم من غير سابق تعليم، ويكون بهم شوق إلى الجو النظيف والبيئة المبرأة من الدنس يلتمسونه ويتمنونه .

    وكان هذا بلا شك رأى نخبة من القرشيين في ديانة الأوثان السائدة في الجاهلية، ولكن ثمة فرقا كبيرا بين هذا الموقف وبين \" الاقتحام \" الذى أقدم عليه أبو بكر حين بادر إلى الإسلام، فذلك الاقتحام، يحتاج إلى قوة نفسية نادرة، وإلى شجاعة تصغر في جانبها شجاعة المقاتل، تساير تيار المعركة الدافعة، أم شجاعة الخروج على العقيدة السائدة إلى عقيدة ليس لها تاريخ وليس لها أتباع يشدون بروح الجماعة من أزره ويؤنسون وحشته ويطمئنون نوازع القلق لديه، فهى شجاعة لا تساير التيار الاجتماعى الجارف، بل تتصدى له منفردة (نظمى لوقا ، ص 72)0

   ولا نشك، بل لا يستطيع أحد أن يشك في حاجة التربية إلى مثل هذا النموذج، فإذا كانت التربية \" تغييرا سلوكيا \"، فإن تغيير \" ما بالنفس \" عملية شاقة وخاصة إذا كان أمام تغيير مطلوب يخالف كل العادات والأفكار والتقاليد السائدة .

   وكان أبو بكر يعلم بالنظرة والحس الباطن أو الشعور الكامن – إن لم يكن بالوعى الواضح الظاهر – أن إقامة \" واجهة علنية \" هى شرط أساسى لتحول العقيدة إلى دعوة، فبغير الدعوة لا تكون العقيدة دينا عاما، وبغير \" الواجهة العلنية \" لا تبدأ الدعوة بدايتها العملية، نقول بدايتها العملية تمييزا عن البداية النظرية التي قام بها المكلف أساسا بهذه الدعوة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

   كان لأبى بكر مصلى اتخذها عند باب داره، فكان يصلى فيها، وكان إذا قرأ القرآن بكى، فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، فمشى رجال من قريش على ابن الدغنة، سيد الأحابيش (وكان قد أجار أبا بكر ) فقالوا له :

  - يا ابن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكى، وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعافنا أن يفتنهم، فانهه ومره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما يشاء .

   فمشى ابن الدغنة إليه فقال :

  - يا أبا بكر، إنى لم أجرك لتؤذى قومك، إنهم قد كرهوا مكانك الذى أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت، فقال أبو بكر :

   - أو أرد عنك جوارك وأرضى بجوار الله ؟ فقال ابن الدغنة :  

   - فاردد علىّ جوارى، فقال أبو بكر :

   - قد رددته عليك ( نظمى لوقا ، ص 76)0

    وهذا كلام ناطق بذاته، لم يكن حسبه أن يصلى بينه وبين ربه، بل الناس أراد بهذه العلانية، وكانت حماسته للدين الجديد وحبه الفائق لرسول الله يفجران منه الدمع إذا قرأ القرآن، فكان ذلك أول \" عرض \" – بالصوت والصورة – إذا صح هذا التشبيه، في الدعوة إلى الإسلام، على أن أرقى الأصول الفنية التي لا تستخدم الأسلوب المباشر إنما هى العرض الجميل الحى القوى الخاشع الذى يستهوى الأفئدة، بالقدرة التي تفعل فعلها الطبيعى على مهل.

   وصور \" أدب \" أبى بكر عديدة ، نذكر منها على سبيل المثال ( سعيد إسماعيل ، أصول التربية ، ص 122):

   أدبه مع رسول الله، فقد أخرج ابن عساكر والإمام أحمد عن يزيد بن الأصم، أن النبى صلى الله عليهوسلم قال لأبى بكر : أنا الأكبر أو أنت ؟ فقال أبو بكر : أنت أكبر وأكرم ، وأنا أسن منك!

   أما أدبه مع نفسه، فقد أخرج ابن عساكر عن الأصمعى قال : كان أبو بكر إذا مُدح قال : اللهم أنت أعلم منى بنفسى منهم، اللهم اجعلنى خيرا مما يظنون، واغفر لى مالا يعلمون، ولا تؤاخذنى بما يقولون .

   وبالنسبة لتأديبه لنفسه، فقد أخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمى رضى الله عنه، قال: جرى بينى وبين أبى بكر كلام، فقال لى كلمة كرهتها وندم، فقال : يا ربيعة، رد على مثلها حتى يكون قصاصا، قلت : لا أفعل . قال : لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : ما أنا بفاعل، فانطلق أبو بكر وجاء أناس من أسلم، فقالوا لى: رحم الله أبا بكر في أى شىء يستعدى عليك وهو الذى قال لك ما قال ؟ فقلت أتدرون من هذا أبو بكر ؟ هذا ثانى اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروننى عليه فيغضب فيأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما، فيهلك ربيعة. وانطلق أبو بكر وتبعته وحدى حتى أتى رسول الله فحدثه الحديث كما كان فرفع رأسه فقال : يا ربيعة، مالك والصديق ؟ فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا، فقال لى كلمة كرهتها، فقال لى : قل كما قلت، حتى يكون قصاصا فأبيت، فقال رسول الله : أجل، لا ترد عليه، ولكن قل قد غفر الله لك أبا بكر .

   فلله أى وجدان هذا الوجدان ؟ وأى نفس تلك النفس ؟ بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا اقتصاصه منها وصفحه عنها، تناهيا بالفضيلة، واستمساكا بالأدب، وشعورا تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة، ألما يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالاقتصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه، فاللهم هبنا من عظيم رحمتك أخلاقا تغلب على شهوتنا، وتطهر من أدران الكبرياء الباطلة قلوبنا لنرى مواطن الخطأ نتجنبها، وطرق الزلل نتنكبها، فتبعد ظلمات الرذائل خطانا، وتتمكن فضائل السلف الصالح من نفوسنا، فتمكن لنا في الأرض سلطان عزنا، ونجعل إلى ملئك الأعلى مصيرنا، إنك سميع الدعاء !

    وكان طبيعيا أن تكون وجهة التربية عند أبى بكر هى تلك الوجهة الإلهية عن طريق التقوى، ذلك المفهوم المركزى الذى كان مظلة تحوى تحتها كل ما هو معين لصلاح البشرية في دنياها وآخرتها، يقول أبو بكر ( الأصبهانى ، ج1 ، ص35) :

    \" إنى أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة ، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته ...ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفانى بالكثير الباقى ...فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فاسبقوا في مهل أجالكم قبل أن تنقضى أجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم ...\" .

    وإذا كان كثيرون ينظرون إلى التاريخ باعتباره \" أمرا مضى\" إلا أن أبا بكر، ينظر إليه نظرة تجعل منه منطلقا وتأسيسا للمستقبل، فهو ينبه إلى أن دراسة التاريخ سبيل هام إلى الإيمان بالله وحده، إذا استخدم الإنسان التأمل والتدبر والتعقل، يقول ( المرجع السابق ) : \" ثم تفكروا عباد الله فيمن كان قبلكم أين كانوا الأمس وأين هم اليوم ؟ أى الملوك الذين كانوا أثاروا الأرض وعمروها، قد نسوا ونسى ذكرهم، فهم اليوم كلا شئ، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا وهم في ظلمات القبور، هل تحس من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ أين من تعرفون من أصحابكم وإخوانكم ؟ قد وردوا على ما قدموا فحلوا الشقوة والسعادة، إن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره \".

    والأخلاق عماد التربية في الإسلام، لذلك نرى أبا بكر يجعلها محورا أساسيا تدور حوله وصاياه، فقال في وصيته لبعث أسامة بن زيد \" يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر احفظوها عنى، لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم الله عليه، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقا. اندفعوا باسم الله \"( الكبرى ، ج3 ، ص 227)0

    إن هاجس أمير المؤمنين لا يتعلق فقط بالإنسان، وخاصة في أحوال ومظاهر ضعفه، وإنما يمتد ليشمل النبات والحيوان، ولم لا ؟ ألم يسخر الله للإنسان كل هذا وذاك له ؟

    وليست المبادئ الموجهة للتربية الإسلامية خاصة بالمسلمين وحدهم، فهى – في رحمتها ورفقها بالإنسان، وفى حسن استثمارها لحرية الفكر والعقيدة، وباعتبارها تربية الدين الذى هو رحمة للعالمين، تحث المسلم على حسن العشرة مع غيره وخاصة المسيحيين وأهمية المحافظة على العهد، فها أبو بكر يكتب لنصارى نجران( أبو يوسف ، الخراج ، ص 16):

    \" هذا كتاب عبد الله – أبى بكر خليفة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل نجران، أجارهم الله بجوار الله وأمة محمد النبى صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأرضهم وأموالهم وحاشيتهم وعبادتهم وغائبهم وشاهدهم وأساقفتهم ورهبانهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، ولا يحشرون ولا يعشرون، ولا يعير أسقف من سقيفاه، ولا راهب من رهبانيته، ووفى لهم بكل ما كتب محمد النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد صلى الله عليه وسل ، أبدا، وعليهم النصح والإخلاص فيما عليهم من الحق \" .

    وأرسى أبو بكر بفعله وسلوكه المبدأ الإسلامى العظيم \" الشورى \" الذى لا يستطيع أحد أن ينكر ارتباطه العضوى بالتربية البناءة، إلى الدرجة التي دفعت عبد الرحمن الكواكبى أن يؤكد أنه بغياب الشورى تفسد التربية ويصير البشر مجرد بهائم تؤمر فتطيع. أما كيف أرسى أبو بكر هذا، فيتضح لنا من دراسة حكومته، فقد كانت حكومة شورى في منشئها ونزعتها، بويع الصديق بالانتخاب العام، وبويع لصفاته الذاتية ومكانته من رسول الله، لا لأسرته ولا لعصبية قبيلته . ولم يطلب أبو بكر البيعة لنفسه، بل كان يرشح لها عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ليبايع المسلمون أيهما شاءوا. وكان يرشحهما والأنصار ينازعون المهاجرين الأمر ويتهمونهم بأنهم يريدون غصبه منهم، ولقد تم ذلك كله في اجتماع عام، هو اجتماع السقيفة، ألقيت فيه الخطب، وكانت فيه المداولات الانتخابية أروع ما تكون.

   هذه بيعة أنشأتها الشورى، فلما تولى أبو بكر الحكم كانت أول خطبة له موطدة دعائم الشورى مثبتة قواعدها. ألم يقل للناس : \" أطيعونى ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لى عليكم \"، هذا إقرار صريح بحق الرأى العام في مراقبته وإرشاده، وهو إقرار كفيل بأن يدفع التعليم إلى درجات عليا من التقدم والتطور لو تواصل تنفيذه عبر القرون، ماضيا وحاضرا. 

  عمر بن الخطاب :

   والمربى المسلم يستطيع أن يجد في سيرة عمر بن الخطاب الكثير، خاصة ما يتصل بهذا المبدأ العظيم الذى قيل عنه بحق أنه أساس الملك ألا وهو العدل، يتبدى في كافة المجالات ويظهر في شتى الأركان، وأن يكون الحاكم العام قدوة في ذلك، فهو يرسى أسس عدل تربوى، بعيدا عن الخطب والمواعظ والكلمات، إن العدل في الحكم من قِبل الحاكم هو طاقة ضوئية تشع على كافة المجالات من نورها الشئ الكثير، وبالتالى يسير نحو المستقبل بخطى ثابتة، تأمن إلى حد كبير ألا تعوقها عثرات طريق، فتمضى فى البناء، وتمارس النهوض المستمر.

   إن العدل مثلا هو المساواة بين أبعد الناس وأقربهم في قضاء الحقوق وإقامة الحدود، وليس أقرب إلى الحاكم من ابنه، فإذا سوى الحاكم بين ابنه وسائر الرعية، فذلك عدل مأثور يقتدى به الحاكمون، ولقد سوى عمر بين أبنائه وسائر المسلمين، فبلغ بذلك مبلغ البطولة في هذه الصفة النادرة بين الحكام ( عباس العقاد ، عبقرية عمر ، ص31)0

   ولعل أشهر الأمثلة التى يمكن أن تذكر في هذا قصة ابنه عبد الرحمن في مصر ، فقد روى عمرو بن العاص والى مصر يومئذ حيث قال: \" ...دخلا – عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة – وهما منكسران، فقالا: أقم علينا حدود الله، فإنا قد أصبنا البارحة شرابا فسكرنا، فزبرتهما وطردتهما، فقال عبد الرحمن، إن لم تفعل أخبرت أبى إذا قدمت عليه، فحضرنى رأى وعلمت إنى إن لم أقم عليهما الحد غضب عمر علىّ في ذلك وعزلنى وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن عليه، إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه فرحبت به وأردت أن أجلسه في صدر مجلسى فأبى على وقال: أبى نهانى أن أدخل عليك إلا أن أجد من ذلك بدا . إن أخى لا يحلق على رءوس الناس، فأما الضرب فاصنع ما بدا لك \" 0

   قال عمرو بن العاص وكانوا يحلقون مع الحد، فأخرجتهما إلى صحن الدار فضربتهما الحد، ودخل ابن عمر بأخيه إلى بيت الدار فحلق رأسه ورأس أبى سروعة \" .

    ومع ذلك فلما سمع عمر بن الخطاب بما حدث، وجد نقصا في معايير تطبيق العدل مما أغضبه فكتب إلى عمرو بن العاص مؤنبا إياه: \" تضرب عبد الرحمن في بيتك وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفنى، إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قلت هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندى في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابى هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع \" . ورغم قول عمر بأنه – أى عمرو – يقيم الحدود في صحن داره على الذمى والمسلم، إلا أنه بعث بابن عمر كما قال، فلما جاء عبد الرحمن إلى أبيه جدله وعاقبه من أجل مكانته منه\".

    وكان عمر يعلم علم اليقين أنه على الرغم من أن معالم تربية مسلم الغد مبثوثة في كل كلمة من كلمات القرآن الكريم، وأن طرق بناء الشخصية الإسلامية كفلتها أحاديث الرسول المتعددة، إلا أن هذا لا يضمن أن ينهج الناس بالفعل في حياتهم النهج الإسلامى، ومن ثم فقد كان شغله الشاغل هو : كيف يمكن أن يجعل فعله وقوله وسلوكه نموذجا للإنسان المسلم، بحيث يبين للناس، فيما يأتى من الأيام، أن \" أعلى \" الناس مركزا، هو أولهم في الامتثال لتعليم الله وسنة رسوله، وكيف أن \" التصور الإسلامى \" في بناء إنسان الغد ليس مثاليا يصعب على التنفيذ، وإنما هو ممكن التحقق .

   لقد أدرك أن قوة المسلم تكمن في قوته، وفى حرية رأيه، ولهذا كانت سياسته أن يرفض رفضا تاما أن يخول أيا من ولاته سلطة ضرب الإنسان المسلم لأنه يعلم أن ذلك يؤدى إلى إذلاله ،وهو أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمع الغد، وكان حكمه حاسما، أى مسئول يضرب مسلمات في غير حد يقتص الخليفة منه إلا أن يصفح صاحب الحق .

     وعمر يعلم أن كل مسئول معرض للخطأ، ولو بحسن نية، وأن مشاورة الناس هى خير عاصم من الزلل، ولهذا عمل على تشجيع المسلمين – في سائر أرجاء الدولة – على إبداء رأيهم بكل حرية في جميع شئون الناس، وعلى كافة المستويا ، وبالرغم من قسوة عمر على نفسه ، وتحميلها أكثر مما فرض على رعاياه، فإن عمر قد تعرض للنقد، ولم يضق به ذرعا، بل كان يطلبه، ويستحث الناس عليه، ويذكرهم بأن إبداء الرأى السليم لوجه الله تعالى ليس مجرد حق للمسلم، ولكنه واجب عليه لضمان مجتمع المستقبل السليم، وأن الرسول الكريم جعل النصيحة الخالصة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم دلالة على الدين والإيمان، ولهذا فقد رأينا أن عمر غضب على رجل حاول أن يمنع مسلما من نقد الخليفة، وقال قولته المشهورة (الطماوى ، ص494):\" لا خير فيهم إذا لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها \" !! 0

    ولقد أدرك عمر بإلهامه الصادق أن حرية الرأى هى خير معلم للشعوب وأنجع دواء للتقويم وتدارك الأخطاء قبل وقوعها، وضمان مستقبل يرضى الله ورسوله، فإذا ما كان الخليفة مخطئا في رأيه، فلا ضير أن تبصره في الصواب امرأة، ولا حرج على الخليفة أن ينقد نفسه نقدا ذاتيا وأن يعترف بخطئه على الملأ ويقول قولته الشهيرة أيضا \" أخطأ عمر وأصابت امرأة \" .

   ولقد هاب الناس عمرا عندما صارت الخلافة إليه وقالوا في أنفسهم إنه كان شديدا غاية الشدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في عهد أبى بكر، فما باله سوف يكون عندما صار الأمر له وحده، ولن يصده أو يصححه نبى الله أو الصديق ؟

   ولقد علم عمر بهذا الذى حدّث المسلمين أنفسهم به، فطلب أن يجئ الناس ليتحدث إليهم، فلما اكتمل عددهم ، قال ( الخطيب ، ص 211):

    بلغنى أن الناس قد هابوا شدتى، وخافوا غلظتى، وقالوا : قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فيكف إذا صارت الأمور إليه ؟ ومن قال ذلك فقد صدق، فقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبده وخادمه، وكان ممن لا يبلغ صفته من اللين والرحمة، وقد سماه الله بذلك ووهب له اسمين من أسمائه ( رءوف رحيم ) فكنت سيفا مسلولا، حتى يغمدنى أو يدعنى، فأمضى، حتى قبض رسول الله، وهو عنى راض، والحمد لله ..وأنا اسعد بذلك ..ثم ولى أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا تنكرون دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتى بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدنى أو يدعنى فأمضى ...فلم أزل معه كذلك حتى قبض، وهو عنى راض، وأنا أسعد بذلك .

   ويمضى عمر فيقول :

   \" ثم إنى وليت أموركم، أيها الناس، واعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت – أى زادت أضعافا – ولكنها إنما تكون على الظلم والتعدى على المسلمين ..أما أهل السلام والدين والفضل، فأنا ألين منهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدا يظلم أحدا، أو يتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع قدمى على الخد الآخر حتى يذعن بالحق .

   \" ولكم على – أيها الناس - خصال أذكرها لكم، فخذونى بها، لكم على ألا أخبئ شيئا من خراجكم مما أفاء الله عليه إلا من وجهه ...ولكم علىّ إذا وقع عندى ألا يخرج إلا بحقه، ولكم على ألا ألقيكم في المهالك، وإذا رغبتم في البعوث ( أى السير في الجهاد )، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم ..\" .

   وكانت لعمر آفاق ثقافية وعلمية يمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلى :

   فالشريعة الإسلامية، هى قانون الدولة الذى آل إلى عمر أن يطبقها، وأن يستنبط قواعدها فأصبح فارسها الكبير . وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذى أرسى أسسها نقلا عن ربه، فإن عمر بن الخطاب هو الذى بين أسلوب تطبيقها واستمداد الأحكام الجديدة منها لمواجهة ظروف المجتمع المتغيرة، وهنا تكمن عظمة عمر والعظة الكبرى المستفادة من دراسته والإحاطة بأساليبه في الحكم والإدارة، فهو قد جمع بين الإيمان الراسخ وبين المرونة التي تستجيب لحاجات الناس المشروعة، ومن ثم سجل الفقهاء فضل عمر في هذه الناحية، فعبد الله بن مسعود يقول مثلا: \" كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله \"، وكان إذا اختلف أحد في قراءة الآيات، قال له اقرأها كما قرأها عمر، وأطنب فقال : \" لو أن علم عمر بن الخطاب وضع في كفة ميزان، ووضع علم الأرض في كفة، لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يروون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، قال ابن سيرين: \" إذا رأيت الرجل يزعم أنه أعلم من عمر، فشك في دينه \" ( الطماوى ، ص 53 ).

    وكل ما فسر به عمر آى القرآن في معرض الحكم والعظة، فهو التفسير الراجح في وزن العقل والدين، وكل ما استخرجه من أحكام الشريعة، فهو الحكم الواضح الصحيح .

    وكان عمر ينصح رعاياه بالانكباب على العلم في الكثير من المأثور عنه، ومن ذلك قوله لهم: \" تعلموا العلم، وتعلموا مع العلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وتواضعوا لمن تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم \" . وكان يوصى طلاب العلم بأن \" يكونوا أوعية الكتاب، وينابيع العلم، وأن يسألوا الله رزق يوم بيوم، وألا يضيرهم ألا يكثر لهم \"، وأن \" يتفقهوا قبل أن يسودوا \" .

    أما بالنسبة للغة العربية وآدابها، فلما كانت التربية الإسلامية تقوم على أساس الإحاطة بالقرآن الكريم، فإن مفتاحها يكمن في اللغة العربية، والتمسك بها والمحافظة عليها، درع عظيم يقى المسلمين غوائل ما سوف يقابلونه فى المستقبل من هجمات ثقافية وفكرية، ولهذا فإن عمر بن الخطاب يجئ على القمة بين من أحاطوا بأسرار اللغة العربية، وقد ساعده على ذلك إعداده خطبه الكثيرة في المناسبات الجمة التي تعرض لها بعد أن آل إليه أمر المسلمين، ولم يحفظ التاريخ لأحد من الحكام العرب ما حفظ لعمر بن الخطاب من خطب خالدة في شئون الحكم والإدارة، صيغت أبدع صياغة، ومن ثم كانت وصايا عمر للعرب في خصوص اللغة العربية متعددة، ومن أشهرها:

·        تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة .

·        تعلموا النحو كما تتعلمون السنن والفرائض .

·        تعلموا إعراب القرآن كما تتعلمون حفظه .

·        شر الكتابة المشق، وشر القراءة الهذرمة ( هذرم : أسرع في كلامه وقراءته )، وأجود الخط أبينه.

   بل روى عنه أنه أمر بجلد بعض الكتاب لخطأ في النحو .

   ولما كان الشعر هو أصل ثقافة العرب، كما روى عن عمر نفسه، فإنه اهتم بروايته في جاهليته وفى إسلامه، وقد وجه خطابه إلى العرب كافة فقال: \" ارووا من الشعر أعفه، ومن الحديث أحسنه، ومحاسن الشعر تدل على مكارم الأخلاق، وتنهى عن مساويها \" . كما كتب إلى أبى موسى الأشعرى:\" مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالى الأخلاق، وصواب الرأى ومعرفة الأنساب \" ( الطماوى ، ص55).

     وعلى الرغم من بساطى المعرفة وصغر مساحتها زمن عمر، إلا أنه ساهم فى تأسيس حب المعرفة، والتى أصبحت بعد ذلك المقوم الأساسى لمجتمع الغد بما عرفه الناس عنه من مشاركة في معارف أخرى غير الشريعة، وقليل من يتخيل أن عمر كان يعرف \"جغرافية\" الشرق كأحسن ما يعرفها في وطنه، ولكنه كان يعرفها حقا عن سماع وعن رؤية، بل كان يفرض على الولاة أن يحيطوا بعلم ما يتولونه من البلاد ويعزل من يرى فيه تقصيرا عن ذلك، فاستقدم عمار بن ياسر أمير الكوفة لما شكوه إليه وقالوا في شكواهم إياه: \" إنه لا يدرى علام استعمل \"، وجعل يسأله عن المواقع والبلدان من بلاد العرب والفرس حول الكوفة سؤال مطلع خبير، ثم عزله لتقصيره بعد اختياره .

   ومن الواجب أن نشك في كل خبر يوهم أن عمر كان يجهل معرفة من المعارف العلمية التي يحتاج إليها في تدبير الدولة، فلا يعقل مثلا أنه كان يجهل المعرفة العامة بالحساب، وقد كان تاجرا منذ نشأته في الجاهلية، وكان يحضر الجيوش ويعرف ما هى الألوف وما هى عشرات الألوف، فإذا استفسر عن رقم فلم يكن إلا استفسار تجاهل واستعظام وليس بجهل وغرارة، كما جاء في أخبار الخراج والبحرين .

   على بن أبى طالب :

   من كثرة ما قرأنا عن على بن أبى طالب للأقدمين والمعاصرين، لم نجد وصفا أصدق في تصويره من قول أحد معاصريه يخاطب صديقا له ط أتدرى ما مثل على في هذه الأمة ؟ إن مثله مثل عيسى بن مريم، أحبه قومه حتى هلكوا في حبه، وأبغضه قوم حتى هلكوا في بغضه \" ( محمد خالد ، ص 57).

    والبادرة الفكرية التي تومض في الذهن إثر الاطلاع على هذا التصوير لأول مرة هى توجيه العذر لمن فرط في حب علىّ ، فقد كان أهل ذلك وزيادة، أما من أبغضه فالحق أن حيلتنا تعجز عن التماس شبهة من رأى لأعذاره، إذ كانت سوابقه في نصرة الإسلام وتبريزه الشامخ في مذهب الفكر ومناهج العلم، كل ذلك كفيل بحمايته من البغضاء مهما كانت ضئيلة، ولكن، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور !

   وليس هناك من شك في أن كل من يدرس سيرة على بن أبى طالب بقلب سليم يجد الكثير من سيرته، أساس يمكن أ، يعين فى بناء مجتمع اليوم، وإنسان الغد، وبالتالى يجد نفسه وقد أصبح من شيعته على الرغم منه، وليس من المحتم أن يغالى في التشيع له حتى المروق، فإن الإسلام يعصمه من ذلك، وعلىّ نفسه يقول – وهو خليفة – \" من فضلنى على أبى بكر جلدته \" ..وهو بهذا التقرير الخطير يقطع السبيل على كل من يركب هواه ( محمد خالد ، 58).

   وقد أجمع الصحابة والتابعون على أن على بن أبى طالب كان رأسا في الفقه والفتوى والقضاء، وأنهم كانوا يلجأون إليه في حل المعضلات وبيان المشكلات، وكان عمر بن الخطاب يقول : على أقضانا، ويتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، ويقول : لولا علىّ لهلك عمر( محمد خالد ، ص 62 ).

   وقال على بن أبى طالب نفسه : سلونى، فوالله لا تسألونى عن شئ إلا أخبرتكم، وسلونى عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل .

   ولعل من أهم الأسانيد التي تؤكد الدور المؤسس للتربية الإسلامية في تطورها، لعلى بن أبى طالب أنه انفرد عن الجميع بأنه تربى هو شخصيا منذ صغره في كنف معلم الإسلام الأول، محمد صلى الله عليه وسلم...

   جاء طفلا في الثامنة من عمره ليدخل المدرسة النبوية، كأول تلميذ ليكون دعامة قوية لى الطريق الجديد، وبدأ على بن أبى طالب يشهد المدرسة الحديثة في بيت رسول الله، ويشهد المدرسة القديمة في المحيط العام، وسرعان ما هضم الفارق بين المدرستين وعرف محل التضاد في محاور المنهجين، فبرز للمجتمع يقول كلمته (على الأديب ، ص20):

    \" أنتم معشر العرب، على شر دين، وفى شر دار، منيخون بين حجارة خشن وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة \" .

   وبهذا يكون الإمام قد أبدى رأيه وموقفه من مدرسة المجتمع الراكزة وسط المحيط الذى كان يعيشه، وبذلك أراد مخاطبة الأجيال بلغة النمو والنشاط، فلم يرض لهم شرب الكدر، وأكل الجشب، واجترار الماضى الممقوت، وإنما طالبهم بالبذل والعمل ليغيروا وجه الطبيعة في سبيل الحياة الأفضل والأحسن، وهو لم يرتض له صراعهم الاجتماعى المميت لغايات قصيرة الأمد \" أنانية المولد \"، فعبر عن سخطه لسفك الدماء، وقطع الرحم، ونبذ التواصل الاجتماعى.

   وهو إلى هذا وذاك يريد أن يكونوا بشرا بعقولهم، وآدميين بعلاقاتهم، فلم يرض لهم عبادة الحجارة، ولم يوافقهم في الهيام والطيران إلى داخل أجواء الرذيلة والإجرام .

   وعلى النقيض من ذلك تجئ مدرسة النبوة، التي تحدث الإمام عنها فقال : \" وضعنى في حجره – يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأنا ولد، يضمنى إلى صدره، ويكنفنى إلى فراشه، ويمسنى جسده، ويشمنى عرقه  ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه، يرفع في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرنى بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيرى \" (على الأديب ، ص 21).

   ولقد ترأس علىّ مدرسة المدينة الكبرى مدة أربع وعشرين سنة، وهى مدة خلافة أبى بكر وعمر وعثمان، لتضم آلافا من الناس، هذه السنوات، إذا أضفناها إلى سنوات خلافته الفعلية، ألفت إلينا منهاجا ضخما ودستورا دقيقا لكل الأمور التربوية .

    كان يقف على الناس خطيبا أغلب الأحيان ليوجههم في أمور حياتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم وروابطهم الروحية، فحق علينا أن نتخذه معلم أجيال في التربية الخلقية والروحية والاجتماعية . وحين كان يوجه إرشاداته للناس على اختلاف مللهم ونحلهم، ثم يأمر ولاته أن يأخذوا جانب الإنصاف والعدل مع الناس دون تفريق وتمييز، إنما كان يمثل لنا شعارا حيا من شعارات التربية المستقبلية الإنسانية والوطنية .

   ويوم برز للناس يعلمهم ويبصرهم شؤون نفوسهم وحقائق خلقتهم إنما كان يوضح طبيعة الإنسان القادرة على التغيير والتبدل والتكييف (على الأديب ، ص 24)0

   قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا على ، ألا أدلك على خير أخلاق الأولين والآخرين؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : تعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك \" ( الشرقاوى ، ص5).

   وأوصاه حين زوجه ابنته فاطمة الزهراء رضى الله عنهما، قال : يا على، لا تغضب . إذا غضبت فاقعد، وتذكر قدرة الله على العباد، وحلمه عنهم، وإذا قيل لك : اتق الله، فاترك غضبك عنك وارجع لحلمك \".

    وعلمه رسول الله أن \" من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله إيمانا وأمنا، ومن وضع ثوب جمال تواضعا لله، وهو يقدر عليه كساه الله تعالى حلة الكرامة \" .

   وكان على يدعو إلى مكارم الأخلاق حبا في مكارم الأخلاق، قال مرة لبعض جلسائه : عجبت لرجل يجيئه أخوه في حاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنا لا نرجو جنة ولا نخاف نارا، ولا ننتظر ثوابا، ولا نخشى عقابا، لكان ينبغى لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاة، فقام رجل فقال : فداك أبى وأمى . أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم، لما أتيتنا بسبايا طيئ كان في النساء جارية حماء ( بيضاء ) حوراء العين، شماء الأنف، معتدلة القامة، فلما رأيتها أعجبت بها، فقلت : لأطلبنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجعلها من فيئى \" ( الشرقاوى ، ص 105).

   فلما تكلمت، أنسيت جمالها، لما سمعت من فصاحتها، قالت : يا محمد، هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلى عنى، فلا تشمت بى أحياء العرب، فإننى بنت سيد قومى، كان أبى يفك العانى، ويحمى الذمار، ويقرى الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم الطائى !!\"

   فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا لترجمنا عليه، خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق .

   وكان على بن أبى طالب يقبل على الناس بالنصح والموعظة قائلا: \" إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في البر والبحر، فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار \" (عباس العقاد ، عبقرية على ، ص137)0

    وقد لبث علىّ زهاء ثلاثين سنة منقطعا عن جهاد الحكم والسياسة، متفرغا أو يكاد يتفرغ لفنون البحث والدراسة : يتأمل كل ما سمع ، ويراجع كل ما قرأ، ويعرف كل ما يعرف ممن يلقاه ويستطلع أنباءه وآراءه ، وقضاياه ، فمهما يكن قسط الثقافة العالمية قليلا في بلاد الإسلام في تلك الأيام، ففيه ولا ريب الكفاية للعقل اليقظان والبصيرة الواعية أن تفهم ما قد فهمه الإمام ، وأن يثبت ما أثبته نهج البلاغة من الخواطر والأحكام .

    على أن هذه الفنون من الثقافة – أو جلها – إنما تعظم بالقياس إلى عصرها والجهود التي بذلت في بدايتها، فحصة الإمام من علم النحو مثلا، عظيمة لأن الابتداء بها أصعب من تحصيل المجلدات الضخام التي دونها النحاة بعد تقدم العلوم وتكاثر الناظرين فيه. وهكذا يقال في الحساب والمسائل العلمية التي من قبيله، فلا يجوز لنا أن نقيسها بمقياس العصر الحاضر، وهى في ابتدائها أصعب جدا منها في أطوارها آلتي لحقت بها بعد نمائها واستفاضة البحث فيها .

   أما فن الثقافة الذى يقاس بمقياس كل زمن، فهو في فن الكلم الجامعة، فالكلم الجوامع التي رويت للإمام ترسم خطوطا تربوية بيد ماهرة، وتبذر بذور نظريات وأفكار تعليمية بطريقة خبير ومعلم، انظر إليه يقول، مثلا\" \" المرء مخبوء تحت لسانه \" و \" من لان عوده كثف أغصانه \"، و \" الحلم عشيرة \" و \" من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة \"، و \" كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنه يتسع \"، و\" إذا هبت أمرا، فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما نخاف منه \" و\" لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ولا يضارع، ولا يتبع المطامع \" .

   ومن أقواله أيضا: \" من نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم \"، وأيضا: \" الفقيه كل الفقيه، من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يوئسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله \"، وقوله: \" العاقل هو الذى يضع الشئ في موضعه \"، وقوله \" الناس أعداء ما جهلوا \" ..إلخ .

   وإذا كان علىّ قد اشتهر بالزهد، لكن الحق أن العمل لإصلاح الدنيا وعمارتها، لا العزوف عن العمل واعتزال الدنيا كان جوهر زهد على وتقواه، والعمل الصالح الذى يحض عليه ليس هو أداء العبادات المفروضة فحسب، وإنما هو العمل المنتج في المعاملات ...هو العمل الذى به عمارة الأرض، وعليه تقوم مصالح العباد (الشرقاوى ، ص 51).

    من أجل ذلك اهتم على بألوان النشاط الإنسانى التي تخدم المجتمع، وانشغل بها وحض عليها ...يدوية كانت أو فكرية، لقد تعلم من أستاذه العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، فيما تعلم، من معانى القرآن أن الله لا يكتفى من العبد المطيع التقى بالإيمان وحده، بل الله يقرن الإيمان بالعمل، فكلما ذكر سبحانه الإيمان في آية عطف عليه العمل الصالح (الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..).

   أما الإيمان، فمعروف، وفيه أداء العبادات المفروضة، وأما العمل الصالح فهو ما ينهض بأدائه وإتقانه كل إنسان في أية جماعة إنسانية من أعمال مشروعة تكفل له معاشه، وتحقق المصلحة للأمة جميعا، ومن هنا أخذ على يعظ الناس بقوله : \" قدر الرجل على قدر همته \"، و\" من قصر في العمل ابتلى بالهم، ولا حاجة لله فيمن ليس له في ماله ونفسه نصيب \" .

    وهو يعى جيدا الصلة بين العلم والعمل فيقول: \" العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل عنه \" ( الشرقاوى، ص 120).

   \" ثمرة العلم العمل \" . إن العالم والعمل لغير علمه كالجاهل الحائر الذى لا يفيق من حهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم، فإن العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فلينظر ناظر : أسائر هو أم راجع ؟

   وترتفع كلماته على أبنائه حاملة دستور التربية السليمة ( خالد محمد خالد ، خلفاء الرسول ، ص434): \" أوصيكم بتقوى ربك ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون \" .

   (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

   إن صلاح ذات البين، أفضل من الصلاة والصيام .

   الله الله في القرآن، لا يسبقنكم إلى العمل سابق .

   الله الله في الفقراء والمساكين، أشركوهم في معاشكم .

    ( ولا تدعوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله تعالى).

   (عليكم بالتواصل وإياكم والتدابر، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ...).

    وإذا كانت طبيعة حياة الأفراد تقضى بالاختلاف في الأعمار واختفاء بعضهم وظهور البعض الآخر في الوجود، تصبح عملية النقل الثقافى عملية اجتماعية ضرورية لاستمرار الوجود الاجتماعى. ويبدو أن عليا شدد كثيرا على هذه الناحي ، كما يظهر في كلامه مع ابنه الحسن حيث يقول له ( على الأديب ، ص52):\" أى بنى، إنى وإن كنت عمرت عمر من كان قبلى، فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأنى بما انتهى إلى من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيله، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عنانى من أمرك، يعنى الوالد الشفيق، وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية \".

   وعلى هذا تبدو الحاجة إلى التعليم أمرا حياتيا في المجتمعات لاستمرار وجودها . والنقل لا يكون لكل شئ، وكما هو، وإنما لابد من الانتقاء ولابد من الاختيار وذلك في ضوء صورة الإنسان، كما ينبغى أن يكون، ومن هنا يجئ قول الإمام على في النص السابق: \" فاستخلصت لك من كل أمر نخيله، وتوخيت لك جميله ..\"، وعلى هذا يكون القرآن هو أول وأهم ما يتعلمه ابنه \" أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه \".

   وتربية العقل ليست مرانا عقليا بحتا، مثلما يتصور البعض من التمرينات البدنية ..مثلا بالنسبة للجسم، فهى تعينه على تحمل المشاق، وتمكنه من أداء الأعمال التي تتطلب جهدا بدنيا . كذلك فإن تربية العقل، فضلا عما تؤدى إليه من حسن مواجهة مواقف الحياة المختلفة، فإن لها غاية أخرى أبعد، ألا وهى الوصول إلى المزيد من الإيمان بالتوحيد وقدرة الله عز وجل عن طريق التأمل الدائم لمظاهر خلقه وآيات إبداعه في الكون.

   وهكذا نفهم هذا الذى تحدث به على بن أبى طالب في صفة خلق أصناف من الحيوان ( إيمان عارف، ص138): \" ولو فكروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة. ألا ينظرون إلى النملة، صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك، كيف دبت على أرضها وصبرت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، فهو كفول برزقها، مرزوقة في علوها وسفلها ...وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجبا ولقيت من وصفها عجبا ، فتعالى الذى اقامها على قوائمها وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها فاطر،  ولم يعنه على خلقها قادر . لو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة ..\" .

    وهو يضرب الأمثال في المساواة وتكافؤ الفرص، فيما أخرجه البيهقى عن عيسى بن عبد الله الهاشمى عن أبيه عن جده قال : أتت عليا رضى الله عنه امرأتان تسألانه، عربية ومولاة لها، فأمر لكل واحدة منهما بكر من طعام ( مكيال لأهل العراق، أربعون إردبا )، وأربعين درهما، فأخذت المولاة الذى أعطيت وذهبت، وقالت العربية : يا أمير المؤمنين، تعطينى مثل الذى أعطيت هذه وأنا عربية وهى مولاة ؟ قال رضى الله عنه : إنى نظرت في كتاب الله عز وجل فلم أر فيه فضلا لولد إسماعيل على ولد إسحق، عليهما الصلاة والسلام ( الكاندهلوى ، ج2 ،ص174)0

  

  

 

مراجـــع

 

1-  أحمد فريد: التربية على منهج أهل السنة والجماعة، الإسكندرية، الدار السلفية ، 1999

2-  إيمان محمد عارف: الآراء التربوية فى خطب ووصايا الخلفاء الراشدين، رسالة دكتوراه، كلية التربية بأسوان، 1991

3-  خالد محمد خالد : فى رحاب على، القاهرة، دار المعارف، 1989

4-  ابن أبى الدنيا: كتاب العيال، تحقيق نجم عبد الرحمن خلف، المنصورة، دار الوفاء، 1997

5-  سعيد إسماعيل على: السنة النبوية، رؤية تربوية، القاهرة، دار الفكر العربى، 2002

6-  _________: أصول التربية الإسلامية، القاهرة، دار الفكر العربى، 1993

7-  _________: التربية الإسلامية والنهوض بالأمة، القاهرة، دار الفكر العربى، 2008

8-  _________: نشأة التربية الإسلامية، القاهرة، دار السلام، 2010

9-  سليمان بن قاسم العيد: المنهاج النبوى فى دعوة الشباب، الرياض، دار العاصمة، 1415هـ

10-                       سليمان محمد الطماوى: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة، القاهرة، دار الفكر العربى، 1969

11-                       عباس محمود العقاد: عبقرية الصديق، القاهرة، فى( إسلاميات)، دار الشعب، د.ت

12-                       ____________: عبقرية عمر، القاهرة، فى ( إسلاميات)، دار الشعب، د.ت

13-                       ____________: عبقرة الإمام، القاهرة، فى ( إسلاميات)، دار الشعب، د.ت

14-                       عبد الحميد الهاشمى: الرسول العربى المربى، دمشق، دار الثقافة للجميع، 1981

15-                       عبد الرحمن الشرقاوى: على إمام المتقين، القاهرة، مكتبة غريب، د.ت

16-                       عبد الفتاح أبو غدة: الرسول المعلم وأسالبه فى التعليم، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1997، ط2

17-                       على محمد الحسين الأديب: منهج التربية عند الإمام على، بيروت، دار الكتاب اللبنانى، 1979

18-                       محسن بن محمد سعيد عبد الناظر: العلم وأهله فى الحديث النبوى الشريف، بيروت، مؤسسة الريان، 1998

19-                       محمد خالد: أعلام الصحابة أولو الرأى، القاهرة، وزارة الثقافة والإرشاد القومى، د.ت، سلسلة المكتبة الثقافية

20-                       محمد ناصر الألبانى: صحيح الجامع الصغير وزيادته، بيروت، المكتب الإسلامى، 1986

21-                       ________: صحيح سنن الترمذى، الرياض، مكتب التربية العربى لدول الخليج، 1988

22-                       محمد يوسف الكاندهلوى: حياة الصحابة، تحقق محمد على دولة، دمشق، دار القلم، 1968

23-                       مصطفى السباعى: السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى، بيروت، المكتب الإسلامى، 1982

24-                       نظمى لوقا: : أبو بكر، حوارى محمد، القاهرة، دار الهلال، 1971، سلسلة كتاب الهلال

25-                       ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، القاهرة، مصطفى البابى الحلبى، 1955

26-                       يوسف القرضاوى: السنة، مصدرا للمعرفة والحضارة، القاهرة، دار الشروق، 2002، ط3

 

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft