بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  





إنجازات الرابطة في مجال الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية



   عدد الزيارات

إنجازات الرابطة في مجال

الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية

تطوير مناهج الدراسات الإسلامية:

تولى الرابطة تطوير مناهج ومقررات الدراسات الإسلامية عناية فائقة، ومازلنا نرى أن نجاحنا فى تطوير هذه الدراسات يعمل على الدفع قدماً بمجتمعاتنا، وتحقيق التقدم المنشود فى الفكر والفقه الإسلامى.

وكانت هناك مجموعة من الموائد العلمية فى مدينة بيروت، حيث عقدت الرابطة مؤتمرها السابع؛ لتناقش ما أعدته الأمانة العامة للرابطة، مع مجموعة من العلماء المتخصصين فى الدراسات الآتية:

1- أصول الفقه.

2- الفقه الإسلامي.

3- قانون الأسرة.

4- تفسير القرآن الكريم.

5- تطوير دراسات السنة النبوية الشريفة.

6- تطوير دراسات العقيدة.

7- تطوير دراسات الدعوة الإسلامية.

8- الفقه الطبي.

9- الحضارة الإسلامية.

10- فلسفة العلوم فى الإسلام.

11- تطوير دراسة البيئة من منظور إسلامي.

12- النهوض باللغة العربية.

13- تطوير دراسات الاقتصاد الإسلامي.

وأمانة الرابطة تبين أن ما تم فى هذه اللجان، وما أقره المؤتمر العام السابع بشأن أسلوب وخطط التطوير، مسألة فى غاية الأهمية، وتهيب بكافة الجامعات الأعضاء أن تتبنى هذا الفكر الذى عبرت عنه وثيقة النهضة من خلال تطوير العلوم الإسلامية التى أقرها المؤتمر العام السابع للرابطة.

والواقع أن عمل الرابطة يهتم كثيرًا بتنفيذ هذه المقررات؛ لذا قامت الرابطة بعقد أكثر من اجتماع مع عدد من الجامعات، لمناقشة ما تم بخصوص تنفيذ هذه التوصيات، والصعوبات التى تحول دون تطبيقها، كما تتابع الرابطة من خلال استشارة خبراء ما فعلته الجامعات فى هذا التطبيق.

التأصيل الإسلامى للعلوم الاجتماعية:

 تعاني منظومة العلوم الاجتماعية كما تدرس وتبحث في عالمنا الإسلامي من مجموعة كبيرة من الإشكاليات والمعوقات، وفي مقدمتها التبعية لمدارس ونظريات تم إفرازها وإنتاجها لبيئات مختلفة عن بيئاتنا الإسلامية، وتنطلق من منطلقات بعضها يتصادم مع ثقافاتنا وثوابتنا الإسلامية، ولعل الأخطر من هذا أنها توظف لتحقيق أهداف غربية وشرقية ليس من بينها مواجهة مشكلات العالم الإسلامي حول الوحدة والتنمية والتقدم والتمسك بالهوية الإسلامية، وبناء الشخصية القادرة علي خدمة ربها ودينها ومجتمعها وأسرتها، من خلال ثوابت الإسلام وقيمه العليا.

     إن علومنا الاجتماعية في عالمنا الإسلامي تعاني من تبعية شبه كاملة للعلوم الاجتماعية في الغرب، التي تستهدف فيما تستهدف تكريس تخلف العالم الإسلامي وتمزيقه، وضرب مشروعات التنمية داخله حتي يظل تابعًا لهم على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ولعل هذا ما يطرح بقوة أهمية التأصيل الإسلامي لهذه العلوم، وذلك بعدة أمور:

1- الغوص في جذورنا ومصادرنا لاستخراج الفكر الاجتماعي والاقتصادي وإبرازه وتضمينه في المقررات الدراسية لطلابنا في الجامعات الإسلامية.

2- الانفتاح على أحدث المدارس والنظريات والاتجاهات المطروحة في أدبيات العلوم الاجتماعية في الشرق والغرب.

3- دراسة واقعنا الاجتماعي بجميع جوانبه وتحديد أهدافه وإمكاناته وكيفية تفعيل هذه الإمكانات في خدمة تحقيق وإنجاز الأهداف المطلوبة.

4- الاستفادة من كل علوم العصر في مجال العلوم الاجتماعية طالما أنها تحقق:

( أ ) عدم التصادم مع ثوابتنا الإسلامية.

(ب) تحقيق مصالح مجتمعاتنا الإسلامية.

(جـ) مواجهة ما يعانيه عالمنا الإسلامي من أزمات ومشكلات.

لذلك قرر المؤتمر العام السابع للرابطة أن يخصص دورة كاملة للرابطة لدراسة التأصيل الإسلامى للعلوم الاجتماعية. كما قرر أن تكون جائزة الرابطة التى يمولها معالى الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركى فى نفس الموضوع.

     وتنفيذاً لذلك، قامت الأمانة العامة بتشكيل لجان لدراسة هذا الموضوع، فقدمت اللجان الفرعية تقارير عما تم إنجازه فى التأصيل الإسلامى لعلم الجغرافيا، ولعلوم الخدمة الاجتماعية، وللعلوم التربوية والنفسية، وللتأصيل الإسلامى للعلوم والدراسات الإعلامية، والقانون الدولي، وفق ما هو مفصل من دراسات وتقارير في الأمانة العامة للرابطة.

وقد انتهجت اللجان المشكلة لهذا الغرض نفس النهج الذى سارت عليه اللجان السابقة، حيث وضعت منهجاً مطوراً لدراسة كل فرع من هذه الفروع، وإن كانت لجنة تأصيل علم التاريخ قد اقترحت أن يولى موضوع دراسة التاريخ الإسلامى أهمية خاصة، واقترحت إنشاء أكاديمية متخصصة فى دراسات التاريخ الإسلامي... (وفق ما هو مفصل في أدبيات الرابطة).

 الكتب الإرشادية:

قامت الرابطة بإعداد مشروع ضخم لتأليف مؤلفات إرشادية تتناول العلوم الشرعية والاجتماعية والإنسانية بشكل عام، بحيث تكون هذه الكتب مؤلفات إرشادية نبراسًا يهتدي به الأساتذة والطلاب على حد سواء، وطبعت الرابطة كتابا يسمى مشروع الكتب الإرشادية يضم بين دفته مشروعا كبيرا لتأليف نحو ثمانين مقررا في شتى فروع المعرفة، وفق الفلسفات ومفردات المناهج التي وضعها كبار المتخصصين كل في مجال تخصصه..

والكتب الإرشادية هى كتب جامعية تحتوى على المبادئ الأساسية للدراسات الإسلامية وقد وضعت لجان الرابطة الضوابط التى يجب أن يسترشد بها المؤلفون عند وضع هذه الكتب، ويسرنا أن نشير إلى بعض هذه الضوابط، فيما يتعلق بالدراسات الإسلامية، على النحو التالي:

أولاً: عدم الاقتصار على المراجع الخاصة بمذهب واحد عند إعداد مواد الفقه والأصول بالذات، وإنما يجب الرجوع إلى كافة المذاهب، بما فى ذلك المذاهب الشيعية، وبالذات الفقه الزيدى والفقه الجعفرى والفقه الإباضي. وهذا يعنى أن يبرز المؤلف المشترك بين المذاهب، وإذا وجد خلاف فى الرأى فى جزئية، يمكن أن يشير إليها فى هامش الدراسة. وتستهدف الرابطة معالجة القوانين الوضعية الحديثة لبعض القضايا، وإظهار مدى اتفاقها مع الفقه الإسلامى الغالب.

       إن عصر الرجوع إلى مذهب فقهى واحد قد انتهي، وقد برعت المذاهب الشيعية فى الوصول إلى حلول لمشكلات عديدة تواجه الأمة فى الوقت الحاضر، وأدخلت حلول المذاهب السنية فيها.

ثانياً: الاهتمام بالواقع الذى تدعى النصوص لتنطبق عليه، وكيف أن هذا الواقع يختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى آخر. ولقد تعامل الفقه الإسلامى بمختلف مذاهبه تعاملاً جيداً مع هذه القضية، مستخدمًا الرخص الشرعية والقواعد الفقهية الشرعية؛ للوصول إلى حلول تتفق مع مقاصد الشريعة، وتحقيق العدل فى كافة الحلول.

ثالثاً: الاهتمام بالفقه المتجدد، الذى تعبر عنه الفتاوى الجماعية التى تصدر من مجامع الفقه الإسلامي، سواء منها المتصل بمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو بالأزهر الشريف، أو برابطة العالم الإسلامي، أو غيرها من الهيئات. كذلك يجب إيلاء الفتاوى أهمية كبيرة، ونقل كل ذلك إلى كتب الدراسة، حيث إن ذلك سيحقق هدفين:

1- الاقتراب من المشكلات، ومعرفة ما يعانيه الناس فى حياتهم، والأعراف التى يسيرون عليها، مع مراعاة عدم مخالفة أية قاعدة أو مبدأ محكم، فإن الفقيه يستطيع أن يجد الحل المناسب والعادل لكل مشكلة.

2- دراسة حالات جديدة لم تسبق فى الفقه التقليدي؛ لأنها فى الغالب لم توجد وقت كتابة هذا الفقه. والأمثلة الواضحة لها متعددة مثل: قضايا معاملات البنوك، والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية، وغيرها.

رابعاً: ضرورة الرجوع إلى أحكام المحاكم، واستجلاء المشكلات والحلول التى تضمنتها، وكيفية تطبيق القاضى للنصوص، وهذه مسألة فى غاية الأهمية؛ لأن المبادئ لا تتحول إلى قواعد إلا إذا تمت بلورتها من خلال التطبيق القضائى أو التناول الواقعي؛ لذا اعتبرت أحكام المحاكم من المصادر التكميلية للقانون فى القانون الدولي، وفى القوانين الداخلية على حد سواء.

خامساً: ضرورة الاهتمام بالقضايا والمسائل الكلية، والتمييز دائماً بين المهم والأهم، وعدم الاستغراق فى الجزئيات على حساب الاهتمام بالكليات.

سادساً: ضرورة استكتاب فريق من العلماء المشهود لهم بالأمانة والقدرة والصدق، وأن يكونوا من مختلف الأقطار الإسلامية كلما أمكن ذلك.

أما فيما يتعلق بأسس وضوابط ومنطلقات التوجيه الإسلامي للعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية، فنشير إليها على النحو التالي:

     من نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟ سؤالان لابد من إثارتهما ولابد من الإجابة عنهما بوضوح.

نحن مسلمون.. ونريد أن نبقي مسلمين في تصورنا العقدي، وفي تصورنا الاجتماعي، وفي تصورنا المعرفي، وفي أخلاقنا وسلوكنا. فهل العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية لدينا تسير في هذا الاتجاه عمومًا؟

لقد تطورت العلوم التربوية والنفسية تطورًا هائلاً في الغرب، خاصة في جوانبها العلمية والفنية البحتة، ولكنها خلال تطورها الأخير تحمل النزعة الغربية العلمانية التي تباعد بين العلم والدين، وتحدث قطيعة شبه كاملة بين الأخلاق العلمية والأخلاق الدينية الإيمانية.

وقد ترجمت كثير من الكتب التي تحمل هذا التوجه في التربية وعلم النفس ونقلت إلي بلادنا، وهي تدرس الآن في معظم معاهدنا وكلياتنا التربوية، الأمر الذي يحدث كثيرًا من الصراع وعدم الاتزان النفسي لدى كثير من الطلاب والمعلمين سواء.

      إنه لا سبيل إلى علاج هذه الحالة إلا بالعودة إلى القرآن الكريم وتطبيقاته النبوية، فهما يمثلان حقا مصدرًا ثريا للتربية وعلم النفس وشتى العلوم الاجتماعية، بما يحويان من هدايات ومفاهيم وأهداف، وحقائق عن الألوهية والكون والإنسان والحياة.

وأيضًا فالمداومة على القرآن وتطبيقاته التربوية النبوية من ناحية وعلى قراءة الجديد في مجال التخصص انطلاقًا من القرآن والسنة من ناحية أخرى سوف يعطي الباحث القدرة على استخدام مفاهيم ومصطلحات تربوية ونفسية ذات مضامين قرآنية بالدرجة الأولى، كذلك ستجعله قادرًا على الاستفادة من تراثنا التربوي والنفسي وفقًا لنظرته الكلية القرآنية والنبوية، بل وستجعله قادرًا أيضًا على صياغة علومه التربوية والنفسية صياغة إسلامية جديدة، وإذا استطاع التربوي الإسلامي أن ينتج تلك العلوم التربوية والنفسية ذات الرؤية القرآنية النبوية، فإنه لن ينقذ التربويين المسلمين فقط من جحر الضب الذي وقعوا فيه، بل إنه سينقذ أيضًا العلوم الغربية من نظرتها الأحادية التي تستبعد الدين كمصدر من مصادر المعرفة والهداية، وبذلك وحده يمكن أن ينقذ المسلمون أنفسهم من الهلاك، ومن يدري لعلهم ينقذون بذلك العالم كله.

التصور الإسلامي:

ولكن مع التسليم بكل ما سبق، هل يتم الرجوع مباشرة إلى القرآن والسنة في التوجيه الإسلامي للعلوم التربوية والنفسية، أم لابد من منهجية علمية معتمدة على القرآن والسنة كمصدرين رئيسين، مع فتح الأبواب والنوافذ لكل ما يتسق معهما نصًا أو روحًا من الشرق والغرب. ولابد من إطار نظري. وللإجابة عن السؤال السابق، دارت مناقشات واسعة، واتفق في النهاية على ضرورة توافر إطار نظري يفتح آفاقًا واسعة لمزيد من البحث والتطبيق لصالح الإنسان من خلال العلوم عامة، ومن خلال العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية خاصة. على أن تتوافر في هذا الإطار مجموعة من الأمور أهمها ما يأتي:

1- أن يوفر فلسفة للعلم تؤكد أن هدف العلم إنما يتمثل في اكتشاف قوانين كلية عامة عن الكون والإنسان والحياة، وفلسفة توجب على المشتغل بالتربية وعلم النفس الجمع بين النظرية والتطبيق، أي بين كونه عالمًا، وكونه ممارسًا لتطبيقات العلم لصالح الإنسان ولإعمار الحياة.

2- أن يوفر تصورًا يؤكد على المعرفة الواقعية التي تؤكد التفاعل بين كل من الأطر النظرية والمشاهدات الواقعية.

3- أن يتوافر فيه الشروط المنهجية المميزة للنشاط العلمي، والتي تتمثل في إثارة مشكلات قابلة للحل، أو إثارة أسئلة يمكن التحقق منها في حدود القدرة الإنسانية.

4- أن يمكن من تطبيق المنهج العلمي في القيام بمشاهدات منظمة وتجارب مضبوطة لاكتشاف قوانين الله وسنته في الظواهر موضوع الدراسة، ووضع هذه القوانين موضع التطبيق في خدمة الإنسان، وفي إعمار الحياة وفق منهج الله.

5- مراعاة الآخر وظروف ثقافته، فلكل مجتمع ثقافته التي تميزه عن غيره. فالثقافة هي الأسلوب الكلي لحياة الجماعة، الذي يتسق مع تصورها العام للألوهية والكون والإنسان والحياة. والثقافة الأمريكية على سبيل المثال أيضًا هي الأسلوب الكلي لحياة المجتمع الأمريكي الذي يتسق مع التصور البراجماتي للألوهية والكون والإنسان والحياة.

والثقافة الماركسية هي "الأسلوب الكلي لحياة المجتمع الشيوعي الذي يتسق مع التصور الماركسي للألوهية والكون والإنسان والحياة".

وهكذا فإن لكل ثقافة طابعها الفريد الذي يختلف باختلاف تصورها للألوهية والكون والإنسان والحياة، وهذا أمر يجب احترامه لدى الآخرين، كما يجب احترامه في كل القضايا التربوية والنفسية التي يتم تناولها من منظور إسلامي.

لقد استقر الحوار والنقاش بين السادة أعضاء اللجنة التي ترأسها الأستاذ الدكتور محمود أحمد شوق، إلى اتخاذ التصور الإسلامي للألوهية والكون والإنسان والحياة أساسًا ومنطلقًا لتوجيه العلوم التربوية والنفسية توجيهًا إسلاميا.

ولكي نفهم  كيف توجه العلوم التربوية والنفسية والجتماعية توجيهًا إسلاميا علي أساس التصور الإسلامي، فلابد من بيان ما يأتي:

1- طبيعة التصور الإسلامي.

2- خصائص التصور الإسلامي.

3- مقومات التصور الإسلامي.

4- الاعتبارات الفكرية والإجراءات العلمية التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار أثناء العمل.

طبيعة التصور الإسلامي

لابد من فهم طبيعة التصور الإسلامي لأسباب كثيرة، من أهمها ما يلي:

أولاً: إنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود، فلابد من أن يفهم حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان وما بينهما جميعًا من علاقات وارتباطات.

ثانيا: لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان في هذا الوجود الكوني، وغاية وجوده الإنساني وحدود اختصاصاته، وعلاقاته بخالقه وخالق الكون جميعًا.

ثالثًا: إنه بناء على فهم الإنسان لذلك التفسير الشامل، وعلى فهمه لحقيقة مركزه في الوجود الكوني ولغاية وجوده الإنساني، يتحدد منهج حياته ونوع النظام الذي يحقق هذا المنهج، والفرق بينه وبين المناهج الأرضية الأخرى.

رابعًا: لابد للمسلم أن يعرف أن الإسلام إنما جاء لينشيء أمة ذات طابع خاص متفرد، وهي في الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية وتحقيق منهج الله في الأرض، وإدراك المسلم لكل هذا هو الذي يكفل له أن يكون عاملاً إيجابيا صالحًا في بناء هذه الأمة، وقائدًا وموجهًا في عملية البناء والترفيه.

وباختصار، فإنه لابد للإنسان كي يستقر على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه، وفي غاية وجوده، وفي منهج حياته، من فهم حقيقتين أساسيتين متلازمتين للحياة البشرية والنفس الإنسانية في كل حال وزمان.

الحقيقة الأولي: هي أن الإنسان بفطرته لا يملك أن يستقر في هذا الكون الهائل ذرة تائهة ضائعة، فلابد له من رباط معين بهذا الكون، يحدد له مكانه ويضمن له الاستقرار فيه، ولابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله، فهي ضرورة فطرية وشعورية.

الحقيقة الثانية: هي أن هناك تلازمًا بين طبيعة التصور الاعتقادي وبين طبيعة النظام الاجتماعي الإسلامي، فالنظام الاجتماعي هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود ولمركز الإنسان ووظيفته فيه، ولغاية الوجود الإنساني كله. وكل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس هذا التفسير، هو نظام مصطنع لا يعيش، وإذا عاش لفترة شقى به الإنسان، ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتمًا، كما حدث أخيرًا لبلاد الكتلة الشرقية، وكما يحدث لغيرها من البلدان. فالتلازم الوثيق بين طبيعة التصور الاعتقادي الإسلامي وبين النظام الاجتماعي هو إذن ضرورة تنظيمية، كما أنه ضرورة شعورية.

     وإذا كان المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يكون إسلاميًّا حقًّا إلا إذا سار هذا التصور الاعتقادي فيه كسريان الدم في شرايين الجسم والروح في الجسد، فإن هذا ينطبق بالتالي على مناهج تربية الصغار والكبار في هذا المجتمع، بل ويتحقق بواسطتها.

      إننا عندما نبني قضية التربية وعلم النفس على أساس التصور الإسلامي الذي تحدده طبيعة التصور الاعتقادي الإسلامي وطبيعة التصور الاجتماعي الإسلامي المنبثق عنه، فإننا نهدف إلى تثبيت الخصائص والمقومات التي تحدد الملامح الربانية لهذا المنهج، وتميزه عن غيره من المناهج البشرية المحيطة به، وبذلك تحافظ مناهج التربية وعلم النفس على المجتمع الإسلامي من الذوبان في المجتمعات الأخرى التي جاء هو أصلاً لهديها وقيادتها.

مفهوم التصور الإسلامي

        مما سبق يمكن القول بأن التصور الإسلامي هو: التفسير الإسلامي الشامل للوجود، الذي يتعامل الإنسان على أساسه مع هذا الوجود.

إن الإنسان باختصار لا يملك أن يعيش حياة إسلامية صحيحة دون فهم هذا التصور، والإيمان به، والعمل بمقتضاه في مجالات الحياة.

لكل ما سبق، فإنه يجدر بنا أن نعطي نبذة مختصرة عن كل مقوم من مقومات التصور الإسلامي سالفة الذكر.

 حقيقة الألوهية في التصور الإسلامي

الحقيقة الأولي والحقيقة الكبرى، والحقيقة الأساسية، والحقيقة الفاعلة، والحقيقة العميقة في التصور الإسلامي هي ...حقيقة الألوهية."فالتصور الإسلامي يبدأ من الحقيقة الإلهية التي يصدر عنها الوجود كله، ثم يسير مع هذا الوجود في كل صوره وأشكاله وكائناته وموجوداته، ويعني عناية خاصة بالإنسان -خليفة الله في الأرض- فيعطيه مساحة واسعة من الصورة، ثم يعود بالوجود كله مرة أخري إلي الحقيقة الإلهية التي صدر عنها وإليها يعود.

وهو في هذه الجولة الواسعة من الله وإليه، يشمل كل دقائق الكون، لا يغادر منها شيئًا يقع في محيطه، سواء منها ما تدركه الحواس وما لا تدركه، وما يدركه العقل بوعيه، وما تدركه الروح فيما وراء الوعي، ويشمل كل نشاط الإنسان وكل طاقاته، سواء نشاطه المادي ونشاطه الروحي، وسواء حياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وسواء عمله في الحياة الدنيا وفيما وراء هذه الحياة.

      فحقيقة الألوهية هي الحقيقة الأولى والحقيقة الكبري والحقيقة الأساسية والفاعلة. وقد قال فيها الحق -سبحانه- ما لا يملك أحد أن يقول: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(البقرة:255).

وهنا يفصل التصور الإسلامي فصلاً تامًا بين طبيعة الألوهية وبين طبيعة العبودية؛ فهما لا تتماثلان ولا تتداخلان. فإن مشيئة الله الواحد الأحد شملت كل الخلائق، وبقدر الله تقوم وتتحرك، لا شريك له في هذه الألوهية لا في حقيقتها ولا في خصائصها ولا في سلطانها: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)(الحديد:3).

 والخلاصة: أن هذا المقوم من مقومات التصور الإسلامي لابد أن ينعكس على مناهج التربية وعلم النفس على النحو التالي:

1- التأكيد على الأن الوحي هو المصدر الأول للعلم والمعرفة في التصور الإسلامي، وأن هذا المصدر يتمثل في القرآن والسنة، وليس في المذاهب أو الفرق الإسلامية.

2- التأكيد على إيضاح حقيقة الألوهية في التصور الإسلامي والفوارق بينها وبين حقيقة العبودية، ومقتضيات ذلك من الإنسان.

3- التأكيد على مفهوم التوحيد على أساس أنه جوهر العقيدة في التصور الإسلامي، وأن التوحيد قرين الحرية، وأن الشرك قرين الاستبداد والظلم.

4- التأكيد على أن الله أرسل بالإسلام رسلاً لأقوام خاصة في طفولة البشرية، وأنه سبحانه ختم بالإسلام الرسالة العالمية الشاملة، حينما بلغت الإنسانية مرحلة النضج والرشد.

5- التأكيد على أن كتاب الله -كتاب الإسلام- واحد، أوتي اليهود نصيبًا منه، وأوتي النصاري نصيبًا منه، وجاء القرآن بالكتاب كله (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(المائدة:48).

6- بيان مفهوم "الدين" في التصور الإسلامي، والتأكيد على أنه منهج شامل، ونظام للحياة.

7- التأكيد على مفهوم "العبادة" وبيان أنها تشمل النشاط الإنساني كله، طالما توجه به الإنسان إلي الله.

حقيقة الكون في التصور الإسلامي

الكون آية الله الكبرى، ومعرض قدرته المعجزة المبهرة، أراده الله فكان، وقدره تقديرًا محكمًا، وجعل كل شيء فيه خاضعًا لإرادته وتدبيره.

والكون في التصور الإسلامي غيب وشهود، وهو من خلق الله عالم الغيب والشهادة، والكون المغيب كالروح والملائكة والجن...إلخ. نحن نؤمن به إيمان تسليم بوجوده كما علمنا الله ونتكيف بذلك. وواجب الباحثين والمعلمين والمتعلمين والمناهج التربوية كلها أن يتأدبوا بأدب القرآن، وأن يقفوا عند حد ما جاء به، ولا يتركوا العقل يسبح فيه (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الإسراء:36).

أما الكون المشهود فهو كل ما نحسبه حولنا، كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبحار والأنهار، والشجر والدواب،...إلخ. وقد عرض لها الإسلام على أنها دلائل قدرة الله، وعلائم صنعه الدقيق الحكيم، ولتكون نبراسًا يهدي الناس إلى معرفة الله، وفهم منهج الله، والعيش وفقًا له.

وواجب مناهج التربية أن تتناول هذا الجانب من الكون بالدراسة والتفكير والتدبر، واكتشاف قوانين الله ونواميسه وسننه فيه، وأن تعلم الصغار والكبار كيف يتلطفون في التعامل مع هذا الكون المادي ومع البيئة المادية من حولهم ويبعدون عنها التلوث والنفايات والإشعاعات، وبذلك يستثمرون خيراتها لخدمة أنفسهم ولخدمة البشر جميعًا.

والخلاصة: أن هذا المقوم من مقومات التصور الإسلامي لابد أن ينعكس على مناهج التربية وعلم النفس على النحو التالي:

1- التأكيد على أن الكون كتاب الله المفتوح، وأنه هو المصدر الثاني من مصادر العلم والمعرفة بعد الوحي.

2- التأكيد على أن الكون مخلوق حادث، وليس أزليًّا، وأنه لم ينشأ من ذات نفسه، بل أنشأه الله بعد أن لم يكن.

3- بيان أن الطبيعة مخلوقة لله، وأنه سبحانه نظَّمها وخلق فيها قوانينها التي ينبغي أن يجدَّ الإنسان في اكتشافها، ويستغلها في عمارة الأرض وترقية الحياة.

4- التأكيد على أن الكون غيب وشهود، وأن الإيمان بالغيب هو أول صفات المتقين، وأن مكان عالم الغيب يعلمه عالم الغيب وحده.

5- التأكيد على أن الإنسان يتعامل مع مفردات عالم الغيب كما أمر الله، ويتعامل مع مفردات عالم الشهادة بالدراسة والبحث واكتشاف قوانين الله فيها وتسخيرها لإعمار الحياة.

6- التأكيد على أن النظريات العلمية وما تعارف الناس على أنه "حقائق علمية" كلاهما ليس قطعي الدلالة ولا مطلق الدلالة، بل هي احتمالات راجحة في أحسن الأحوال.

7- التأكيد على أن النصوص القرآنية قطعية الدلالة ومطلقة الدلالة، ونهائية في تقرير الحقيقة التي تقررها، ومن ثمَّ لا يجوز أن يستشهد على صدقها بالقوانين والنظريات العلمية المتصلة بالدراسات الكونية.

8- التأكيد على أن الكون مقدر ومسخر، ومخلوق بحكمة، ومخلوق لغاية، وأن كل شيء فيه محسوب بحساب دقيق ليؤدي وظيفته ويحقق الغاية من خلقه.

9- التأكيد على أن عنصر الجمال مقصود قصدًا في بناء الكون في ظواهره، وفي الحياة المبثوثة فيه، وأن إيقاظ حاسة الجمال في البشر مقصود قصدًا في المنهج القرآني وفي الثقافة الإسلامية وفي مناهج التربية.

10- التأكيد على أن الكون بمفرداته المختلفة صديق للحياة والأحياء وليس عدوًا لها، فقد أعده لاستقبال الحياة وحضانتها وفق منهج الله.

11- التأكيد على أن أقوات الأرض مقدرة فيها منذ خلقها الله، وأن فيها الكفاية إذا تم استثمار ما فيها بالعلم والعدل وفق منهج الله.

12- التأكيد على أن الكون مسلم طائع لربه، مؤمن عابد لمولاه وخالقه، وأنه كون ذو روح تعرف ربها الحق، فتستسلم له طائعة، وتسجد له خاشعة، وتسبح له عابدة، وتغار على جلاله، وتنتفض لمهابته، وتغضب للشرك به من البشر الجهال.

حقيقة الإنسان في التصور الإسلامي

الإنسان عبد الله وسيد الكون، وهو مخلوق من طين الأرض، وفيه نفخة علوية من روح الله، فالإنسان هو هذان العنصران المختلفان، مترابطان ممتزجان في كيان واحد كلي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ )(الحجر:28-29).

وهو كائن من كائنات الملأ الأعلى، لأن إنسانيته لم تتكون ولم تتشكل إلا بعد نفخ الله فيه من روحه، فقد نشأ في الملأ الأعلى ثم هبط على الأرض اختيارًا ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(طه:123-124).

وقد عقدت له الخلافة في الأرض ليعمرها ويرقيها وفق منهج الله (إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) ( البقرة:30).

وهو معان من الله على القيام بحق الخلافة، فالكون كله مسخر له: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية:13).

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ)(لقمان:20).

وهو أكرم خلق الله علي الله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(الإسراء:70).

ولأن الإنسان كريم على الله، ومعقودة له خلافة الأرض، فهو محسوب حسابه في تصميم الكون قبل أن يكون: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(النحل:15).

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(الحج:65).

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة:164).

(إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(الأنعام:95-97).

والإنسان -كما أسلفنا- يكون في أرفع مقاماته، وفي خير حالاته، حين يحقق مقام العبودية لله، إذ إنه في هذه الحالة- يكون أقوم حالات فطرته، وأحسن حالات كماله، وأصدق حالات وجوده.

والبشر جميعًا من أصل واحد: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)(النساء:1).

ولقد خلق الله البشر أمما وقبائل وشعوبًا ليتعارفوا، ويتعاونوا، لا ليتنافروا ويتناحروا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات:13).

والخلاصة: أن هذا المقوم من مقومات التصور الإسلامي لابد أن ينعكس على مناهج التربية وعلم النفس علي النحو التالي:

1- التأكيد على عرض النفس البشرية على أنها حقيقة كونية، وليست مذهبًا فلسفيا أو تصورًا تختلف فيه المذاهب.

2- التأكيد على أنه لا يمكن إدراك حقيقة الإنسان إدراكًا واضحًا إلا إذا أدركنا مصدره ووظيفته الأساسية، ومركزه في الكون، وغاية وجوده الإنساني.

3- النظر إلي الإنسان علي أنه مخلوق خاص، ذو كيان متميز، مستخلف في الأرض، ومجهز للنهوض بوظيفة الخلافة علي عهد الله وشرطه.

4-التأكيد علي أن الإنسان كائن كريم علي الله، ذو مركز عظيم في تصميم الوجود، وهو أكرم من كل ما هو مادي؛ لأن كل ما هو مادي مخلوق له.

5- التأكيد على أن الإنسان كائن يتعامل مع الكون كله، فهو يتعامل مع ربه، ومع الملأ الأعلى من الملائكة ومن الجن والشياطين، ومع نفسه، ومع سائر الأحياء الكونية، وهو مجهز بوسائل التعامل مع كل هذا.

6- التأكيد على أن الإنسان مستعد -حسب تكوينه الذاتي- لأن يرتفع إلى أرقى من آفاق الملائكة المقربين، كما أنه مستعد لأن ينحط إلى أدنى من دركات الحيوان البهيم.

7- النظر إلي الإنسان على أنه مصمم على قاعدة الزوجية التي هي خاصية كونية وحيوية، وعلى قاعدة التكامل بين الزوجين لا التماثل، وهي أيضًا خاصية كونية وحيوية.

8-التأكيد على أن آصرة التجمع الرئيسية بين أفراد هذا الكائن هي "العقيدة"؛ ذلك أنها العنصر المتعلق بالعنصر الفريد في الإنسان، والذي صار به إنسانًا صاحب إرادة واختيار.

9- التأكيد علي الأخوة الإنسانية في حس المسلم وشعوره فيما يتعلق بالمشاعر والمعاملة الشخصية، والعدل والقسط والبر ببني آدم جميعًا، بل بالأحياء جميعًا.

10- التأكيد على العلاقة بين نشاط الإنسان في الدنيا ومصيره في الآخرة، فالثواب في الآخرة موقوف على إحسان القيام بواجبات الخلافة في الدنيا.

11- التأكيد علي تنمية الحياة الدنيا وترقيتها عن طريق كشف النواميس والأرزاق والمدخرات في الأرض، وتوزيعها بالعدل الذي قرره الله لعبادة وهي جواز المرور إلى رضوان الله والجنة.

12- التأكيد على أن الله قد كرم الإنسان بجعله مُخيَّرًا في شطر من حياته، وجعله مُسيًّرًا في شطر آخر، وأن الإنسان لا يحسن القيام بالخلافة في الأرض إلا حين يتناسق شطره الاختياري وشطره الإجباري، فيخضعان معًا لمنهج الله الذي يحكم الكون.

13- التأكيد على أن الفطرة الإنسانية مؤمنة، وأن الإيمان حاجة فطرية، كما أنه حاجة عقلية لا يملك الإنسان أن يستغنى عنها؛ لأنها مركوزه في كينونته، وهو مفطور عليها.

14- التأكيد على أن أفراد الجنس الإنساني متساوون في عبوديتهم لله، والمؤمنون بالله منهم هم الذين يرضاهم الله بين عباده، وأقربهم إليه وأعلاهم مكانًا، أتقاهم.

15- التأكيد على أن الإنسان ذو فاعلية إيجابية في مصيره كله -في إطار المشيئة الإلهية- فاعلية في نفسه، وفيما حوله ومن حوله، وفاعلية في حاضره ومستقبله.

16- التأكيد على أن المؤمن يستطيع أن يرتقي في الحياة الدنيا حتى يصبح قدرًا من قدر الله، يحقق مشيئة الله من خلال حركته الذاتية في نفسه وفيمن حوله وفيما حوله.

17- التأكيد على أن الإنسان يكون في خير حالاته وأقومها حينما يكون في سلام مع الله، ويكون في أسوأ حالاته حين ينحرف عن محوره الفطري ومداره الكوني، حيث يفسد وتفسد حياته، وينشر الفساد في كل ما يحيط به .

18- التأكيد على أن بشرية الرسل تكريم للجنس البشري كله، وأنهم جميعًا جاءوا برسالة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

19- التأكيد على أن سنة الله التي لا تتخلف هي التمكين في الأرض لأوليائه المستقيمين على منهجه، والتدمير على أعدائه المخالفين عن سنته، وتعتبر هذه السنة قاعدة أساسية من قواعد التفسير الإسلامي للتاريخ.

20- التأكيد على أنه إذا كانت المبادئ والأسس ثابتة، فإن الإسلام يسمح باختلاف النماذج والأنماط للطبائع الإنسانية في إطاره، كذلك يسمح باختلاف الوسائل وأنماط الحركة في خط سيره، وفي أشكال الأوضاع الاجتماعية للحياة في إطار المباديء والثوابت.

21- التأكيد علي أنه لا توجد خطيئة موروثة، وإنما هناك تبعة فردية ومعصية وتوبة بابها مفتوح على الدوام.

22- التأكيد على أن الغرائز عامة يشترك فيها الناس جميعًا، وهي تعمل كدوافع فطرية لا تكتسب، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها.

23- التأكيد على أن ضبط الدوافع عملية نفسية وعقلية إرادية وليس مجرد عملية بيولوجية أو شعورية أو غير شعورية.

24- التأكيد على أن إشباع الحاجات النفسية، جسمية ووجدانية ليس غاية في ذاته، بل لإمداد الإنسان بالمنعة والقوة اللتين تحققان له التوازن وتعينانه علي القيام بواجبات إعمار الأرض وترقية الحياة.

25- التأكيد علي ضرورة إعداد المناهج التعليمية المناسبة لمراحل النمو والنضج ولحاجات المتعلمين.

حقيقة الحياة في التصور الإسلامي

الحياة -في التصور الإسلامي- ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد، وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس، كما إنها ليست هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا.

إن الحياة في التصور الإسلامي تمتد في الزمان، وتمتد عرضًا في الآفاق، وتمتد عمقًا في العوالم، وتمتد تنوعًا في الحقيقة لتشمل الحياة الدنيا بكل أبعادها، والحياة الآخرة اللانهائية في آفاقها.

إن الحياة -في التصور الإسلامي- تمتد في الزمان فتشمل فترة الحياة الدنيا المحدودة، وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلا الله، وتمتد في المكان فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر دارًا أخرى: جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، ونارًا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين السنين. قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(العنكبوت:64).

وتمتد في العوالم، فتشمل هذا الوجود المشهود إلي وجود مغيب لا يعلم حقيقته كلها إلا الله، ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله. وجود يبدأ من لحظة الموت، وينتهي في الدار الآخرة. وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله، وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله.

وتمتد الحياة في حقيقتها، فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا، إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى، في الجنة وفي النار سواء، وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا، ولا تساوي الحياة الدنيا -بالقياس إليها- جناح بعوضة.

     والخلاصة: أن هذا المقوم من مقومات التصور الإسلامي لابد أن ينعكس على مناهج التربية وعلم النفس على النحو التالي:

1- التأكيد على أن الحياة ليست إلهًا! وليست قوة مدبرة في ذاتها تنشأ وتنشيء وفق إرادتها المستقلة، وأنها ليست تلقائية وجدت مصادفة، وتمضي خبط عشواء! إنما هي خليقة أنشأها الله بقدر، وتمضي كذلك وفق قدر، وهي مودعة خصائصها الذاتية التي تفرقها عن الموات.

2- التأكيد على أن الطبيعة ليست إلهًا، وليست هي التي خلقت الحياة، كما أنها ليست هي التي خلقت نفسها، إنما هو الله الذي خلقها، وجعلها مناسبة لظهور الحياة، وهيأ الأرض لهذا النوع من الحياة التي تنشأ فيها، وجعل التناسق بين الطبيعة والحياة وبين الأحياء وبعضها البعض، هو الأصل والقاعدة، وأودع في الأرض أقواتها وأرزاقها وجعل الكون كله مسخرًا ومساعدًا.

3- التأكيد على أن الحياة ناشئة بإرادة الله من أصل واحد هو الماء: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)(الأنبياء:30)، (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(النور:45).

4- التأكيد على حقيقة أن الحياة مقدرة أقواتها في بنية الأرض، وفي نظام الكون، وهي حقيقة واقعة تكذّب كل ادعاء آخر، وتسخر من نظريات المتشائمين والداعين إلي تحديد النسل.

5- التأكيد على أن كل ما يدب على وجه الأرض من أحياء ذات تنظيمات كأمة الإنسان، وعلى أن الله هو الذي أودع هذه الأمم فطرتها وضوابطها، وأن الإنسان هو قمة هذه المخلوقات وأنها مسخرة له.

6- التأكيد على أن الحياة كما إنها تقوم على قاعدة النشأة  من الماء وعلى قاعدة الأمم المنظمة، فهي تقوم كذلك علي قاعدة الزوجية، التي تشمل الأحياء والأشياء: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الذاريات:49).

7- التأكيد علي أن الأحياء مكفولون برزق الله: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)(هود:6). خاضعون لسلطان الله: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(هود:56).

8- التأكيد علي أن الأحياء كلهم في عبادة: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)(النحل:49).

9- التأكيد على أن هناك عوالم أخرى من الأحياء غير مرئية، وهي عوالم أخبرنا الله بوجودها وهي الملائكة والجن، ومن الجن الشياطين، وإبليس على رأس الشياطين، والإنسان يتعامل مع هذه المخلوقات ويتأثر بها في الدنيا والآخرة.

10-  التأكيد على بيان مقومات النظام السياسي في التصور الإسلامي، مع الاهتمام خاصة بالشورى والعدل وحرية الاختيار وإصدار القرار.

11- التأكيد علي مقومات النظام الاقتصادي في التصور الإسلامي، مع إبراز أهمية العلاقات بين الفرد والمجتمع، والرجل والمرأة، وعلاقات العمل والإنتاج القائمة علي التكامل والإحسان في العمل.

13- التأكيد على بيان مقومات النظام الثقافي والتربوي في التصور الإسلامي، ومقتضياتها في بناء النظم والمؤسسات الثقافية والتربوية في المجتمع.

14- التأكيد على الموجهات الإسلامية للفنون والآداب ومقتضياتها في الإنتاج والنشر للفنون والآداب والعلوم عمومًا.

15- التأكيد على القيم والمفاهيم الإسلامية للإعلام والإعلان في التصور الإسلامي ومتطلباتها في الإنتاج الإعلامي والإعلاني في كل ما يذاع وينشر علي الناس.

16- التأكيد على أهمية وحدة أبناء الأمة على أساس أنها ضرورة لنصرة دين الله وإعلاء كلمة الحق ونصرة المقهورين والمستضعفين حيثما وجدوا.

17- التأكيد على أن الجهاد الذي يبدأ بالنفس وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة من أهم ضرورات الحياة القويمة.

خصائص المنهج الإسلامي

قلنا إن الدين الإسلامي منهج ونظام لحكم الحياة، ومن أهم خصائص هذا المنهج أنه رباني المصدر والغاية، وأنه يقوم على التوحيد، وأنه عالمي وشامل، وثابت، ومتوازن، وأنه دين إيجابي وواقعي، وسنلقي الضوء على هذه الخصائص فيما يلي:

الربانية

إن أولى خصائص المنهج الإسلامي أنه منهج رباني صادر من الله للإنسان، وليس من صنع الإنسان، وعمل الإنسان فيه هو تلقيه، وإدراكه، والتكيف به، وتطبيق مقتضياته في واقع الحياة البشرية، وتحكيمه في كل ما حوله من قيم ومعارف وأوضاع وسلوكيات، دون زيادة عليه من خارجه، ودون نقص كذلك منه.

التوحيد

التوحيد هوم المقوّم الأول، والحقيقة الأساس في العقيدة الإسلامية، فالتوحيد هو الخاصية البارزة في كل دين جاء به من عند الله رسول. والإسلام هو الدين الذي جاء به كل رسول. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)(الأنبياء:25).

لكن التحريفات والانحرافات التي وقعت في تصورات أتباع الرسل لم تبق في الأرض من تصور ديني صحيح إلا التصور الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد حفظ الله أصوله، فلم تمتد إليها يد التحريف، ولم تطمسها الجاهليات التي طغت على حياة الناس، ومن ثم أصبح التوحيد خاصية من خصائص العقيدة الإسلامية فقط.

العالمية

من خصائص العقيدة الإسلامية العالمية، فالإسلام عقيدة وشريعة، ولما كانت العقيدة الإسلامية ربانية المصدر والغاية وإنسانية الطبع، وخاتمة الشرائع السماوية، فهي عالمية، ومعنى عالمية العقيدة الإسلامية أنها دعوة لجميع البشر، دعوة ليست عنصرية ولا قومية ولا محددة بحدود جغرافية أو إقليمية أو وقتية.

إن رسالة الإسلام النهائية الخاتمة التي تمثلت في رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)، ليست رسالة للعرب فقط، ولا لجنس دون غيره من أجناس البشر، فإذا كانت الصورة التي نزل بها الإسلام على موسى -عليه السلام- خاصة ببني إسرائيل، وإذا كانت الصورة التي نزل بها الإسلام على عيسى -عليه السلام- كانت لهداية الخراف الضالة من بني إسرائيل، فإن الإسلام في الصورة الخاتمة التي نزل بها القرآن الكريم، وشرحت في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إنما جاءت لهداية البشر جميعًا في كل زمان وفي كل مكان.

فالقرآن هو آيات الله وكلماته للإنسانية جمعاء: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)(الأنبياء:108).

الثبــات

بما أن النظام الإسلامي نظام رباني، قائم على التوحيد، ووظيفة كل إنسان فيه هي التلقي، والاستجابة والتكيف في واقع الحياة، وبما أنه ليس نتاج فكر بشري، وأنه هدية من خالق الإنسان للإنسان، بما أنه كل ذلك، فهو يتميز بأنه نظام يقوم على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت.

فهناك ثبات في مقومات النظام الإسلامي الأساسية، وقيمه الذاتية، فهذه المقومات والقيم لا تتغير بتغير ظواهر الحياة الواقعية وأشكالها العلمية، وهذه الخاصية هي طابع الصنعة الإلهية في الكون كله، فالحياة الإنسانية كجزء من الكون فيها جوانب ثابتة ولا ينبغي أن تتغير، كأصول العقيدة، وأصول الحكم والقانون، وأصول العلم والمعرفة، وأصول الأخلاق والسلوك، فإذا تغيرت اختلت الحياة وسادها الاضطراب، وفيها جوانب متغيرة لا ينبغي أن تبقى جامدة، لأنها إذا تجمدت وبقيت على حالها تجمدت الحياة وتوقفت عن النمو، فالأوضاع والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية عمومًا لابد أن تتغير على الدوام بحكم فاعلية الإنسان في الأرض، واستخلاف الله له فيها، وبحكم تفاعل عقله الدائم مع الكون المادي وما ينتج عن ذلك من تغير في الأوضاع الاقتصادية والسياسية والتربوية..إلخ.

الشمول

خاصية الشمول نابعة من الخاصية الأولى لهذه العقيدة، وهي أنها عقيدة ربانية من صنع الله وليست من صنع البشر، فالشمول هو طابع الصنعة الإلهية، ويتمثل الشمول في كل شيء في هذا الوجود إلي الله، وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته علي كل شيء، قال تعالي: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)(القمر:49)

وقال تعالي: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(النحل:40).

وقال تعالي: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)(الأعراف:54).

التوازن

ترتبط خاصية التوازن في العقيدة الإسلامية مع خاصية الشمول، فالنظام الإسلامي هو نظام شامل وهو شمول متوازن.

وللتوازن عدة صور:

1- هناك التوازن بين ما يدركه الإنسان، فيسلم به، وينتهي عمله فيه عند التسليم، وبين ما يتلقاه فيدركه، ويبحث عن علله وبراهينه وغاياته، ويفكر في مقتضياته العملية، وتطبيقاته في الحياة الواقعية.

2- وهناك التوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة. وهي القضية المشهورة باسم قضية "القضاء والقدر" أو "التسيير والتخيير".

3- وهناك التوازن بين طـــلاقة المشيئة الإلهيــة وثبات السنن الكونيــة (قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)(آل عمران:40).

4- وهناك التوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون، فالإسلام يفصل فصلاً قاطعًا بين حقيقة الألوهية ومقامها وخصائصها، وبين حقيقة العبودية ومقامها وخصائصها؛ بحيث لا يكون هناك ضباب ولا تحدث شبهة.

5- وهناك التوازن بين مصادر المعرفة، بين التلقي من الوحي والنص، والتلقي من الكون والحياة. فالمنهج الإسلامي لم يتخذ الوحي وحده مصدرًا للمعرفة، ولم  يتخذ العقل وحده مصدرً للمعرفة، ولم يتخذ الطبيعة وحدها مصدرًا للمعرفة، بل أخذ الإسلام من جميع المصادر ووازن بينها، وأعطى كلاً منها ما يستحق من الدرجة والاعتبار، لكن مع فارق أساس هو أن المعرفة التي يتلقاها الإنسان بمداركه من هذا الكون قابلة للصواب والخطأ؛ لأنها من إدراك الإنسان وعمله، أما ما يتلقاه الإنسان من الوحي فهو اليقين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الواقعية

المنهج أو النظام الإسلامي منهج واقعي، أي قابل للتحقيق في عالم الواقع، وهو منهج يتعامل مع الحقائق والموضوعات ذات الوجود الحقيقي المؤكد، والأثر الواقعي الإيجابي.

فالمنهج الإسلامي يتعامل مع إله موجود يدل خلقه على وجوده، وهو إله مريد فعَّال لما يريد، تدل حركة هذا الكون وما يجري فيه على إرادته وقدرته. وهذا ما يفصله القرآن الكريم:

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ. يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ. وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ. وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الروم:17-27)  وبمثل هذا الواقعية  يواجه المنهج الإسلامي الكون، فهو يتعامل مع الكون الواقعي المتمثل في أجرام وأبعاد وأحكام وأوضاع وحركات وآثار وقوي وطاقات (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ)(يونس:5-6).

كذلك يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان. هذا الإنسان الواقعي من لحم ودم وأعصاب وعقل وروح ومشاعر.. الإنسان ذي النوازع والأشواق، والرغائب والضرورات، الإنسان الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، الإنسان الذي يحب ويكره ويرجو ويخاف، ويؤمن ويكفر، ويعمر الأرض أو يفسد فيها... إلى آخر سمات الإنسان الواقعي.

وهو يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته وفضائله ورذائله، وقوته وضعفه، وهو في كل هذا لا يحقر دوره في الأرض ولا يستقذر دوافع فطرته، كما لا يرفع الإنسان إلى مقام الألوهية ولا يتصوره ملكًا نورانيا.

بهذا المفهوم الشامل المتكامل للمنهج الإسلامي وخصائصه، لا نقول إنه منهج قابل للتطبيق، بل نقول: إنه منهج قد طبق بالفعل على مدى قرون طويلة، تربت في ظله أجيال عديدة، وأخرج للإنسانية أمة بالفعل، وصفها الله بقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)(آل عمران:110).

اعتبارات فكرية وإجراءات عملية ضرورية

مما سبق يتضح أن هناك اعتبارات فكرية وإجراءات عملية لابد من مراعاتها في التأصيل الإسلامي للعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية، على النحو الآتي:

أولاً: تأسيس القضايا التربوية النفسية والاجتماعية على أساس التصور الإسلامي للألوهية، والكون والحياة.

ثانيا: تحكيم مقاصد الشريعة الخمسة وهي الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال، في كل ما نفكر فيه أو نكتبه أو نمارسه عمليًّا وتطبيقيًّا، ذلك أن مراد الله من خلقه ومقاصده في ذلك هو العبادة والعمارة، وعلى اعتبار أن هذه المقاصد تمثل المصلحة التي رعاها الشرع، وهي المقصود والأهم لإعمار الحياة.

ثالثًا: اعتبار التمسك بالتصور الإسلامي ليس صورة من صور العون والإنقاذ للأمة العربية والإسلامية وحدها، بل إنه يمكن أن يسهم في إنقاذ البشرية ذاتها مما يمكن أن تتردى فيه من مهاو، نتيجة تسلط الأهواء والأطماع على عقول البعض وقلوبهم مما يشيع العنف والظلم والاستبداد بين الأمم والشعوب.

رابعًا: استخلاص المصطلحات العلمية وإحياء الملائم منها ومتابعة حياة ما يصلح أو ما يمكن أن يقاس عليه، آخذين في الاعتبار أن المفاهيم والمصطلحات العلمية ليست مجرد أبنية لغوية من كلمات وحروف تحكم العلاقة بينها قواعد النحو والصرف، ولكنها كذلك مشبعة بسياقات ثقافية وتصورات فكرية متسقة مع إطارها الثقافي المرجعي، ومن هنا يصبح من المفضل استخدام المفاهيم والمصطلحات التي تعكس بنية الثقافة العربية الإسلامية بغير انفعال ولا انغلاق.

خامسًا: التمحور حول منظومة القيم والأخلاق المستمدة من أصول العقيدة والشريعة وأصول القانون والنظام الشرعي، وأصول العلم والمعرفة، وأصول الأخلاق والسلوك، فمن شأن ذلك أن يصون السلوك الإنسان من التردي والانحراف إلى حد كبير.

سادسًا: بذل الجهد في العكوف على الموروث الثقافي والحضاري للأمة في مجالات التربية وعلم النفس خاصة، وفي مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة. ولقد تصور البعض أن القطعية مع هذا الموروث الحضاري ضروري للتجديد والتطوير، مع أن العكس هو الصحيح، فحياة الأمم والشعوب حلقات متصلة ومتطورة من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، ولا يعني الاهتمام بالتراث إعادة تكراره كما كان، فذلك مستحيل، كما لا يعني أن نصير كالرومانسيين الذي يريدون العيش في الماضي بأثر رجعي، وإنما المعني المقصود أن نقف من التراث موقف الانتقاء والنقد والتحلي والمقارنة وأخذ ما يفيد وترك ما لا يفيد، مستهدين في ذلك بأصول التصور الإسلامي للألوهية والكون والإنسان والحياة.

سابعًا: إن استخلاف الله للإنسان في الأرض يدحض الادعاء بأن التوجيه الإسلامي للعلوم من شأنه أن يصرف عن الإنسان هموم العيش وقضايا المجتمع ومشكلاته، ذلك أن فريضة الإعمار المكلف بها الإنسان لا تعني إعمارًا ماديا فحسب، وإنما تعني الإعمار بمعناه الشامل الذي يشمل الإنسان والمجتمع والبيئة وكل مجالات الحياة، الأمر الذي يوجب الانشغال بقضايا المجتمع ومشكلاته سعيا نحو مواجهتها وحلها بما يحقق مقاصد الشريعة ومصالح الأمة.

ثامنًا: إنه لا تعارض على الإطلاق بين الالتزام بأصول التصور الإسلامي وبين الحفاظ على الأصول العلمية والقواعد المنهجية لكل العلوم عامة، وللعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية على وجه الخصوص. فالالتزام بالقواعد العلمية والأصول المنهجية في عرض القضايا التربوية والنفسية هو ضرورة إسلامية وعلمية في آن واحد.

تاسعًا: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، لا يبالي من أي وعاء خرجت، والترجمة العملية لهذا أن نسعى بأقصى قدر ممكن لأن نستقرأ ما أنتجه الآخرون في صنوف العلوم التربوية والنفسية؛ للاستفادة بما توصلوا إليه، الأمر الذي يدفع العلوم التربوية والنفسية نحو النمو والتطور والرقي.

عاشرًا: أن التربية في هذا التصور هي قاطرة التقدم نحو التنمية الإنسانية الشاملة، وهذا يعني أن التربية ليست مجرد مرآة عاكسة لواقع المجتمع بحلوه ومره، وإنما هي قائدة ورائدة للتغير الاجتماعي في مرقاه الصاعد في إعمار الأرض وفق منهج الله.

 موجهات عامة لتأليف الكتب الإرشادية:

1- مراعاة الأسس العامة والمنهجية السابقة التي اعتمدتها الرابطة.

2- لابد عند تناول كل موضوع النظر بعين الاعتبار إلى عقيدة الأمة وواقع تعليمها ومستقبلها، بحيث تكون هناك وفرة ملحوظة في الأمثلة المستشهد بها، وفي المقترحات العملية التي يتوصل إليها سعيًا إلى النهوض بجوانب حياة الإنسان في هذه الأمة.

3- يتراوح عدد صفحات الكتاب بين 300 و350 صفحة، وتجمع كل وحدة بين حداثة المحتوى والمراجعة الإسلامية.

4- تشتمل كل وحدة على التعريف بالمفاهيم الأساسية الواردة بها، وكذلك التقويم والأنشطة المقترحة لكل موضوع.

5- تشتمل كل وحدة على القراءات الإضافية، والمراجع الأساسية التي يوصى بقراءتها لمزيد من الاطلاع والاستفادة، وموضوعات مقالات مختصرة يكلف بها الطلاب.

وقد صدر من سلسلة الكتب الإرشادية حتى الآن:

-       مقدمة في علم الأصول

-       القانون الدولي الإنساني

-       القانون الدولي لحقوق الإنسان

-       الأدلة الشرعية

وتأمل الرابطة أن تساعدها الجامعات الأعضاء في إنجاز هذا المشروع الضخم، إما بالتأليف أو بتقديم الدعم الأدبي والمالي لإنجاز هذا المشروع المهم..

قضية الارتقاء بالتعليم الجامعي وبرامج الجودة والاعتماد:

 يعد التعليم في كل الأمم هو المسؤول الأول عن تحقيق التنمية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والإنساني بشكل عام، وقد اعتبر في الكثير من بلدان العالم المتقدمة مشروعا قوميا على رأس أولوياتها؛ لأنه من أهم العوامل المسؤولة عن الأمن الاجتماعي والقومي بشكل عام، وهو المسؤول عن بناء الإنسان المنجز المنتج المنتمي لبلده، والقادر على استيعاب متغيرات عصره، والتعامل الإيجابي معها، وتوظيفها لخدمة بلده وخدمة أمته وخدمة الإنسانية بشكل عام، وقد صدرت مجموعة من المواثيق المهمة حول جودة التعليم العالي في بعض دول العالم مثل (ميثاق العهد الأعظم للتعليم الجامعي) الصادر بجامعة بولونيا الإيطالية، وهناك جهود ودراسات جادة حول نفس القضية صادرة عن جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية، وعن وزارات التعليم العالي في الدول العربية والإسلامية، كذلك فقد طرحت رابطة الجامعات الإسلامية وثيقة لنهضة الأمة الإسلامية من خلال تطوير منهج ومفردات العلوم الشرعية ومنظومة العلوم الإنسانية والاجتماعية التي يتم تدريسها بالجامعات الأعضاء، وهناك جهود أخرى كثيرة بعضها ذات طابع عالمي، وبعضها ذات طابع إقليمي أو محلى، قامت بها هيئات ومنظمات مهتمة بقضايا تطوير وتجويد مدخلات ومخرجات التعليم العالي أو الجامعي.

وتعمل الرابطة على الاستفادة من الخبرات الدولية الناجحة في مجال النهوض بالتعليم حصوصا الجامعي والعالي.. وفي هذا الصدد تعمل الرابطة على تجميع هذه الوثائق وتحليلها والاستفادة منها وتفعيلها على المستوى التطبيقي، من خلال طرح آليات يمكن من خلالها الاستفادة منها في جامعاتنا..

وقد أكد تقرير اللجنة الدولية  للتربية في القرن الحادي والعشرين (1998) على أن أحد سبل مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين يكمن في أن يبنى التعليم، ذلك الكنـز الكامن في أعماق كل منا، على الدعائم الأربع التالية: تعلم الفرد ليكون، بحيث تنمو شخصيته المتكاملة من مختلف جوانبها ويصبح قادراً على التصرف باستقلالية والحكم الصائب على الأمور وتحمل المسؤولية. وتعلمه للمعرفة، بحيث يجمع بين ثقافة واسعة بدرجة كافية، وإمكانية البحث المعمق في عدد من المواد، وأن يتعلم كذلك كيف يتعلم ليتمكن من الاستفادة من الفرص التي تتيحها التربية مدى الحياة. وتعلمه للعمل، ليس للحصول على تأهيل مهني فحسب، بل لاكتساب كفاءة تؤهله لمواجهة مواقف مختلفة كلما دعت الحاجة. وتعلمه للعيش مع الآخرين، وذلك بفهمهم وتحقيق مشروعات مشتركة معهم في ظل احترام التعددية والتفاهم...

إن تجويد التعليم الجامعي ودراسة الآليات والأساليب الكفيلة بالاستفادة من خلال دراسة الوثائق العالمية المهمة وتطبيقها في جامعاتنا المختلفة، وعمل "دراسات حالة" لبعض التجارب الناجحة في جامعات العالم الإسلامي، ودراسة إمكانية الاستفادة منها في باقي الجامعات.. من صميم عمل الرابطة..

وتتحرك الرابطة في هذا المضمار بعقد لقاءات موسعة بهدف تجويد التعليم الإسلامي مع ضيوف الرابطة من جامعة دار السلام كونتور الإسلامية بإندونيسيا، وشتى الجامعات الشرقية والإسلامية، وبعض الجامعات الغربية، لتبادل الرؤى والأفكار التي من شأنها الاستفادة من الخبرات الرائدة في هذا المجال... وأيضا مع المنظمات الدولية المعنية..

وتعمل الرابطة بإمكاناتها على المضي قدما في تأليف الكتب الإرشادية  من أجل نشرها في شتى الجامعات...

التعليم الإسلامي في الغرب

يمثل التعليم الإسلامي في الغرب علامة فارقة في مستقبل المسلمين هناك، وتشارك رابطة الجامعات الإسلامية في دعم عدد من المعاهد والجامعات في الغرب والشرق، منها: معهد ابن سينا للدراسات الإنسانية بمدينة ليل بشمال فرنسا وذلك بالتخطيط لبرنامجه التعليمي للدراسات الإسلامية باللغة الفرنسية, وبالمقررات المعتمدة في التعليم الإسلامي على غرار شعبة الدراسات الإسلامية بقسم اللغة الفرنسية بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر.  وقد حصل المعهد بناء على ذلك، الإقرار الرسمي من الدولة الفرنسية. كما تشرف على جودة التعليم به لتؤهله لمستقبل يوازي مؤسسات التعليم العالي بالاتحاد الأوروبي.

وتشارك الرابطة في المؤتمر العلمي الذي نظمه معهد ابن سينا للدراسات الإسلامية بالتعاون مع المؤتمر الإسلامي الأوروبي والجامعات الهولندية والبلجيكية لدراسة تحديات التعليم الإسلامي في أوروبا، وتسليط الضوء على واقع التعليم الإسلامي بكل أنواعه ومراحله ودراسة مشكلاته وتقديم الحلول المستقبلية لها، وسبل تحديث البرامج والمناهج التعليمية مما يجعلها تهدف إلى التوفيق بين مستحقات المواطنة الأوروبية والمرجعية الإسلامية، وتطوير مشاريع التنسيق بين المؤسسات التعليمية داخل القطر الواحد من جهة، وبين دول القارة الأوروبية من جهة أخرى، والمساهمة العلمية في تنقية المناهج الدراسية في الغرب من الصورة النمطية المشوهة للإسلام والمسلمين، والتعاون مع المؤسسات التربوية الغربية المعنية بتأسيس ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.

وقدمت الرابطة للمؤسسات الإسلامية في أوروبا دراسات تطوير التعليم للاستفادة بها في تطوير الدراسات الإسلامية من تفسير وعلوم القرآن والسنة النبوية المطهرة. إلخ في الغرب، والاستفادة من نوعية ومواصفات هذه الدراسات، والمعايير المتصلة بالخريج مثل نوعية ومواصفات الخريج وما هو المتوقع منه ونوعية المواد الأساس التي يجب أن يتعلمها الدارس.

كما قامت بأنشطة مماثلة مع المعهد السويدي بالأسكندرية، الجامعة الحرة بأمستردام بهولندا والمجلس الإسلامي الأوروبي للإفتاء وبعض المؤسسات المهمة في بلجيكا والدانمارك وإيطاليا، وعقدت الكثير من اللقاءات بشأن تطوير الدراسات الإسلامية في الدول الأوروبية، وعرضنا لذلك كله بالتفصيل في تقرير لجنة الندوات والمؤتمرات، وتقرير مركز التواصل مع الجامعات والمؤسسات.

 

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft